كشف الدكتور أمجد القاضي، الخبير الدولي في مجال التمور ومدير مركز تكنولوجيا الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي بوزارة الصناعة، عن تحقيق صادرات التمور المصرية طفرة ملحوظة خلال عام 2025، سواء على مستوى الكميات المصدرة أو القيمة التصديرية، بما يعكس التطور الذي يشهده القطاع المصري والفرص الواعدة لتعزيز مكانته في الأسواق العالمية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تطوير جودة المنتج والتوسع في التصنيع وزيادة القيمة المضافة، بما يضمن تحقيق عائد اقتصادي أكبر من الثروة التي تمتلكها مصر في قطاع التمور.
وأوضح الدكتور أمجد القاضي في تصريح خاص لـ«صوت» أن كمية صادرات التمور الطازجة المصرية ارتفعت من نحو 88 ألف طن خلال عام 2024 إلى نحو 112 ألف طن في عام 2025، بمعدل نمو يقترب من 27%، وهو ما يعكس زيادة قدرة المنتج المصري على النفاذ إلى الأسواق الخارجية وتلبية احتياجات المستوردين.
وأضاف أن القيمة التصديرية شهدت ارتفاعًا أكبر، حيث صعدت من نحو 105 ملايين دولار في عام 2024 إلى نحو 161.6 مليون دولار خلال عام 2025، بمعدل زيادة بلغ نحو 53%، وهو ما يشير إلى أن التطور لم يقتصر على زيادة الكميات المصدرة، وإنما امتد أيضًا إلى ارتفاع القيمة الاقتصادية للطن من التمور المصرية.
وأشار إلى أن الفارق بين معدلات نمو الكميات والقيمة التصديرية يعكس أهمية العمل على تحسين جودة المنتجات، والارتقاء بمواصفاتها، والتوسع في الأصناف والمنتجات الأعلى قيمة، بما يسهم في تعظيم العائد من كل طن يتم تصديره، بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة حجم الصادرات.
تقدم عالمي ملحوظ
ولفت القاضي إلى أن مصر حققت تقدمًا واضحًا في ترتيبها العالمي بصادرات التمور، وفقًا للبيانات المتاحة لديه، حيث انتقلت من المركز الثاني عشر عالميًا عام 2021 إلى المركز التاسع عام 2022، ثم المركز الخامس خلال عام 2024، وصولًا إلى المركز الرابع عالميًا في عام 2025.
وأكد أن هذا التقدم يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها قطاع التمور المصري، خاصة أن مصر تعد أكبر دولة في العالم من حيث إنتاج التمور، وهو ما يمنحها قاعدة إنتاجية قوية يمكن البناء عليها لزيادة الصادرات وتعزيز الحضور في الأسواق الدولية.
وشدد على أن الحفاظ على هذا التقدم يتطلب الانتقال من مجرد تصدير التمور في صورتها الأولية إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتجهيز والتصنيع والتسويق، بما يسمح لمصر بالاستفادة بصورة أكبر من مواردها الإنتاجية، وتحويلها إلى منتجات متنوعة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
تطوير جودة الإنتاج
وأوضح القاضي أن المسار الأول لتحقيق نقلة حقيقية في قطاع التمور يتمثل في تطوير الإنتاج والجودة، من خلال تحسين الممارسات الزراعية، والاهتمام بمعاملات ما بعد الحصاد، وتطوير عمليات الفرز والتدريج والتخزين، بما يضمن الحفاظ على جودة التمور المصرية ورفع قدرتها على تلبية الاشتراطات والمواصفات المطلوبة في الأسواق التصديرية.
وأشار إلى أن جودة المنتج تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء ثقة المستهلك والمستورد، كما أن الالتزام بالمواصفات القياسية واستقرار مستوى الجودة من شحنة إلى أخرى يمثلان عاملين حاسمين في استمرار العلاقات التجارية وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.
تعميق التصنيع المحلي
وأكد القاضي أن المسار الثاني، والأكثر أهمية في تعظيم العائد الاقتصادي، يتمثل في تعميق التصنيع وزيادة القيمة المضافة، من خلال التوسع في إنتاج المنتجات المصنعة من التمور، وتطوير التكنولوجيا وخطوط الإنتاج، وتشجيع الاستثمارات الجديدة في هذا المجال.
وأوضح أن هناك فرصًا كبيرة للاستفادة من التمور الفائضة، ولا سيما الأصناف الرطبة، بدلًا من الاقتصار على تسويقها في صورتها التقليدية، وذلك من خلال إدخالها في صناعات غذائية متعددة، تشمل المربى ومعجون التمور وكريمة التمور القابلة للفرد والدبس والسكر السائل، وغيرها من المنتجات التي يمكن أن تفتح أسواقًا استهلاكية جديدة أمام التمور المصرية.
وأضاف أن التوسع في هذه الصناعات لن يساهم فقط في زيادة القيمة الاقتصادية للمنتج، وإنما سيعمل أيضًا على تنويع الصادرات، والاستفادة من مختلف الأصناف والدرجات، وخلق فرص استثمارية وصناعية جديدة، فضلًا عن تقليل الفاقد وتعظيم الاستفادة من الإنتاج المحلي.
فتح أسواق جديدة
وأشار القاضي إلى أن المسار الثالث يرتبط بتعزيز الترويج والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، من خلال التسويق الاحترافي للأصناف والمنتجات المصرية، وربط الحملات الترويجية بالقدرات الإنتاجية الفعلية للمصانع، إلى جانب بناء شراكات تجارية واستثمارية دولية تساهم في توسيع قاعدة الأسواق المستقبلة للمنتج المصري.
وأكد أهمية أن يكون الترويج قائمًا على فهم احتياجات كل سوق، وطبيعة المستهلكين فيه، والمنتجات التي يزداد الطلب عليها، مع تطوير أدوات التسويق والتعبئة والتغليف، بما يعزز الصورة الذهنية للتمور المصرية ويرفع قدرتها على المنافسة أمام المنتجات العالمية.
مصر مركز إقليمي
واختتم الدكتور أمجد القاضي تصريحه بالتأكيد على أن مصر تمتلك فرصة كبيرة للتحول إلى مركز إقليمي لتجهيز وتصنيع وتصدير منتجات التمور، وليس فقط باعتبارها أكبر دولة في العالم إنتاجًا للتمور، وإنما باعتبارها دولة لديها إمكانات إنتاجية وصناعية واستثمارية تؤهلها لتعزيز موقعها في سلاسل القيمة العالمية.
وقال إن تحقيق هذا الهدف يتطلب تكامل المسارات الثلاثة، بداية من تطوير الإنتاج وتحسين الجودة، مرورًا بتعميق التصنيع وزيادة القيمة المضافة، وصولًا إلى الترويج الاحترافي وفتح أسواق جديدة، مشددًا على أن نجاح القطاع يرتبط بوجود منظومة متكاملة تجمع بين جودة المنتج والقدرة التصنيعية والالتزام بالتوريد.
وأكد القاضي أن «الترويج يفتح الباب، والجودة تكسب ثقة المستهلك، والتصنيع يضيف القيمة، والالتزام بالتوريد هو الذي يحافظ على السوق»، موضحًا أن الهدف الحقيقي لا يتمثل فقط في بيع كميات أكبر من التمور المصرية، وإنما في تصدير منتجات مصرية أعلى قيمة وأكثر تنوعًا، وقادرة على المنافسة والاستمرار في الأسواق العالمية، بما يضمن تعظيم العائد الاقتصادي من أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التي تمتلك فيها مصر ميزة إنتاجية كبيرة.