«كل حلفاؤك باعوك».. اليمين المتطرف في أوروبا يتبرأ من ترامب بعد الهزيمة

صوت |
السبت 07/11/2026 12:54 م
«كل حلفاؤك باعوك».. اليمين المتطرف في أوروبا يتبرأ من ترامب بعد الهزيمة
دونالد ترامب
س
سيد مصطفى

كشفت صحيفة «إل باييس» الإسبانية أن أحزاب أقصى اليمين في الاتحاد الأوروبي تنتقل من الاحتفاء بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى النأي بالنفس عنه، عشية عام حافل بالاستحقاقات الانتخابية الكبرى.

وأكدت الصحيفة أن التصدع كان واضحًا منذ فترة، لكنه تحول الآن إلى فجوة واسعة وعميقة؛ فالصفعة القاسية التي تلقاها الجمهوريون بقيادة دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفي دفعت أحزاب أقصى اليمين الأوروبي إلى مزيد من الابتعاد عن الرئيس الأمريكي. فبعد أن كان قطبًا سياسيًا يُستعرض أمام الناخبين، لا سيما عقب فوزه على كامالا هاريس في عام 2024، وفي مستهل ولايته الثانية، بات الملياردير الأمريكي يُنظر إليه باعتباره عبئًا ثقيلًا ومصدرًا للإزعاج.

ويعود ذلك إلى تراجع شعبيته السياسية، حتى داخل معسكره، متأثرًا بالهزائم المدوية في معاقل المحافظين، مثل تكساس وكانساس وميسيسيبي، فضلًا عن انتقاداته المستمرة للأوروبيين وإصراره على فرض رسوم جمركية عشوائية. كما جاءت هذه القطيعة تتويجًا لانكشاف حلفائه، مثل المجري فيكتور أوربان والصربي ألكسندر فوتشيتش، إذ أثبت دعمهم الصريح له أنه عامل هدم لا بناء.

وبيّنت الصحيفة أنه، في ظل حداثة العهد بالزلزال الجمهوري، لا أحد يبدي رغبة في الارتباط بـ«خاسر»، مستخدمين اللفظ نفسه الذي يفضله ترامب. فبعد إخفاق الثلاثاء الماضي، الذي جاء أعمق بكثير مما توقعته استطلاعات الرأي، تبدو استراتيجية اليمين المتطرف الأوروبي واضحة: مزيد من النأي بالنفس عن ترامب، وتعليق أسباب النكسة على حرب إيران التي أقحم نفسه فيها بمفرده، ما أدى إلى تفاقم تكاليف المعيشة. وبذلك، يجري الفصل بين السقوط وبين أجندته المناهضة للهجرة أو توجهاته الهوياتية والمصلحية والإنكارية، التي تتقاطع فيها الرؤى بوضوح.

تاريخ بداية التباعد بين ترامب واليمين المتطرف الأوروبي

يشير جيريمي كليف، الباحث في مركز الأبحاث الأوروبي «ECFR»، إلى أن «الاستجابة الأوروبية لولاية ترامب الثانية اتسمت دائمًا بالتنوع؛ فبعض الأحزاب، مثل حزب التجمع الوطني الفرنسي، حافظت على برود نسبي منذ البداية، بينما أظهرت أحزاب أخرى، مثل حزب فوكس الإسباني، حماسة أكبر». ورغم أن وتيرة التباعد تسارعت لاحقًا، فإن جذورها تعود إلى الشهور الأولى من ولاية ترامب الثانية.

وبيّن كليف قائلًا: «في ربيع عام 2025، مثّلت الرسوم الجمركية مشكلة حقيقية لأحزاب طالما ادعت الدفاع عن القطاعات الصناعية في بلدانها. لكن القطيعة الحقيقية وقعت مطلع عام 2026، مع تهديدات ترامب الموجهة إلى جرينلاند، والتي دانتها أغلب أحزاب اليمين المتطرف الكبرى في أوروبا، ومع الحرب في إيران وتبعاتها المتمثلة في ارتفاع أسعار الطاقة».

وأضاف: «بالنسبة إلى أحزاب ترفع شعار السيادة وخفض تكاليف المعيشة، فإن هذه الضربة المزدوجة برّدت نهائيًا علاقتها بعالم حركة (ماجا – اجعل أمريكا عظيمة مجددًا)».

إيطاليا: نهاية مفاجئة لشغف ميلوني

في إيطاليا، الدولة الكبرى الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي يحكمها اليمين المتطرف، بالكاد يتبقى أي معجب حقيقي بترامب.

فرنسا: لوبان وبارديلا يرفضان الربط

في فرنسا، ومع اقتراب مارين لوبان من قصر الإليزيه أكثر من أي وقت مضى، يرفض جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني»، وجود أي «رابط» بين أحداث الثلاثاء والانتخابات الرئاسية المرتقبة في الربيع المقبل، في ثاني أكبر اقتصاد أوروبي.

وقال يوم الأربعاء: «تضعنا جميع استطلاعات الرأي في صدارة الفائزين، وما يحدث في بلدان أخرى لا يعنيني. فالناخبون أسياد قرارهم، ونحن أمام سياقات مختلفة تمامًا».

ومثل قطاع عريض من اليمين المتطرف الأوروبي، لا يشعر بارديلا بأنه معني بما يدور على الضفة الأخرى من الأطلسي. فقبل عامين، كان يحتفل بفوز الجمهوري و«رياح الحرية» التي هبت على الديمقراطيات بعودته إلى البيت الأبيض.

وقال: «لست أمريكيًا ولا أصوت في الولايات المتحدة. يجب احترام حكم صناديق الاقتراع. وما هو واضح أن ولاية ترامب الثانية مختلفة تمامًا عن الأولى، سواء في فلسفتها أو في سياستها الخارجية».

وحافظ حزب لوبان دائمًا على علاقة خاصة مع ترامب والولايات المتحدة، وإن كانت علاقاته بروسيا وقرب لوبان التاريخي من فلاديمير بوتين قد عقّدا بعض تحركاته.

وذهب لويس أليوت، نائب رئيس حزب «التجمع الوطني» والمسؤول عن العلاقات الدولية، إلى أبعد من ذلك بالقول: «ترامب يدفع ثمنًا باهظًا لمغامرته الإيرانية».

واعتبر عمدة مدينة بربينيان، وهو واحد من الفرنسيين القلائل الذين حضروا تنصيب ترامب الثاني في واشنطن، أن الناخبين يعاقبونه اليوم بسبب «تدخله الخارجي». ومرة أخرى، تتضح الرسالة: اللوم يقع على نزوعه التدخلي في الشرق الأوسط، وليس على سياساته، كتلك المتعلقة بالهجرة، التي تتطابق معها رؤى اليمين الأوروبي بشكل صارخ.

ألمانيا وإسبانيا وبريطانيا: تبريرات متباينة

في ألمانيا، حصرت أليس فايدل، الرئيسة المشاركة لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، الذي يميل إلى روسيا أكثر من ميله إلى ترامب ويتصدر أيضًا استطلاعات الرأي، أسباب الهزيمة في الملف الإيراني، قائلة: «وعد ترامب ناخبيه بعدم انتهاج سياسة خارجية تدخلية، وقد انقلب إخفاقه في ذلك ضد الجمهوريين».

وفي إسبانيا، قلل مرشح حزب «فوكس»، سانتياغو أباسكال، من شأن هزيمة ترامب. ففي تصريحات أدلى بها يوم الأربعاء، أشار إلى أن خسارة الرؤساء في انتخابات التجديد النصفي بأمريكا أمر «معتاد»، وسبق أن عانى منه جورج بوش الابن وبيل كلينتون، مضيفًا: «أنا في سيوداد ريال، ولست في ميشيغان... ولست معلقًا على انتخابات دول أخرى».

ويخلص الباحث جيريمي كليف إلى أن «جزءًا مهمًا من جاذبية النسخة الثانية من ترامب بالنسبة إلى اليمين المتطرف الأوروبي لم يكن نابعًا من التوافق الفكري فحسب، بل من الرغبة في الظهور إلى جانب المنتصرين».

وأدى تراجع نفوذ ترامب وإدراك أن إدارته عاجزة عن مساعدة حلفائها الأوروبيين بالقدر المأمول إلى «تقويض الدوافع النفعية لاستمرار هذه العلاقة».

من الاحتفاء إلى الازدراء.. اليمين الأوروبي وازدواجية المواقف

وهكذا، تعم حالة من «فقدان الذاكرة» الجماعي تجاه تلك الأيام التي كان فيها اليمين المتطرف الأوروبي يحتفي بكل تغريدة وكل خطوة لترامب، حتى خارج حدود الاتحاد الأوروبي.

ففي المملكة المتحدة، أقر الشعبوي نايجل فاراج، يوم الأربعاء، بـ«الهزيمة التامة والمطلقة» للجمهوريين، رغم تكهناته السابقة بأن توقعات الفوز الساحق للديمقراطيين كانت مبالغًا فيها.

وقال: «صوّت العديد من الشباب الذين يتابعون المؤثرين اليمينيين، والذين دعموا ترامب في عام 2024، للديمقراطيين. لقد كان تصويتًا عقابيًا حاسمًا، مردّه إلى حد كبير الحرب واستمرارها في إيران، فضلًا عن ارتفاع أسعار الوقود».

ورغم أن التضخم الذي أشعله ذلك الصراع كان عاملًا حاسمًا في الصفعة التي تلقتها الإدارة الجمهورية، فإن باحث مركز «ECFR» يحذر من أن هذا العامل «لا يلغي تلقائيًا المخاطر التي تواجه اليمين المتطرف الأوروبي جراء تقاربه السابق مع ترامب».

ويختتم قائلًا: «رغم ضعفه، لا يزال بإمكان ترامب اتخاذ خطوات متهورة جديدة في السياسة الخارجية، وهو ما قد تستغله قوى الوسط واليسار لتقديم خصومها في اليمين المتطرف بوصفهم تابعين لرئيس أمريكي خارج عن السيطرة، يضر بمصالح ناخبيهم».

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً