دينا أبو المجد تكتب.. «هشام الحصرى.. حين يصبح الفلاح قضية»

صوت |
الأحد 27/09/2026 05:50 م
دينا أبو المجد تكتب.. «هشام الحصرى.. حين يصبح الفلاح قضية»
دينا ابوالمجد
ك
كاتب

هذا المقال لا يحاول أن يكتب سيرة هشام الحصري، ولا أن يعيد سرد المناصب التي مر بها، ولا أن يحتفي بالنجاحات بوصفها عناوين شخصية.

المسألة هنا أبعد من ذلك...إنها محاولة لقراءة الأثر؛ ماذا يحدث حين يتحول ملف من مجرد اختصاص برلماني إلى قضية حاضرة، وحين تصبح قضايا الفلاح جزءًا من فعل سياسي وتشريعي ممتد، لا مجرد عناوين تُطرح تحت القبة ثم تنتهي بانتهاء الجلسة؟

من هذه الزاوية تحديدًا، تأتي حكاية هشام الحصري مع الزراعة...فالرجل لم تكن الزراعة مهنته، ولم يأتِ إلى هذا الملف من الطريق التقليدي. خلفيته العسكرية والأمنية كانت بعيدة في طبيعتها عن الحقل ومهنة الزراعة.

لكن الحياة لا تصنع دائمًا علاقاتها من المهنة.. أحيانًا تصنعها من القرب من الناس، ومنذ نشأته، كان الحصري قريبًا من أهل دائرته وقراها، ولمس تفاصيل المجتمع الذي يعيش فيه، وعرف طبيعة العلاقة التي تربط الناس بأرضهم ومصادر رزقهم.

لذلك، حين أصبحت الزراعة في قلب تجربته البرلمانية، لم يكن يتعامل مع قضية يتعرف إليها للمرة الأولى من الأوراق والتقارير، كان يعرف الإنسان الذي يقف خلفها… وهنا تبدأ القصة الحقيقية

على مدار سنوات، ارتبط اسم هشام الحصري بلجنة الزراعة والري والأمن الغذائي بمجلس النواب، التي ترأسها منذ عام 2015 وحتى عام 2025، لكن اختزال تلك السنوات في منصب أو مدة زمنية يضيّع جوهر التجربة.

السؤال الأهم ليس: كم عامًا ترأس اللجنة؟وإنما: ماذا فعل هذا الحضور بالقضية نفسها؟

خلال تلك السنوات، كانت أمام اللجنة ملفات متشابكة تمس الزراعة في تفاصيلها اليومية؛ الأسمدة ومستلزمات الإنتاج، التقاوي وجودتها، أسعار المحاصيل ومستحقات المزارعين، القطن، التعاونيات، التسويق والزراعات التعاقدية، الثروة الحيوانية والري، حماية الرقعة الزراعية، التصدير ،وصولًا إلى الأمن الغذائي.

والمهم هنا ليس تعداد هذه الملفات بقدر ما هو النظر إلى الطريقة التي تتصل بها ببعضها.

فالسماد جزء من تكلفة الإنتاج، والتكلفة تؤثر في قرار المزارع، والإنتاج يحتاج إلى سوق، والسوق يرتبط بالسعر، والسعر في النهاية ينعكس على قدرة المزارع على الاستمرار.

بهذا المعنى، لم تعد القضية الزراعية مجموعة ملفات منفصلة، وإنما أصبحت منظومة واحدة، تتداخل فيها مصالح المزارع والمنتج والسوق والمستهلك والإقتصاد.

وفي قلب هذه المنظومة كان الفلاح حاضرًا، لا باعتباره عنوانًا سياسيًا، وإنما باعتباره الطرف الذي تظهر عنده نتائج القرارات.

وهنا يمكن فهم طبيعة الدور الذي ارتبط بالحصري داخل لجنة الزراعة.

فالمناقشة البرلمانية لا تنتهي عند الاستماع إلى المشكلة، وإنما قيمتها في تحويلها إلى سؤال رقابي أو تشريعي، وفي دفع الجهات المعنية إلى التعامل معها، وفي إبقاء الملف حاضرًا عندما تتكرر المشكلة أو تتسع آثارها.

وهذا هو الفارق بين التعامل مع الملف باعتباره إجراءً برلمانيًا، والتعامل معه باعتباره قضية تحتاج إلى متابعة مستمرة.

لم تكن الزراعة بالنسبة إلى اللجنة مجرد قطاع اقتصادي من قطاعات الدولة...كانت ملفًا يتقاطع مع الإقتصاد، والإنتاج، والأسعار، والمياه، والأرض، والثروة الحيوانية،وفي النهاية مع الأمن الغذائي.

ومن هنا اكتسبت لجنة الزراعة وزنًا يتجاوز حدود اختصاصها الفني، فالملفات التي تناقشها اللجنة لم تكن بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن؛ لأن ما يحدث في الأرض ينعكس على السوق، وما يحدث في السوق ينعكس على المنتج والمستهلك.

