نظمت نقابة المهندسين ورشة عمل موسعة بعنوان «استخدامات الأسمنت البوزولاني في مصر»، بمشاركة واسعة من ممثلي وزارة الصناعة، والمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، ولجان الكود المصري، ومعهد بحوث مواد البناء وضبط الجودة، واتحاد الصناعات، وأساتذة الجامعات والمراكز البحثية، إلى جانب ممثلي القطاع الصناعي والاستثماري ومصانع الأسمنت.
وشهدت الورشة مناقشات موسعة حول الجوانب العلمية والفنية والاقتصادية والبيئية لاستخدام الأسمنت البوزولاني، ومدى إمكانية التوسع في الاعتماد عليه بما يدعم الصناعة المحلية والاستدامة، مع الحفاظ على اشتراطات السلامة وجودة المنشآت.
نقيب المهندسين: نحتاج رؤية علمية واضحة للتوسع في استخدام الأسمنت البوزولاني
وأكد الدكتور المهندس محمد عبد الغني، نقيب المهندسين، أن ورشة العمل تمثل بداية مهمة لمناقشة أحد الملفات الهندسية والصناعية محل الاهتمام، مشيرًا إلى أن النقابة تؤدي دورها باعتبارها الاستشاري الأول للدولة في مجال تخصصها، وتعمل على دراسة القضايا الهندسية المهمة والخروج برؤى تستند إلى العلم والخبرة.
ورحب نقيب المهندسين بالمشاركين، موجهًا الشكر إلى أعضاء شعبة الهندسة المدنية ولجنة الصناعة بالنقابة على تنظيم اللقاء، وكذلك أساتذة الجامعات والخبراء والعلماء وممثلي مراكز البحوث وصناعة الأسمنت والجهات المعنية.
وأوضح أن ملف الأسمنت البوزولاني يحظى باهتمام كبير من النقابة، خاصة في ظل النقاش الدائر حول مدى ملاءمة استخدامه، مؤكدًا أن التعامل مع مثل هذه الملفات يجب أن يتم من خلال دراسة علمية دقيقة، وتحديد نقاط الخلاف والاتفاق، وصولًا إلى نتائج واضحة يمكن البناء عليها.
بحث التوسع في استخدام الأسمنت البوزولاني ودعم الاقتصاد الوطني
وأشار عبد الغني إلى أن الهدف الأساسي من الورشة هو الوصول إلى رؤية متكاملة بشأن إمكانية التوسع في استخدام الأسمنت البوزولاني، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا للدولة ويدعم الصناعة الوطنية، مع دراسة التحفظات المتعلقة بالجوانب الفنية والهندسية ومدى أمان استخدامه في مختلف أنواع المنشآت.
وشدد على أهمية الاستماع إلى جميع الآراء ووجهات النظر، سواء المؤيدة أو المتحفظة، في إطار من الحوار العلمي والمهني، مؤكدًا أن النقابة تستهدف الخروج بنتائج وتوصيات محددة يمكن الاستناد إليها في التعامل مع هذا الملف.
ولفت إلى أن التوصيات النهائية للورشة سيتم إعدادها بالتوافق بين الخبراء والعلماء وممثلي الصناعة المشاركين، تمهيدًا لرفعها إلى وزارة الصناعة والجهات الحكومية المعنية.
3 جلسات لمناقشة الجوانب الفنية والاقتصادية والبيئية
وتضمنت الورشة ثلاث جلسات رئيسية؛ تناولت الجلسة الأولى المحاور الفنية والأكاديمية والكودية وأدارها المهندس الاستشاري السيد حسن، بينما أدار الجلسة الثانية المهندس محمد رضا عصر، فيما تولى الدكتور المهندس مصطفى هدهود إدارة الجلسة الثالثة التي شهدت نقاشات موسعة بين المشاركين.
وشهدت فعاليات الورشة حضور المهندس الاستشاري السيد حسن، أمين الصندوق المساعد، والدكتور المهندس مصطفى هدهود، رئيس لجنة الصناعة، والمهندسة زينب شاور، وكيل شعبة الهندسة المدنية، والمهندس محمد عبدالعاطي عدنان، وكيل لجنة الصناعة، والمهندس محمد رضا عصر، مقرر اللجنة، والمهندس محمود جمال، المقرر المساعد للجنة.
السيد حسن: اختيار الأسمنت يجب أن يخضع للكود وليس للسعر
وأكد المهندس الاستشاري السيد حسن أن الدور المهني لنقابة المهندسين يشمل رفع الوعي الفني لدى المهندسين، من خلال تنظيم الندوات والدورات التدريبية الخاصة بأنواع الأسمنت الحديثة، ومن بينها الأسمنت البوزولاني، مع توضيح الاستخدامات المناسبة له ومزاياه وحدود الاعتماد عليه.
وشدد على أن اختيار نوع الأسمنت المستخدم في المشروعات يجب ألا يستند إلى السعر فقط، وإنما إلى المواصفات الفنية والكود المصري وتصميم المنشأ وطبيعة وظروف التعرض، مؤكدًا أن حماية جودة التنفيذ وسلامة المنشآت تمثل أولوية أساسية.
وأشار إلى ضرورة أن يكون للنقابة دور في تطوير الأكواد والمواصفات المصرية الخاصة بمواد البناء والخرسانة، بما يتواكب مع التطورات العالمية، إلى جانب مواجهة الاستخدام العشوائي لمواد البناء.
دعم الأسمنت منخفض الكلنكر مع الحفاظ على السلامة
وأوضح حسن أن النقابة يمكنها تشجيع استخدام الأسمنت والمواد ذات المكونات البوزولانية متى كانت مطابقة للمواصفات، لما يمكن أن تحققه من فوائد في تقليل استهلاك الكلنكر والحد من الانبعاثات الكربونية، دون التأثير على متطلبات السلامة والجودة.
وأكد ضرورة الحفاظ على الاستقلالية الفنية للمهندس الاستشاري، وعدم إلزامه باستخدام نوع محدد من الأسمنت لمجرد انخفاض تكلفته إذا كان غير متوافق مع الكود والمواصفات.
واقترح تبني النقابة مبادرة تحت عنوان «نحو الاستخدام الآمن والمستدام للأسمنت البوزولاني في مشروعات مصر»، تجمع بين متطلبات السلامة الإنشائية وخفض التكلفة والاستدامة البيئية ودعم الصناعة الوطنية.
هدهود: نبحث الجدوى الاقتصادية والأمان الإنشائي
وأوضح الدكتور المهندس مصطفى هدهود، رئيس لجنة الصناعة بنقابة المهندسين، أن الورشة تستهدف دراسة الأسمنت البوزولاني من مختلف الجوانب العلمية والصناعية والبحثية، إلى جانب استعراض تطبيقاته في قطاع التشييد والبناء.
وأشار إلى أن المناقشات تستهدف الوصول إلى رؤية موحدة بشأن الجدوى الاقتصادية لتعظيم القيمة المضافة في قطاع التصنيع الإنشائي، فضلًا عن بحث دوره في توفير العملة الصعبة ودعم الاستدامة البيئية، مع التأكيد على تحقيق أعلى مستويات الأمان للمنشآت.
وأضاف أن لجنة الصناعة بالنقابة وضعت استراتيجية تقوم على دراسة ومناقشة «ملف صناعي متكامل» بصورة شهرية، من خلال ندوات موسعة تجمع مختلف الأطراف المعنية، بهدف توطين صناعة الخامات ومستلزمات الإنتاج محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد تدريجيًا.
تحديثات الكود المصري تفتح الباب أمام أنواع جديدة من الأسمنت
وخلال الجلسة الأولى، استعرض الأستاذ الدكتور طارق بهاء، نائب رئيس المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، تحديثات الكود المصري الخاصة بأنواع الأسمنت المستخدمة في المنشآت الخرسانية والإجراءات التي اتخذها المركز بشأن الأسمنت البوزولاني.
وأوضح أن اللجنة الدائمة للكود المصري أجرت تحديثات خلال أعوام 2018 و2020 و2025، تضمنت إدراج أنواع جديدة من الأسمنت للاستخدام في الخرسانة، بالتنسيق بين المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء والهيئة العامة للمواصفات والجودة.
