نظرية الأخلاط.. اعتقاد طبي هيمن على العالم لقرون

صوت |
السبت 26/09/2026 10:15 م
نظرية الأخلاط.. اعتقاد طبي هيمن على العالم لقرون
نظرية الأخلاط

على مدار قرون طويلة، آمن البشر بنظريات مختلفة لتفسير الأمراض والأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات، ومن أبرزها نظرية «الميازما» (Miasma)، التي انتشرت قديمًا في مناطق مختلفة من العالم، بينها أوروبا والهند والصين.

وافترضت هذه النظرية أن الأمراض تنتشر بسبب ما عُرف آنذاك بـ«الهواء الفاسد» أو «هواء الليل»، إذ اعتقد الناس أن اختلاط الهواء النقي بجزيئات ناتجة عن تحلل المواد العضوية يمكن أن يؤدي إلى انتشار الأمراض.

وبالتوازي مع ذلك، سادت لقرون نظرية أخرى حاولت تفسير عمل جسم الإنسان وأسباب المرض، وهي «نظرية الأخلاط»، التي أصبحت من أبرز النظريات الطبية في العصور القديمة والوسطى.

كيف ظهرت نظرية الأخلاط؟

بدأت ملامح نظرية الأخلاط في بلاد الإغريق خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، ثم اكتسبت انتشارًا أكبر من خلال كتابات أبقراط، الذي عاش بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وأسهم في صياغة النظرية وتوضيح مبادئها.

وبحسب النظرية، ترتبط صحة الإنسان ووظائف جسمه بتوازن أربعة مكونات أساسية، هي: الدم، والبلغم، والصفراء، والصفراء السوداء.

وكان الدم مرتبطًا بالقلب، ويُعتقد أنه ساخن ورطب، بينما ارتبط البلغم بالدماغ واعتُبر باردًا ورطبًا.

أما الصفراء فارتبطت بالكبد، ووُصفت بأنها ساخنة وجافة، في حين ارتبطت الصفراء السوداء بالطحال واعتُبرت باردة وجافة.

التوازن بين الأخلاط أساس الصحة

اعتقد أنصار النظرية أن الحفاظ على التوازن بين الأخلاط الأربعة داخل الجسم هو أساس الصحة والوقاية من الأمراض.

وبناءً على هذا الاعتقاد، ظهرت ممارسات علاجية استهدفت إعادة التوازن بين هذه المكونات، ومن بينها الفصد، الذي استخدمه الأطباء لسحب الدم من المرضى، اعتقادًا بأن ذلك يمكن أن يعالج اختلالًا في الأخلاط.

جالينوس يوسع انتشار النظرية

في القرن الثاني الميلادي، أعاد الطبيب الإغريقي جالينوس، الذي مارس الطب في الإمبراطورية الرومانية، تطوير أفكار نظرية الأخلاط وربطها بصفات جسدية وفيزيائية، كما ربط بينها وبين الحالة المزاجية للإنسان.

ومع مرور الوقت، ساهمت أعمال جالينوس في ترسيخ النظرية داخل الطب البيزنطي ومناطق واسعة من أوروبا.

وخلال العصور الوسطى وعصر النهضة، أصبحت أفكار جالينوس جزءًا أساسيًا من المناهج الطبية في العديد من الجامعات، وظلت مؤثرة في طرق تشخيص الأمراض وعلاجها.

وكان الأطباء يعتمدون على تغيير أنظمة الغذاء والنوم والنشاط وغيرها من العادات بهدف تحقيق ما اعتقدوا أنه التوازن المطلوب بين الأخلاط، إلى جانب محاولة ضبط الحالة النفسية والمزاجية للمريض.

وليام هارفي يفتح الطريق أمام تراجع النظرية

استمر تأثير نظرية الأخلاط لقرون، قبل أن تبدأ مكانتها في التراجع تدريجيًا مع التطورات العلمية والطبية.

وفي عام 1628، قدم الطبيب الإنجليزي وليام هارفي وصفًا أكثر دقة للدورة الدموية، وهو ما شكل تحولًا مهمًا في فهم وظائف جسم الإنسان، وأثار تساؤلات حول العديد من الأفكار الطبية القديمة.

وتزامن ذلك مع تطورات في علم التشريح وظهور أدوات بصرية ساعدت العلماء على دراسة الأجسام الدقيقة بصورة أكثر دقة.

نظرية الخلية واكتشاف عالم الكائنات الدقيقة

شهد القرن التاسع عشر تطورات علمية متلاحقة أسهمت في تقويض النظريات الطبية القديمة، ومن بينها ظهور نظرية الخلية التي تطورت من خلال أعمال ماتياس جاكوب شلايدن وتيودور شوان.

وأوضحت النظرية أن الكائنات الحية، ومنها النباتات والحيوانات، تتكون من خلايا، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل فهم العلماء لبنية الجسم ووظائفه.

وفي الفترة نفسها، تطور علم الأحياء الدقيقة بفضل أبحاث علماء مثل روبرت كوخ ولويس باستور، وبدأ العلماء في التعرف بصورة أكثر دقة على الكائنات الدقيقة وعلاقتها بالأمراض.

من الأخلاط إلى الطب الحديث

مع تراكم الاكتشافات في مجالات التشريح والدورة الدموية ونظرية الخلية وعلم الأحياء الدقيقة، تراجعت نظرية الأخلاط تدريجيًا، لتحل محلها تفسيرات تستند إلى الملاحظة والتجربة والأدلة العلمية.

ويمثل هذا التحول إحدى المحطات المهمة في تاريخ الطب، إذ انتقل تفسير المرض من الاعتماد على تصورات نظرية قديمة إلى البحث عن أسباب بيولوجية يمكن رصدها ودراستها واختبارها.

اقرأ أيضاً