مجرد ورقة تتحول إلى شخصيات تنطق بالحياة على شاشة، وتغزو عقل ووجدان المشاهد في لحظات.. يا له من عالم ساحر جذاب سرق عقلي إلى حد الجنون. ورقة وحيدة لم أقرأ غيرها، لكنها كانت البداية التي قادتني إلى عالم السينما، وفتحت أمامي باباً لم أكن أعرف إلى أين سيأخذني.
لم أنسَ الدكش، مدير تحرير جريدة الفجر، حين نصحني بكتابة القصة السينمائية بعدما لمس الدراما والحوار السينمائي في كتاباتي بالجريدة، استجبت لنصيحته، وكتبت «لحظات خائنة في حياة تائهة»، و«الإيمان في قلب إيمان»، و«قلم رصاص»، دون أن أعرف أن الأخيرة ستصبح يوماً مفتاح دخولي إلى عالم السينما.
من الصحافة إلى كتابة القصة السينمائية
عدت إلى مصر وغاية ما أتمناه أن أرى اسمي على أفيش سينمائي، كاتباً للقصة وكفى، لم أكن أفكر وقتها في كتابة السيناريو أو الحوار، ولم أتخيل أن إحدى القصص التي كتبتها ستأخذني إلى تجربة مختلفة تماماً عما عرفته في الكتابة الصحفية.
وجاءت الفرصة عن طريق خالي العزيز مرتضى، رسام الأفيش الأول حينذاك، بعدما أخبرني بأنه رشحني لمخرج يستعد لإخراج أول أفلامه ويبحث عن قصة مناسبة. كان الأمر بالنسبة لي مفاجأة كبيرة، خاصة أنني كنت مقبلاً على أول لقاء حقيقي مع مخرج سينمائي.
كيف وصلت «قلم رصاص» إلى المخرج؟
بعد اتصالي بالمخرج تم اللقاء، وأنا لا أصدق أنني سأقابل مخرجاً سينمائياً لأول مرة، مثل الذين كنت أراهم في الأفلام. سلّمته قصة «قلم رصاص» بعد أسبوع، خلال جلسة على قهوة في وسط البلد، ثم بدأت مرحلة الانتظار، وأنا أدعو الله أن تنال القصة إعجابه.
جاء الموعد المنتظر، وقابلني المخرج سعيداً ليخبرني بإعجابه بالقصة واختياره لها لفيلمه الأول. وكان الاتفاق أن نلتقي مرة أخرى بعد الاتفاق مع سيناريست محترف لكتابة السيناريو والحوار، فغادرت وأنا أظن أن مهمتي انتهت عند حدود كتابة القصة.
ماذا حدث عندما سألني المخرج عن السيناريو؟
مرت الأيام وأنا أتخيل اسمي على الأفيش، إلى أن جاء اللقاء التالي وحمل لي مفاجأة لم أكن مستعداً لها. أخبرني المخرج بأنه سيكتب السيناريو بنفسه، ثم سألني: «مصطفى، كتبت سيناريوهات قبل كدة؟».
أجبته دون تفكير: «طبعاً يا أستاذ، كتبت كتير وياما». كانت إجابة خرجت مني بجرأة تخفي رعباً وفزعاً بداخلي، لكنها أسعدت المخرج كثيراً. وبينما كنت أتحدث بثقة أمامه، كنت أدرك في داخلي أنني وضعت نفسي في اختبار حقيقي.
كيف أصبحت مسؤولاً عن كتابة الحوار؟
قال لي المخرج إنه سيكتب سيناريو الحلقات العشر الأولى، بينما أكتب أنا الحوار. وافقت على الفور، ورددت بثقة: «حسنًا، حسنًا». ثم خرجت من اللقاء وأنا أضحك ساخراً من نفسي، وأفكر في الورطة التي وضعت نفسي فيها.
في طريق عودتي إلى بيتي بعزبة النخل، جلست في المترو شاردًا، أستعيد في ذهني كل ما أملكه من تفاصيل عن القصة. لم تكن أمامي سوى تلك الورقة التي كتبتها في فندق بدبي قبل عامين، وبعض المشاهد التي ظلت عالقة في خيالي، ومنها نهار خارجي أمام بيت العمدة وحوار شيخ الغفر وبدرية.
لماذا قررت أن أكتب مشاهد مختلفة؟
عندما استلمت المشاهد الأولى من المخرج وجلست على مكتبي الصغير أقرأها، لم تعجبني بداية الأحداث بهذا الشكل. لكن المشكلة لم تكن في عدم اقتناعي فقط، وإنما في كيفية إبلاغ المخرج برأيي، خاصة أنني كنت أخوض أول تجربة لي في هذا المجال.
بدلاً من الاكتفاء بالاعتراض، جهزت نفسي بمشاهد أخرى من صياغتي، وقلت ربما يتقبلها مني. عرضت عليه ما كتبته، وكانت النتيجة أفضل مما توقعت، إذ وجد في المشاهد ما أقنعه بأنني قادر على استكمال المهمة التي أصبحت بين يدي.
متى أصبحت «قلم رصاص» فيلماً؟
كانت اللحظة الفاصلة عندما صاح المخرج في سعادة أرعبتني أكثر، وقال لي: «أنت اللي هتغني يا منعم؟»، ثم أكد لي: «أنت يا رش اللي هتكتب السيناريو والحوار لقصتك ولا أحد غيرك».
لم أكن أعرف وقتها أن هذه اللحظة ستكون بداية رحلتي الحقيقية في الإبداع. فالقصة التي كتبتها عام 1991 لم تعد مجرد نص على الورق، وإنما تحولت إلى فيلم سينمائي حمل اسم «اللقاء الدامي»، وأصبح أول أفلامي.
كيف عُرض فيلمي الأول؟
عُرض «اللقاء الدامي» بمشاركة النجوم حسين فهمي وهشام عبد الحميد وإيمان الطوخي، وذلك في مهرجان الإسكندرية السينمائي عام 1992 وكانت تلك التجربة بمثابة الانتقال الفعلي من الكتابة على الورق إلى التعامل مع الفيلم باعتباره عملاً متكاملاً يصل إلى الجمهور.
وعندما أتذكر تلك الرحلة الآن، أجد أن بدايتها لم تكن سوى قصة كتبتها، ثم لقاء جاء بالصدفة، وسؤال أجبته بجرأة أكبر من خبرتي وقتها. لكن كل خطوة قادت إلى التي تليها، حتى وجدت نفسي أمام فيلمي الأول، ومنه بدأت رحلتي الطويلة مع السينما.
ماذا تركت لي تجربة «اللقاء الدامي»؟
أهم ما بقي معي من تلك التجربة هو أنني دخلت عالم السينما من الباب الذي لم أكن أخطط له ، بدأت بقصة، ثم وجدت نفسي أمام مسؤولية كتابة السيناريو والحوار، لأكتشف خلال التجربة أن الورقة التي تبدو بسيطة في بدايتها يمكن أن تحمل عالماً كاملاً من الشخصيات والمواقف والأحداث.
وهكذا أصبحت «قلم رصاص» أكثر من مجرد قصة كتبتها عام 1991؛ كانت الخطوة الأولى التي قادتني إلى «اللقاء الدامي» وإلى رحلة ممتدة مع الكتابة والسينما. وما زلت كلما عدت إلى تلك البداية أتذكر الورقة الأولى، وأبتسم للحظة التي لم أكن أعرف فيها أنني أكتب أول فصل من حكايتي مع الشاشة.