وفي هذا السياق، يصبح حضور الحصري في الملف أكثر قابلية للقراءة بعيدًا عن لغة المناصب، فالموقع البرلماني في حد ذاته لا يصنع أثرًا.

الأثر يأتي مما يفعله صاحبه بهذا الموقع، ولعل الأهم أن كثيرًا من هذه القضايا لم تتوقف عند حدود طرح المشكلة ومناقشتها تحت القبة، وإنما امتدت إليها المتابعة البرلمانية حتى ظهرت نتائج ملموسة على أرض الواقع، سواء في حل المشكلة أو دفع الجهات المعنية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها، ومن هنا تظهر أهمية قدرة الحصري على إبقاء القضية حاضرة، وربط ما يحدث على الأرض بما يُناقش داخل البرلمان، وهو ما يبرز كذلك أهمية العلاقة بينه وبين أهل دائرتة. 

فالكثير من القضايا الزراعية لا تبدأ داخل قاعة المجلس، وإنما تبدأ من قرية أو حقل أو شكوى مزارع، ثم تجد طريقها إلى المؤسسات عندما تتحول من مشكلة فردية إلى قضية عامة.

وبالتالي، فإن المسافة بين النائب والمزارع ليست مجرد مسافة بين مكانين، وإنما قناة يفترض أن ينتقل عبرها صوت الناس إلى دوائر التشريع والرقابة.

وهذه النقطة تحديدًا تمنح التجربة معناها الأوسع، فالفلاح لم يكن مجرد عنوان يُستدعى عند الحديث عن الزراعة، وإنما كان حاضرًا في خلفية الملفات التي تتصل بالإنتاج والتكلفة والتسويق والأسعار.

لكن الأهم أن هذه القضايا لم تتوقف عند حدود مصلحة فئة بعينها، فعندما نتحدث عن تكلفة الإنتاج، فنحن نتحدث عن استقرار الزراعة.

وعندما نتحدث عن استقرار الزراعة، فنحن نتحدث عن استمرار الإنتاج، وعندما نتحدث عن الإنتاج، فنحن نتحدث في النهاية عن الغذاء.

وهكذا انتقلت القضية من الفلاح إلى القطاع، ومن القطاع إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى الأمن الغذائي القومى .

لاحقًا، اتسعت مسؤوليات هشام الحصري السياسية والبرلمانية، وانتقل حضوره إلى مواقع أخرى، من بينها موقع نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن بمجلس النواب، إلى جانب موقع نائب رئيس البرلمان العربي.

لكن استعراض هذه المواقع ليس هو الهدف.. الأهم هو ما الذي انتقل معه من موقع إلى آخر.

والإجابة هنا ليست مجرد خبرة برلمانية تراكمت على مدار سنوات، وإنما خبرة في ملف شديد الاتصال بحياة الناس، وفي قضية لا تنتهي عند حدود لجنة أو دورة برلمانية.

وهذا ما يجعل قراءة تجربة الحصري مختلفة عن قراءة سيرة سياسية تقليدية، فالمناصب يمكن تسجيلها في سطور… أما الأثر، فيحتاج إلى النظر في الملفات التي بقيت حاضرة، وفي القضايا التي ظلت تنتقل من الواقع إلى البرلمان، وفي مدى تحولها من مشكلات متفرقة إلى نقاش عام ومستمر.

لهذا، فإن الحديث عن هشام الحصري لا ينبغي أن يتحول إلى احتفال بالشخص بقدر ما يجب أن يكون قراءة في الفعل.

الرجل هنا ليس منفصلًا عن القضية، لكنه أيضًا ليس القضية كلها.

القضية هي الزراعة، والإنسان الذي يقف في قلبها هو الفلاح، والدور البرلماني هو المساحة التي تلتقي فيها هذه العناصر...ومن هنا تأتي دلالة العنوان:

هشام الحصري.. حين يصبح الفلاح قضية.

ليس المقصود أن الفلاح كان مجرد عنوان في تجربة رجل، وإنما أن سنوات من العمل البرلماني جعلت الملفات المرتبطة به جزءًا من مساحة مستمرة من التشريع والرقابة والمناقشة.

وفي النهاية، قد تتغير المواقع، وتتبدل اللجان، وتتغير الوجوه، لكن القضايا التي تمس حياة الناس لا تنتهي بانتهاء المناصب.

ويبقى السؤال الأهم في أي تجربة: ماذا تركت وراءها؟

وفي حالة هشام الحصري، لا تُقرأ التجربة في عدد المناصب، وإنما في قضية ظل وما زال حاضرًا فيها، يتابعها من داخل البرلمان وخارجه ، ويربط مشكلاتها بالتشريع والرقابة والنتائج على أرض الواقع.

حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالزراعة والأمن الغذائي، وبملف الفلاح، ليس داخل البرلمان فقط، وإنما في كل مساحة يُطرح فيها هذا الملف.

فلم يكن الحصري مجرد رئيس للجنة.. بل أصبح جزءًا من حكاية الزراعة والأمن الغذائي، كما أصبح الفلاح جزءًا أصيلًا من تجربته.

هشام الحصري.. حين يصبح الفلاح قضية

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً