مع أول نسمة برد، وأول يوم غائم، يعيش البعض حالة غير مبررة منها الخمول والرغبة في النوم طوال اليوم، وفقدان للشغف، وميل للعزلة والابتعاد عن الناس، مصحوبا بشراهة مفاجئة للسكريات والنشويات، فهل هذا مجرد كسل شتوي عابر، أم مرض حقيقي؟
الإجابة التي يؤكدها الأطباء والمتخصصون في الصحة النفسية هي أن ما يشعر به كثيرون له اسم علمي: الاضطراب العاطفي الموسمي، أو ما يعرف بـ"اكتئاب الشتاء"، وهو ليس دلالا، ولا مزاجا سيئا، بل اضطراب نفسي حقيقي يبدأ في أواخر الخريف، ويشتد في الشتاء، ثم يختفي مع قدوم الربيع.
ما هو اكتئاب الشتاء؟
يعرف الاكتئاب الموسمي بأنه نوع من الاكتئاب يرتبط بتغير الفصول، ويبدأ وينتهي في التوقيت نفسه تقريبا كل عام، وغالبا ما يبدأ في أواخر الخريف أو أوائل الشتاء، ويزول في الربيع والصيف.
ويوضح استشاريو الطب النفسي، أن الاكتئاب الموسمي يأتي ويزول وفق نمط فصلي، وتكون أعراضه أشد في الشتاء بسبب نقص ضوء الشمس، كما حذرت الجهات الصحية من أن الشتاء قد يتحول عند البعض إلى كابوس يفاقم أعراض الاكتئاب، لأن قصر النهار وقلة التعرض للشمس قد يسببان الاكتئاب الموسمي.
الفرق بين كآبة الشتاء واكتئابه
وهنا تكمن النقطة التي يخطئ فيها معظم الناس، فهناك فرق جوهري بين الحالتين، كآبة الشتاء، حالة شائعة تصيب ما بين 10 إلى 20% من الناس، وهي مجرد تبدل في المزاج وخمول بسيط، لا يؤثر على الحياة اليومية، اما بالنسبة لاكتئاب الشتاء الحقيقي، يصيب حوالي 5% من البالغين، لكن أعراضه تمتد إلى كل جوانب الحياة، فتؤثر على العمل والعلاقات والنوم والشهية، وهنا يصبح التدخل الطبي ضروريا.
فإذا شعرت بالحزن ليومين ثم اختفى، فهذا أمر طبيعي، أما إذا استمر الحزن لأكثر من أسبوعين، وأثر على عملك وعلاقاتك، فهذا هو الاكتئاب الموسمي.

لماذا نكتئب في الشتاء؟
أولا: غياب الشمس يضرب هرمون السعادة
يؤدي انخفاض ساعات النهار إلى التأثير على الساعة البيولوجية للجسم، ويؤدي إلى نقص السيروتونين، وهو الناقل العصبي المسؤول عن المزاج والشعور بالسعادة.
ثانيا: هرمون النوم يزيد عن حده
تؤدي قلة الضوء إلى زيادة إنتاج هرمون الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يمنحنا الشعور بالنعاس، ولذلك يشعر الإنسان طوال الشتاء بالرغبة في النوم، حتى لو نام لعشر ساعات.
ثالثا: نقص فيتامين د
يؤدي قلة التعرض للشمس إلى انخفاض فيتامين د، الذي يلعب دورا مباشرا في إنتاج السيروتونين، ويؤكد أطباء الغدد والباطنة أن المخ يحتوي على مستقبلات خاصة بفيتامين د، خاصة في المناطق المسؤولة عن تنظيم المزاج.

رابعا: العزلة والذكريات المؤلمة
وهذه هي التفصيلة التي لا يتحدث عنها الكثيرون، حيث يوضح استشاريو الصحة النفسية أن اكتئاب الشتاء قد ينتج عن "الارتباط الشرطي" بذكريات مؤلمة، مثل فقدان عزيز، أو التعرض لحادث، أو الإصابة بمرض في فصل الشتاء، فكلما جاء الشتاء، استدعى المخ تلك الذكرى المؤلمة تلقائيا.
كما أن المنازل في الشتاء تصبح مغلقة، والنوافذ موصدة، والستائر مسدلة، والحركة قليلة، والخروجات أقل، فيتحول البيت إلى مساحة ضيقة تغذي الاكتئاب.
النساء أكثر عرضة بـ 4 أضعاف
وفي معلومة صادمة، يؤكد استشاريو الصحة النفسية أن النساء يعانين من الاكتئاب أكثر من الرجال بنسبة 4 إلى 1، وغالبا لا يصاب به من هم أقل من 20 عاما، وتقل الإصابة به كلما تقدم الإنسان في العمر، كما أن من لديهم تاريخ عائلي للاكتئاب، أو يعيشون في أماكن قليلة الشمس، أو يعملون في أماكن مغلقة بلا نوافذ، هم الأكثر عرضة للإصابة.
7 أعراض لا تتجاهلها
ووفقا للجمعية الأمريكية للطب النفسي، إذا شعرت بأربعة أعراض من هذه القائمة لأكثر من أسبوعين، فأنت مصاب باكتئاب الشتاء:
- حزن مستمر وشعور باليأس والذنب وانعدام القيمة.
- النوم أكثر من المعتاد، وصعوبة الاستيقاظ صباحا، ونعاس طوال النهار.
- زيادة الشهية، خاصة للكربوهيدرات والحلويات، وزيادة الوزن.
- فقدان الطاقة والشعور بالتعب رغم النوم الجيد.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كنت تحبها.
- صعوبة التركيز وضعف الذاكرة.
- الرغبة في العزلة والانسحاب من الأصدقاء والعائلة.
كيف تتغلب على اكتئاب الشتاء؟
الشمس هي الدواء الأول
احرص على الحصول على أكبر قدر من ضوء الشمس الطبيعي، خاصة في الصباح الباكر، قم بالمشي عشرين دقيقة، أو اجلس بجوار النافذة، فهذا يعيد ضبط ساعتك البيولوجية.
الرياضة
تعد ممارسة الرياضة بانتظام تخفف التوتر والقلق، اللذين يزيدان من أعراض الاكتئاب، والمشي اليومي وحده يحسن المزاج من خلال استنشاق هواء نقي وتغيير الأجواء.
طعام السعادة
تجنب الإفراط في الكربوهيدرات والسكريات، وركز على الأطعمة الغنية بالأوميجا 3، مثل السلمون والجوز، والمكسرات، والقرع العسلي، والخضروات، والحمضيات، فهذه الأطعمة تزيد من "التربتوفان"، وهو الحمض الأميني المعزز للسعادة.
العلاج بالضوء
في الحالات الشديدة، يستخدم الأطباء "صندوق الضوء"، وهو مصباح خاص يحاكي ضوء الشمس بقوة 10000 لوكس، لمدة 30 دقيقة كل صباح، وقد أثبتت الأبحاث فعاليته الكبيرة.
لا تنعزل
قاوم رغبتك في البقاء في البيت، فالتواصل مع العائلة والأصدقاء، حتى لو بمكالمة لمدة خمس دقائق، يكسر دائرة الاكتئاب.
نظم نومك
نم واستيقظ في الموعد نفسه كل يوم، حتى في الإجازة، فالنوم المتقطع يزيد الاكتئاب.
متى تذهب للطبيب؟
إذا لم تختف الأعراض، أو أثرت على حياتك اليومية، فراجع أخصائي صحة نفسية فورا، فقد تحتاج إلى علاج سلوكي معرفي، أو مكملات فيتامين د، أو في بعض الحالات أدوية مضادة للاكتئاب تحت إشراف طبي فقط.
جدير بالذكر أن اكتئاب الشتاء ليس ضعفا، ولا دلالا، ولا مزاجا سيئا، بل اضطراب كيميائي حقيقي في المخ، بسبب غياب الشمس، ويمكن علاجه، ولا تترك الشتاء يسرق طاقتك. اخرج للشمس عشرين دقيقة، وتحرك، وتحدث إلى من تحب، وإذا طال الحزن عن أسبوعين، فاذهب إلى الطبيب، فهذا ليس عيبا.