في خطوة تعكس إدراك الدولة المتزايد لأهمية التكنولوجيا في تطوير الأداء الحكومي، بدأت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ، برئاسة النائب أحمد أبو هشيمة، مناقشة دراسة جديدة تضع الذكاء الاصطناعي في قلب عملية إدارة الاقتصاد والمالية العامة في مصر، الدراسة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تقنية لتسريع المعاملات، بل تطرحه كشريك استراتيجي قادر على إعادة رسم طريقة اتخاذ القرار الاقتصادي، من إعداد الموازنة حتى تحصيل الضرائب ومتابعة الإنفاق العام، في محاولة للانتقال من الإدارة التقليدية القائمة على التقديرات الورقية إلى إدارة تعتمد على البيانات والتحليلات اللحظية.
من التقدير التقليدي إلى القرار المبني على البيانات
تنطلق الدراسة من فكرة أساسية مفادها أن التطور الهائل في قدرات الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات الضخمة واكتشاف الأنماط والتنبؤ بالمتغيرات، يفرض على المؤسسات الحكومية إعادة النظر في أدواتها، وتقترح الدراسة نموذجا تدريجيا للتحول، يراعي خصوصية الاقتصاد المصري ومتطلبات الحوكمة وحماية المعلومات والتنسيق بين الجهات المختلفة، بحيث لا يكون الهدف استبدال العنصر البشري، بل تمكينه من أدوات أكثر دقة وسرعة.
الموازنة العامة.. تنبؤات أدق بالإيرادات والمصروفات
وتضع الدراسة ملف الموازنة العامة في مقدمة أولوياتها، حيث تقترح توظيف النماذج الذكية في تحليل المؤشرات الاقتصادية والمالية، وتطوير أدوات التنبؤ بالإيرادات والمصروفات، بما يمنح الجهات المختصة تقديرات أكثر واقعية عند إعداد الموازنة، كما تبحث إمكانية استخدام هذه النماذج في محاكاة السيناريوهات الاقتصادية المختلفة، ودراسة انعكاسات المتغيرات المحلية والعالمية على الموارد العامة، ومتابعة تنفيذ الموازنة ورصد الانحرافات بين التقديرات والنتائج الفعلية أولا بأول، بما يعزز قدرة الدولة على التخطيط المالي وإدارة مواردها المتاحة بكفاءة أكبر.
الضرائب.. تحصيل أذكى ومواجهة أكثر دقة للتهرب
يمثل تطوير الإدارة الضريبية محورا رئيسيا في الدراسة، التي تقترح الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الإقرارات والمعاملات الضريبية، ورصد الأنماط غير المعتادة التي قد تستدعي الفحص والمراجعة، وتهدف التطبيقات المقترحة إلى تحسين تصنيف المخاطر، وتوجيه جهود الفحص والرقابة إلى الحالات الأكثر احتياجا للمراجعة، بدلا من الاعتماد الكامل على الأساليب التقليدية، مع دعم جهود الحد من التهرب الضريبي وتحسين جودة المعلومات المتاحة للإدارة المختصة.
وتشدد الدراسة في هذا الإطار على ضرورة وجود ضوابط واضحة تحكم استخدام هذه التقنيات، وتحفظ سرية البيانات وتصون حقوق المتعاملين مع المنظومة الضريبية.
الإنفاق العام.. متابعة أدق وتخصيص أفضل للموارد
في ملف المصروفات الحكومية، تبحث الدراسة كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات متابعة الإنفاق العام وتحليل أوجه استخدام الموارد المالية، بما يساعد على تحديد مجالات تحسين الكفاءة وتقييم نتائج الإنفاق، وتقوم الفكرة على قدرة الأنظمة الذكية على معالجة كميات هائلة من البيانات المالية والإدارية، والكشف عن أنماط يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، بما يدعم أعمال المتابعة والرقابة وتقييم الأداء، كما تطرح استخدام التحليلات المتقدمة في دعم قرارات تخصيص الموارد بين القطاعات والبرامج المختلفة، وفقا للأولويات والبيانات المتاحة، مع بقاء المسؤولية النهائية عن اتخاذ القرار بيد العنصر البشري والمؤسسات المختصة.
