ياقات بيضاء وديون سوداء: الوجه الآخر لشركاء التنمية
ملف «شركاء التنمية» ملغّم، يُسمَع كثيراً ويُشرَح قليلاً. البنوك والمؤسسات المالية والاقتصادية متعددة الأطراف تُقدَّم بوصفها شريكة في الإنماء، غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو: أهم شركاء حقيقيون، أم أجهزة تعجّ بموظفين ذوي ياقات بيضاء ورواتب معفاة من الضرائب وأمان وظيفي نادر الوجود، بينما تُسيَّس قراراتها من الداخل، وتُقاد الشعوب، وتُقيَّد التنمية؟
الخريطة الرقمية أوضح من الخطاب. بحسب تصنيف حديث، يوجد نحو ٣٧ بنكاً إنمائياً متعدد الأطراف حول العالم، ضمن منظومة أوسع من مئات مؤسسات التمويل الإنمائي. أصول هذه البنوك مجتمعة بلغت نحو تريليوني دولار بنهاية عام ٢٠٢٤، ورأس المال المدفوع والمكتتب يقارب ٤٤٥ مليار دولار، فيما تجاوز حجم الاستثمارات المعتمدة ٢٧٥ مليار دولار في سنة واحدة، وبلغت المدفوعات السنوية قرابة ٢٠٠ مليار. ثلاثة كيانات فقط — البنك الأوروبي للاستثمار، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، والبنك الآسيوي للتنمية — تستحوذ على نحو ٦٢ في المائة من الأصول.
ترتيب أهم عشرة بحسب الأصول تقريباً كالآتي: الأوروبي للاستثمار (٥٧٨ ملياراً)، الدولي للإنشاء والتعمير (٣٧٢)، الآسيوي للتنمية (٣١٥)، الأمريكي للتنمية (١٥٥)، مؤسسة التمويل الدولية (١١٢)، الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (٩٠)، الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (٥٧)، مؤسسة الأنديز/CAF (٥٦٫٥)، الأفريقي للتنمية (٥٥٫٤)، ثم الشمالي للاستثمار (نحو ٤٥ ملياراً) ، ويليهم الإسلامي للتنمية وبنك التنمية الجديد. التوجه متباين: الأوروبي مناخ وأوروبا، والدولي سياسات كلية وفقراً عالمياً، والآسيوي آسيا والمحيط الهادئ، والأمريكي أمريكا اللاتينية، ومؤسسة التمويل الدولية القطاع الخاص، والأفريقي «الخمس الكبار» في القارة، والإسلامي تمويلاً متوافقاً مع الشريعة لدول منظمة التعاون . أما العمالة فمجتمعه بعشرات الآلاف: البنك الدولي نحو ١٣ ألفاً دائمين ويقترب العدد من ٤١ ألفاً مع المتعاقدين — ثلثاهما تقريباً في واشنطن لا في أفريقيا — والصندوق نحو ٣٬١٠٠، والآسيوي نحو ٤٬٠٠٠، والأفريقي نحو ألفين.صافي رواتب الدرجات الوسطى والعليا تدور غالباً بين ١٠٠ ألف و٤٥٠ ألف دولار ، وحزم الرئاسة تتجاوز في حالات مئات الآلاف إضافية.
على أرض الواقع، الدين هو الأداة لا الشعار ، ديون أفريقيا العامة تجاوزت ١٫٨ تريليون دولار. مصر، أكبر مدين أفريقي لصندوق النقد الدولي بنحو ١٠٫٨ مليار دولار قائمة في سبتمبر ٢٠٢٦، بلغ دينها الخارجي نحو ١٦١ إلى ١٦٤ مليار دولار، منها قرابة ٤٧ ملياراً لمؤسسات متعددة الأطراف. الصندوق ضخّ لمصر ما يقارب ٢٩ ملياراً منذ عام ٢٠١٦. الدين العام الحكومي يدور حول ٨٧ إلى ٩١ في المائة من الناتج. الشرط ليس فنياً صرفاً: بل يشترط مرونة سعر، تقليص دعم، خصخصة، وضبط مالي يتحول إلى تنازل سياسي. هناك دولة تزحف لمدّ أذرع الاستدانة، وأخرى تلهث لاستقطاب الدول إلى تنازلات مقابل التمويل.
وليست هذه المؤسسات بمنأى عن الفساد والمحسوبية. إن أجهزتها تعلن مكافحة النزاهة وتحظر متعاقدين، لكن الواقعة الأشهر التي ضربت رأس المؤسسة نفسها: تحقيق مكتب «ويلمر هيل» عام ٢٠٢١ في تقرير «ممارسة أنشطة الأعمال» الصادر عن البنك الدولي والذي أثبت ضغطاً من الإدارة العليا — وفي مقدمتها الرئاسة والرئيسة التنفيذية آنذاك كريستالينا غورغييفا، التي تتولى اليوم صندوق النقد الدولي — لتعديل بيانات رفعت ترتيب الصين سبع درجات من ٨٥ إلى ٧٨ في تقرير عام ٢٠١٨، مع تلاعب لاحق شمل السعودية والإمارات وأذربيجان في نسخة ٢٠٢٠. وقد أُلغي التقرير بعد الفضيحة، وأقر موظفون بأنهم خافوا الانتقام. إن هذا تسييس للرقم الإنمائي من القمة، لا خطأ محاسبي في مناقصة. وإلى جانبه هناك وقائع عالمية مدوّية، أبرزها إلغاء البنك الدولي تمويلاً بنحو ١٫٢ مليار دولار لجسر بادما في بنغلاديش عام ٢٠١٢ بعد ثبوت مؤامرة فساد رفيعة المستوى، ثم حظر مجموعة «أوديبريشت» البرازيلية — احدى أكبر مخططات الرشوة المؤسسية في التاريخ — عن مشاريع ممولة من البنك الدولي ومؤسسات شقيقة لسنوات، بعد اعترافات امتدت عبر عشرات الدول.
هل ينعدم الجانب الإيجابي؟ لا. كهرباء ومياه وزراعة وربط إقليمي يُنجَز. الأفريقي وشركاؤه يقدّرون أثراً على أكثر من ٥٦٠ مليون شخص خلال عقد، ومحفظته في مصر تجاوزت ملياري دولار مع التزام ٧٤٦ مليوناً في عام ٢٠٢٥. الإسلامي موّل لمصر تاريخياً نحو ٢٦ مليار دولار عبر ٤٣١ مشروعاً. إلا أن التقدير الموضوعي لحصة النشاط القادر فعلاً على تحقيق أهداف ملموسة لا يتجاوز ٢٠ إلى ٢٥ في المائة. والباقي إدارة وشروط وإعادة تدوير دين.
وعليه، فالتعامل مع هذه الكيانات يحتاج إلى آليات لا انفعالات وذلك على النحو التالي:
أولاً: وحدة وطنية واحدة للتفاوض تمنع تشتت الوزارات.
ثانياً: سقف دين سيادي في ظل قانون يحظر الاستدانة لتمويل الاستهلاك.
ثالثاً: رفض الشروط غير المرتبطة بالمشروع رفضاً مكتوباً.
رابعاً: نشر كل اتفاق وخطة سداد بالعربية فور التوقيع. خامساً: تدقيق مستقل للتكلفة الإدارية مقابل المبالغ المنصرفة فعلياً.
سادساً: تنويع المصادر: الإسلامي، الأفريقي، الآسيوي للبنية، وصناديق سيادية، مع بناء بنوك تنمية وطنية ذات حوكمة.
سابعاً: قياس الأثر بعدد الوظائف والصادرات لا بحجم القرض.
ثامناً: بناء «جيوش» مؤسسية منتظمة — مالية وصناعية وزراعية ودفاعية — صاحبة قرار سيادي يحمي المقدرات ويحقّق البعد الاقتصادي بالتوازي.
إن التمويل الدولي ليس شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً، بل أداة نفوذ تُدار بمنطق المصالح ، فالدول التي تدخل التفاوض بلا وحدة قرار وبلا سقف للدين وبلا شفافية تخرج مدينة ومقيّدة، والدول التي تحاسب بالنتائج لا بحجم القروض تحوّل القرض من قيد إلى رافعة. الشراكة تبدأ عندما نملك حق الرفض.