منتدى القاهرة 2026 يبحث استقلالية البنوك المركزية وسط ضغوط الديون والتضخم والسياسة

صوت |
الأحد 01/11/2026 07:24 م
منتدى القاهرة 2026 يبحث استقلالية البنوك المركزية وسط ضغوط الديون والتضخم والسياسة
وزيرة التخطيط

ناقشت فعاليات اليوم الأول من منتدى القاهرة الثالث Cairo Forum 2026 التحديات التي تواجه استقلالية البنوك المركزية، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام واستمرار الضغوط التضخمية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، إلى جانب تزايد مطالب الحكومات بالتوسع في الإنفاق والتمويل، وما تفرضه هذه العوامل من ضغوط على قرارات السياسة النقدية.

وأدارت الدكتورة هالة السعيد، أستاذ الاقتصاد ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية سابقًا ومستشار رئيس الجمهورية، جلسة بعنوان «عندما تُختبر الاستقلالية: المصداقية، والتوقعات، والضغوط السياسية في ظل تضخم غير مؤكد»، بمشاركة مارك أوزان، المدير التنفيذي للجنة إعادة ابتكار بريتون وودز، والدكتور كريم العيناوي، الرئيس التنفيذي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، وجويندولين أبوناو، العضو المنتدب لبنك إيكوبنك الكاميرون، والدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب.

وتناولت المناقشات العلاقة بين استقلالية السياسة النقدية والسياسة المالية، وحدود قدرة البنوك المركزية على مواجهة التضخم الناتج عن صدمات العرض والتغيرات في أسعار الصرف وأسعار الطاقة والغذاء، فضلًا عن انعكاسات السياسات النقدية للدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، على الاقتصادات الناشئة، وسبل تحقيق التوازن بين الاستقلالية والمساءلة والتنسيق المؤسسي.

هالة السعيد: البيئة الاقتصادية الحالية تضع استقلالية البنوك المركزية أمام اختبارات غير مسبوقة

وأكدت الدكتورة هالة السعيد أن استقلالية البنك المركزي ظلت لعقود إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي الكلي، انطلاقًا من أهمية منحه تفويضًا واضحًا، وإبعاد القرارات النقدية عن الاعتبارات السياسية قصيرة الأجل.

وأوضحت أن البيئة الاقتصادية الحالية تضع هذا المبدأ أمام اختبارات غير مسبوقة، في ظل استمرار التضخم وصعوبة التنبؤ بمساراته، وتكرار صدمات العرض والتوترات الجيوسياسية والأحداث المناخية، فضلًا عن تقلبات تدفقات رؤوس الأموال، خاصة في الاقتصادات التي تمتلك هوامش محدودة لامتصاص الصدمات.

وأشارت إلى أن البنوك المركزية مطالبة بالسيطرة على التضخم وتثبيت التوقعات ودعم الاستقرار المالي والحفاظ على ثقة الجمهور، إلا أن هذه الأهداف قد تتعارض في بعض الأحيان؛ إذ إن رفع أسعار الفائدة قد يكون ضروريًا لاحتواء التضخم، لكنه يؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة تكاليف الاقتراض، والحد من الاستثمار، وفرض ضغوط إضافية على المالية العامة.

وأضافت أن التحدي يصبح أكثر تعقيدًا في الاقتصادات الناشئة، حيث لا يرتبط التضخم بالطلب المحلي وحده، وإنما يتأثر أيضًا بأسعار الصرف والارتفاعات في أسعار الغذاء والطاقة وغيرها من السلع الاستراتيجية، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود فاعلية السياسة النقدية عندما تكون أسباب التضخم خارج السيطرة المباشرة للبنك المركزي.

مارك أوزان: استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منفعة عامة للاقتصاد العالمي

واستعرض مارك أوزان، المدير التنفيذي للجنة إعادة ابتكار بريتون وودز، مفهوم استقلالية البنك المركزي، موضحًا أنها تتخذ شكلين رئيسيين، هما استقلالية تحديد الأهداف واستقلالية الأدوات؛ إذ تحدد السلطات المنتخبة الأهداف العامة للسياسة النقدية، مثل مستهدف التضخم، بينما يحتفظ البنك المركزي بحرية اختيار الأدوات المناسبة لتحقيقها، بما يحقق التوازن بين الاختيار الديمقراطي والاستقلال الفني في التنفيذ.

وأوضح أن استقلالية البنوك المركزية تواجه ثلاثة أنواع متزامنة من الضغوط؛ أولها ضغوط مالية ناتجة عن ارتفاع الديون العامة وأسعار الفائدة، وثانيها ضغوط سياسية ترتبط بتزايد مخاطر الهيمنة المالية ومحاولات توظيف السياسة النقدية لتخفيف أعباء تمويل الحكومات، وثالثها ضغوط تكنولوجية في ظل اعتماد البنوك المركزية على البيانات والنماذج والخدمات السحابية وشبكات الدفع، وما يثيره ذلك من تساؤلات جديدة بشأن السيادة والاستقلال.

وأكد أوزان أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ليست شأنًا داخليًا يخص الولايات المتحدة وحدها، وإنما تمثل منفعة عامة للاقتصاد العالمي، محذرًا من أن الأسواق الناشئة ستكون من أوائل المتضررين حال تراجع هذه الاستقلالية.

وأشار إلى أن عددًا من الاقتصادات الناشئة بنى جانبًا من مصداقية سياساته النقدية على القدرة على التنبؤ بتحركات الاحتياطي الفيدرالي، وإمكانية الحصول على التمويل بالدولار والاستفادة من خطوط مبادلة العملات في أوقات الأزمات.

مارك أوزان يحذر من تداعيات تراجع الثقة في السياسة النقدية الأمريكية

ولفت أوزان إلى أن الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وإنما في فقدان القدرة على التنبؤ بمسار السياسة النقدية، موضحًا أنه إذا بدأت الأسواق في التشكيك في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فقد ترتفع علاوة الأجل على سندات الخزانة الأمريكية، بما ينعكس على تكلفة التمويل والتسعير في الأسواق العالمية.

وأضاف أن تقلبات الأسواق قد تكون أكثر ضررًا على الاقتصادات الناشئة من مستوى أسعار الفائدة ذاته، محذرًا من أن خضوع أقوى بنك مركزي في العالم للضغوط السياسية قد يشجع حكومات أخرى على محاولة التأثير في قرارات بنوكها المركزية.

ودعا إلى حماية استقلالية البنوك المركزية باعتبارها ركيزة للاستقرار الاقتصادي الكلي والاستقرار المالي.

وفي تعقيبه على العلاقة بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة، أشار أوزان إلى أن عددًا من الأسواق الناشئة تحرك مبكرًا لمواجهة موجات التضخم، وعمل على تعزيز احتياطياته وبناء هوامش وقائية أكبر، في ظل عالم يتسم بالتشرذم والتوترات الجيوسياسية، وصعوبة الاعتماد الكامل على خطوط مبادلة الاحتياطي الفيدرالي أو على دعم الاقتصادات الأخرى.

وأكد أن استقلالية البنك المركزي تظل حجر الزاوية للاستقرار الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء، مع ضرورة إخضاعها للمساءلة المؤسسية، مشددًا على أهمية شرح السياسات النقدية أمام المؤسسات التشريعية والجمهور.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً