لم يعد تغير المناخ تهديدا بعيدا يلوح في الأفق، بل تحول إلى واقع يومي يطارد ملايين اللاجئين والنازحين في أكثر بقاع الأرض هشاشة، فبعد أن فروا من ويلات صراعات لم يتسببوا فيها، وجدوا أنفسهم اليوم في الخطوط الأمامية لأزمة مناخية لم يسهموا فيها إلا بأقل قدر ممكن، حيث تدمر الفيضانات مأواهم، ويقضي الجفاف على سبل عيشهم، ويهدد ارتفاع الحرارة فرص عودتهم إلى ديارهم.
90 مليون نازح في دول تواجه خطرا مناخيا بالغا
أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن نحو 90 مليون شخص من النازحين قسرا، بما يعادل ثلاثة من كل أربعة نازحين حول العالم، يعيشون في دول تواجه مخاطر مناخية بالغة الخطورة، تشمل موجات الجفاف الحادة والفيضانات المدمرة والارتفاع الشديد في درجات الحرارة.
ودعت المفوضية، إلى تحرك عاجل لحماية هؤلاء الملايين، مؤكدة أن الكوارث الطبيعية لم تعد عاملا ثانويا، بل أصبحت تهديدا مباشرا لاستقرار النازحين وفرص عودتهم، في ظل محدودية التمويل المخصص لمواجهة هذه المخاطر.
العودة إلى الخطر.. ثلثا العائدين يواجهون الصدمات المناخية
وأظهرت بيانات المفوضية، أن أكثر من ثلثي اللاجئين الذين تمكنوا من العودة خلال النصف الأول من عام 2026 عادوا إلى بلدان تعاني مستويات مرتفعة من المخاطر المناخية، ما يثير مخاوف جدية بشأن استقرارهم وقدرتهم على إعادة بناء حياتهم.
وتبرز سوريا نموذجا صارخا لهذه التحديات، إذ يواجه نحو 4 ملايين شخص من العائدين صعوبات متزايدة في التعافي، في ظل تراجع منسوب المياه الجوفية وتفاقم الصدمات المناخية.
وتشير التوقعات إلى أن واحدة من كل ثلاث مخيمات للاجئين في أفريقيا جنوب الصحراء قد تواجه بحلول عام 2050 ما لا يقل عن 100 يوم سنويا من درجات الحرارة الخطيرة.
255 مليون حالة نزوح داخلي.. المناخ يفرض واقعا جديدا
وفي مؤشر آخر على ارتباط الكوارث المناخية بتفاقم أزمات النزوح، سجل العالم أكثر من 255 مليون حالة نزوح داخلي بسبب الكوارث المرتبطة بالطقس خلال العقد الماضي، بمعدل يقارب 70 ألف حالة يوميا، والرقم السابق لا يعني عبور 255 مليون شخص لحدود دول أخرى، بل يعني نزوحهم داخل بلدانهم نفسها هربا من الفيضانات والجفاف والعواصف، وهو ما يضاعف الضغط على المجتمعات المضيفة والبنية التحتية المحلية.
وتتزايد المخاوف في شرق أفريقيا من موجات نزوح جديدة، إذ قد تتسبب الفيضانات الشديدة المرتبطة بظاهرة النينيو في نزوح ما يصل إلى 3 ملايين شخص في كل من الصومال وكينيا وجنوب السودان وأوغندا بحلول نهاية عام 2026.
عدالة مزدوجة.. فرار من الصراع ومواجهة مع المناخ
قال مساعد المفوض السامي للعمليات في المفوضية، أنطون ليس جارسيا، إن اللاجئين يواجهون عدم عدالة مزدوجة، فهم لم يجبروا على الفرار من صراعات لم يتسببوا فيها فحسب، بل باتوا الآن في الخطوط الأمامية لأزمة مناخية لم يسهموا فيها إلا بأقل قدر ممكن، مضيفا انه بالنسبة للملايين، لا يمثل تغير المناخ تهديدا بعيدا، بل هو واقع يدمر المأوى، ويقوض سبل العيش، ويهدد آمالهم في إعادة بناء حياتهم.
دعوة للاستثمار في الإنذار المبكر والحلول المستدامة
وأكد مساعد المفوض السامي أن الاستثمار اليوم في تعزيز القدرة على الصمود، وتوفير سبل العيش، وإيجاد حلول مستدامة، يمكن أن يسهم في منع حدوث موجات نزوح إضافية في المستقبل، مشيرا إلى أن المفوضية ستدعو في قمة المناخ الحكومات ومؤسسات التمويل المناخي إلى إدراج اللاجئين والنازحين في الخطط المناخية الوطنية وآليات التمويل، وتوجيه المزيد من الاستثمارات طويلة الأجل في مجال التكيف نحو المناطق الهشة والمتأثرة بالنزوح، والانتقال من المساعدات الإنسانية قصيرة الأجل نحو حلول أكثر استدامة تقودها المجتمعات المحلية.
وفي النهاية، لم تعد حماية اللاجئين من المناخ خيارا إنسانيا مؤجلا، بل ضرورة عاجلة، فإما أن يدمج النازحون في خطط التكيف والتمويل المناخي اليوم، أو يواجه العالم غدا موجات نزوح أكبر وأكثر تعقيدا.