شهدت أسعار الذهب تراجعًا حادًا خلال تعاملات الأسواق العالمية، بعدما فقد المعدن الأصفر أكثر من 3.5% من قيمته وهبط دون مستوى 4000 دولار للأوقية، في تحول لافت أعقب موجة صعود قياسية، وفتح هذا الهبوط الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل الأسعار، وما إذا كان التراجع يمثل حركة تصحيحية مؤقتة بعد المكاسب الكبيرة، أم يعكس تغيرًا أوسع في اتجاه السوق مع صعود الدولار وتزايد التوقعات بشأن أسعار الفائدة الأمريكية.
وأكد المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة لتداول الذهب، أن التراجع الأخير في أسعار المعدن الأصفر يتجاوز حدود جني الأرباح العادي، مرجعا ذلك إلى تحولات جوهرية في توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
تصحيح وإعادة تقييم.. وليس نهاية الصعود
وأوضح "إمبابي"، في تصريحات خاصة لموقع صوت، أن قوة الدولار وارتفاع أسعار الطاقة واستمرار مخاوف التضخم شكلت ضغوطا بيعية كبيرة على الذهب، بالإضافة إلى لجوء بعض المستثمرين إلى تسييل مراكزهم في الذهب لتوفير السيولة وتغطية خسائر أسواق الأسهم، مما فاقم حدة الهبوط.
وأضاف أن هذا لا يعني انتهاء الاتجاه الصاعد للذهب على المدى الطويل، مشيرا إلى أن مشتريات البنوك المركزية والطلب الاستثماري والمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية لا تزال تمثل عوامل دعم قوية للمعدن الأصفر، لافتا إلى أن السوق يمر حاليا بمرحلة تصحيح وإعادة تقييم قد تتحول إلى مسار هبوطي أطول في حال استمرار العوامل الضاغطة.
مستوى 3900 دولار تحت المجهر
وفيما يتعلق باحتمالات رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة في ديسمبر المقبل بنسبة 73%، أكد المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة أن هذا التوجه يمثل ضغطا مباشرا على الذهب، لأن ارتفاع الفائدة يعزز جاذبية الدولار والأصول المدرة للعائد على حساب الذهب الذي لا يدر عائدا دوريا.
وشدد على أن الأسواق بدأت بالفعل تسعير احتمالات الرفع، وبالتالي فإن التأثير الحقيقي سيتوقف على مدى تطابق قرار الفيدرالي مع التوقعات ونبرته المستقبلية.
وعلى الصعيد السعري، حدد "إمبابي"، مستوى 3900 دولار كمحطة محورية للمراقبة، يليه القاع الأخير عند 3870 دولارا، محذرًا من أن كسر هذين المستويين قد يفتح الباب أمام موجة تصحيح أعمق، فيما قد يساعد تراجع توقعات الفائدة وضعف الدولار وعوائد السندات على استعادة مستوى 4000 دولار، مع صعوبة تحديد مستهدف سعري دقيق في ظل التقلبات الحالية.
هل يعود الذهب فوق 4000 دولار؟
وحول إمكانية عودة الذهب فوق مستوى 4000 دولار قبل نهاية العام في ظل تراجع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية، أوضح إمبابي، أن العوامل الجيوسياسية لا تؤثر في اتجاه واحد، فتصاعد التوترات يزيد الطلب على الذهب كملاذ آمن، لكنه في المقابل قد يرفع أسعار النفط ويغذي التضخم ويعزز توقعات رفع الفائدة، مما يضغط على الذهب.
وأشار إلى أن تراجع النفط يخفف مخاوف التضخم وهو عامل إيجابي للذهب، لكنه في الوقت ذاته قد يعكس تراجعا في حدة التوترات وبالتالي انخفاض الطلب على الملاذات الآمنة.
ونوه إلى أن عودة الذهب فوق 4000 دولار تظل احتمالا قائما قبل نهاية العام، لكنها ترتبط بشكل أساسي باتجاه الدولار والعوائد الأمريكية وتوقعات الفائدة واستمرار الطلب الاستثماري، وليس بتراجع النفط وحده.
نصيحة للمستثمر الصغير
ووجه "إمبابي"، نصيحة للمواطن العادي والمستثمر الصغير، مؤكدا ضرورة تحديد الهدف من شراء الذهب أولا، فإذا كان الهدف هو الادخار والحفاظ على قيمة المدخرات على المدى الطويل، فإن التراجعات الحالية تمثل فرصة للشراء التدريجي بدلا من ضخ كامل السيولة دفعة واحدة، أما من اشترى عند مستويات مرتفعة بهدف الاستثمار طويل الأجل، فنصحه بعدم الانسياق وراء الخوف والبيع مع التراجعات اليومية، لأن الاتجاه طويل الأجل لا يزال مدعوما بعوامل اقتصادية قوية.
وحذر الباحثين عن المكاسب السريعة من التقلبات الحالية، مؤكدًا أن الذهب يظل أداة للادخار والتحوط على المدى الطويل، وليس وسيلة مضمونة لتحقيق أرباح سريعة، داعيًا إلى توزيع السيولة وعدم اتخاذ قرارات الشراء والبيع تحت ضغط الخوف أو الطمع.