الاقتصاد الكلي.. قراءة لحظية للمتغيرات
ولا تقتصر الدراسة على الموازنة والضرائب والإنفاق، بل تمتد إلى إدارة الاقتصاد الكلي، من خلال تحليل مؤشرات النمو والتضخم والأنشطة الاقتصادية، والاستفادة من البيانات المتجددة في تحسين القدرة على متابعة التطورات الاقتصادية، وتستعرض الدراسة مفهوم التقدير الآني للمؤشرات الاقتصادية، الذي يعتمد على توظيف البيانات المتاحة بصورة متجددة لتكوين تقديرات أقرب إلى الوقت الفعلي، بدلا من الاكتفاء بالمؤشرات الدورية التي قد تتأخر في الصدور، بما يتيح لصناع القرار معلومات وتحليلات إضافية لمتابعة الاتجاهات الاقتصادية وتقييم السيناريوهات المحتملة، دون أن تكون بديلا عن البيانات الرسمية أو التقدير البشري المتخصص.
تجارب دولية.. دروس مستفادة دون نقل أعمى
وتخصص الدراسة مساحة واسعة لاستعراض التجارب الدولية، بهدف استخلاص الممارسات المناسبة لبناء نموذج مصري، وتتناول التجربة الأمريكية في استخدام أدوات التحليل الذكي داخل المؤسسات المالية والضريبية، وتجربة سنغافورة في تطوير الخدمات الحكومية القائمة على البيانات، والتجربة الإستونية في التكامل الرقمي وتبادل المعلومات بين الجهات الحكومية.
كما تستعرض التجربة الكورية الجنوبية في تطوير الإدارة الرقمية والأنظمة المالية الحكومية، إلى جانب تجارب عربية تشمل الإمارات والسعودية وقطر، مع التركيز على البنية الرقمية وحوكمة البيانات والتنسيق المؤسسي، وتؤكد الدراسة أهمية الاستفادة من هذه التجارب وفقا لاحتياجات الدولة المصرية، دون الاكتفاء بنقل نماذج جاهزة قد تختلف متطلبات تطبيقها من دولة إلى أخرى.
الحوكمة وحماية البيانات.. شرط أساسي قبل التطبيق
في مقابل الفرص التي تتيحها التكنولوجيا، تتناول الدراسة التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها حماية البيانات والأمن السيبراني وجودة المعلومات وإمكانية تفسير النتائج الصادرة عن الأنظمة الذكية، وتؤكد أهمية وجود إطار مؤسسي وتنظيمي يحدد المسؤوليات، وينظم استخدام البيانات، ويضمن الرقابة البشرية على القرارات ذات التأثير الاقتصادي والمالي، كما تحذر من مخاطر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، وتشدد على الحاجة إلى تطوير القدرات البشرية داخل المؤسسات الحكومية، حتى تكون هذه الأدوات وسيلة لدعم الخبرات المتخصصة، وليست بديلا كاملا عنها.
خارطة طريق.. من التجريب إلى التوسع
وتطرح الدراسة تصورا للتنفيذ التدريجي يبدأ بتحديد المجالات الأكثر استعدادا للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وتقييم جاهزية البيانات والبنية التكنولوجية والكوادر البشرية، قبل الانتقال إلى التطبيقات العملية.ويتضمن التصور تنفيذ مشروعات تجريبية محددة، وقياس نتائجها باستخدام مؤشرات أداء واضحة، ثم تقييم إمكانية التوسع في التطبيقات التي تثبت جدواها، مع معالجة التحديات الفنية والتنظيمية التي قد تظهر خلال مراحل التنفيذ، والتركيز على التنسيق بين الجهات المعنية بإدارة الاقتصاد والمالية العامة والتحول الرقمي، وبناء القدرات المؤسسية، ووضع آليات مستمرة للتقييم والمراجعة.
وبهذا تفتح الدراسة المطروحة أمام لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ نقاشا واسعا حول مستقبل إدارة المال العام في عصر الذكاء الاصطناعي، وكيفية تحويل الإمكانات التكنولوجية إلى أدوات عملية تدعم كفاءة المؤسسات الاقتصادية والمالية.