وأشار إلى أن تحديثات عام 2020 تضمنت إدراج الأسمنت البورتلاندي البوزولاني والأسمنت البوزولاني المقاوم للكبريتات، إلى جانب تحديد نسب إحلال الكلنكر للأنواع الأخرى المسموح باستخدامها، بينما شهدت تحديثات عام 2025 زيادة نسب إحلال البوزولانا في بعض أنواع الأسمنت البوزولاني.
الأسمنت البوزولاني مناسب لـ97% من أعمال التشييد وفق الدراسات المعروضة
وأوضح بهاء أن مواصفات مونة البياض والمباني الصادرة عن المركز القومي لبحوث الإسكان عام 2025 أكدت إمكانية استخدام أنواع الأسمنت الجديدة، خاصة الأسمنت البوزولاني، في أعمال البياض والمباني بهدف خفض الانبعاثات الكربونية.
واستعرض إحصائيات المركز بشأن استخدام الأسمنت في قطاعات التشييد، والتي تشير إلى أن 40% من الاستخدامات ترتبط بالتشطيبات وأعمال الموقع العام، و45% بالهيكل الخرساني العلوي، و12% بالأساسات في البيئات غير العدوانية، و3% بالأساسات في البيئات العدوانية أو المعرضة للمهاجمة المزدوجة.
وبناءً على هذه النسب، أوضح أن الأسمنت البوزولاني والبورتلاندي البوزولاني يمكن استخدامهما في نحو 97% من أعمال التشييد، بينما تظل نسبة الـ3% مرتبطة بالأعمال الواقعة في بيئات عدوانية، خاصة المعرضة للكلوريدات أو للمهاجمة المزدوجة من الكلوريدات والكبريتات، حفاظًا على سلامة المنشآت وقدرتها على التحمل مع مرور الزمن.
دراسات بحثية تؤكد أهمية تحديد طبيعة البيئة الإنشائية
واستعرض الأستاذ الدكتور المهندس محمد خفاجة، مدير معهد بحوث مواد البناء وضبط الجودة بالمركز القومي لبحوث الإسكان، الدراسات التي أجراها المركز بشأن الأسمنت البوزولاني وخططه البحثية في هذا المجال.
وأوضح أن المركز نفذ خططًا بحثية بالتعاون مع أربع شركات لإنتاج الأسمنت، وانتهت إلى التوصية باستخدام الأسمنت البوزولاني في المنشآت الخرسانية الواقعة في البيئات غير العدوانية أو المعرضة لمهاجمة أملاح الكبريتات فقط، مع عدم التوصية باستخدامه في المنشآت المعرضة لمهاجمة أملاح الكلوريدات أو المهاجمة المزدوجة.
كما أشار إلى دراسة أخرى أجراها المركز حول الأسمنت المحتوي على بوزولانا طبيعية «بازلت» بنسب إحلال تصل إلى 20%، والتي أكدت إمكانية الاستخدام، مع ضرورة التوسع في دراسة خامات البازلت الموجودة بالمحاجر المصرية، نظرًا لاختلاف تركيبها الكيميائي والمعدني.
خبراء يحذرون من تفاوت خامات البازلت المصرية
وأكدت الدكتورة أميمة صلاح الدين، رئيس المركز القومي لبحوث الإسكان سابقًا، أن استخدام البوزولانا الطبيعية ليس ظاهرة حديثة، وإنما له تاريخ طويل في عدد من الدول، مشددة على أهمية الخروج من الورشة باستراتيجية واضحة تجمع بين الاعتبارات الفنية والإدارية والاقتصادية وتضمن سلامة المنشآت.
من جانبه، استعرض الدكتور هشام خاطر، أستاذ كيمياء الأسمنت بمعهد بحوث الخامات، الرؤية الفنية بشأن استخدام البازلت في صناعة الأسمنت، موضحًا أن خفض نسبة الكلنكر من خلال إنتاج الأسمنت البوزولاني يمثل أحد الاتجاهات المهمة لدعم الاستدامة والصناعة الوطنية.
وأشار إلى أن اختلاف التركيب من محجر إلى آخر، بل ومن قطاع إلى آخر داخل المحجر نفسه، إلى جانب وجود البازلت المجوى والبازلت الطازج، يمثل تحديًا أمام التوسع في استخدامه، مطالبًا بإجراء دراسات تفصيلية تحدد نوع ومصدر ونسبة البازلت المصري المستخدم في إنتاج الأسمنت.
مقارنة بالتجارب الدولية في استخدام الأسمنت البوزولاني
وتناول الدكتور شادي محمد نبيل، عضو لجنة الكود بالمركز القومي لبحوث الإسكان، الرؤية الفنية المتعلقة بالبوزولانا الطبيعية، وإمكانية اعتبار البازلت المصري مادة بوزولانية صالحة للاستخدام في صناعة الأسمنت.
وأشار إلى اختلاف الممارسات الدولية في هذا المجال، موضحًا أن بعض الدول، ومنها إسبانيا وإيطاليا، تسمح باستخدام الأسمنت البوزولاني في الخرسانة المعرضة للمهاجمة المزدوجة، بينما تمنع دول أخرى مثل ألمانيا هذا الاستخدام، لافتًا إلى أن طبيعة البوزولانا تختلف من دولة إلى أخرى.
كما استعرض نتائج أبحاث المركز بشأن استخدام الأسمنت المحتوي على البازلت كبوزولانا طبيعية في الخرسانة، والتي أظهرت انخفاض مقاومة الضغط للخرسانة المصنعة من الأسمنت البوزولاني عند تعرضها لمهاجمة أملاح الكلوريدات أو المهاجمة المزدوجة من الكلوريدات والكبريتات.
وشدد على أهمية ضبط نسب المياه في الخلطات الخرسانية، إلى جانب معالجة الخرسانة بالمياه لمدة أسبوعين، للحد من احتمالات ظهور شروخ الانكماش.
دعوات لتطوير الكود ودعم صناعة تشييد منخفضة الكربون
وشهدت الورشة عرض عدد من الدراسات والأبحاث المتخصصة، من بينها محاضرة للأستاذة الدكتورة هناء غراب، أستاذ الكيمياء التطبيقية بكلية العلوم بجامعة العاصمة، حول «كيمياء الأسمنت البوزولاني».
كما تناول الأستاذ الدكتور عادل الكردي، العميد الأسبق لكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية ومستشار رئيس جامعة بيروت العربية للتخطيط الاستراتيجي والمشروعات، دور الأسمنت البوزولاني في التحول نحو صناعة تشييد مستدامة ومنخفضة الكربون في مصر، مؤكدًا أن قطاع التشييد والبناء من القطاعات الأكثر استهلاكًا للموارد الطبيعية وإنتاجًا للانبعاثات الكربونية.
وطالب الدكتور المهندس علي إبراهيم درويش، أستاذ خواص واختبار المواد بكلية الهندسة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، بتطوير الكود المصري، مشيرًا إلى أهمية وضوح وسهولة الأكواد الفنية، مع السماح باستخدام المواد المختلفة طالما استوفت القواعد والمواصفات المطلوبة.
اتحاد الصناعات: تحديد نطاق الاستخدام هو الحل
وأكد الدكتور خالد عبد العظيم، المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات المصرية، أهمية ما شهدته الورشة من نقاش علمي وفني حول مستقبل الأسمنت البوزولاني، مشيرًا إلى أن الهدف يجب أن يتمثل في تطوير الأكواد وتشجيع الاعتماد على الخامات المحلية قدر الإمكان، دون المساس بسلامة المنشآت أو مخالفة المعايير العلمية.
وأوضح أن الآراء المطروحة خلال الورشة استندت إلى دراسات وأسس علمية، سواء من جانب المؤيدين للتوسع في استخدام الأسمنت البوزولاني أو المتحفظين على بعض تطبيقاته، معتبرًا أن الوصول إلى رؤية متوازنة يتطلب التركيز على «نطاق الاستخدام» وتحديد الحالات التي يكون فيها الأسمنت البوزولاني مناسبًا وآمنًا، بما يحقق التوازن بين دعم الصناعة الوطنية والاستدامة وخفض التكلفة، والحفاظ على سلامة المنشآت وجودتها.