تثير التقلبات الحادة في أسعار النفط العالمية مخاوف بشأن انعكاساتها على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، لاسيما مع استمرار التوترات في منطقة الخليج واحتمالات تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وما قد ينتج عن ذلك من ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين وزيادة الضغوط التضخمية.
وقال أبو بكر الديب، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ«صوت»، إن مصر ليست بعيدة عن تداعيات التطورات الحالية في أسواق الطاقة، موضحًا أن أي ارتفاع حاد ومستمر في أسعار النفط العالمية سينعكس على فاتورة الاستيراد وتكاليف النقل والإنتاج وتشغيل محطات الكهرباء، فضلًا عن تأثيره على الموازنة العامة وأسعار السلع والخدمات.
تأثير مباشر على مصر
وأضاف الديب أن ارتفاع أسعار النفط قد يزيد الضغوط على الاقتصاد المصري، خاصة مع انعكاسه على تكلفة الطاقة المستوردة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل في عدد من القطاعات الاقتصادية، فضلًا عن زيادة الضغوط على معدلات التضخم.
وأوضح أن انخفاض أسعار النفط يمثل فرصة مهمة لتخفيف فاتورة الاستيراد وإتاحة مساحة أكبر لتحسين الأوضاع المالية، لكن لا ينبغي التعامل مع هذا الانخفاض باعتباره اتجاهًا مستمرًا، في ظل التقلبات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة.
وشدد على أهمية متابعة تطورات سوق الطاقة بصورة مستمرة، والاستعداد لاحتمالات ارتفاع الأسعار، بدلًا من بناء السياسات الاقتصادية على افتراض استمرار التراجع الحالي.
مخاطر نقص الإمدادات
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤدي إلى أزمة عالمية في إمدادات الطاقة، نظرًا لأهميته في نقل صادرات النفط والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
وأضاف أن الدول المستهلكة الكبرى، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، تعتمد بدرجات متفاوتة على نفط الخليج، وهو ما قد يؤدي إلى منافسة قوية بين الدول للحصول على الشحنات المتاحة حال تعطل الملاحة، وبالتالي ارتفاع الأسعار وتكاليف الحصول على الطاقة.
وأوضح أن الأزمة لن تقتصر على سعر النفط الخام، بل ستمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين والتكرير والتوزيع، خاصة مع ارتفاع المخاطر التي تواجه شركات النقل البحري والتأمين نتيجة التوترات العسكرية.
المخزونات تواجه الضغوط
ولفت الديب إلى أن المخزونات النفطية العالمية تراجعت بصورة ملحوظة خلال الفترة من مارس إلى سبتمبر 2026، وهو ما يقلل هامش الأمان المتاح أمام الأسواق ويجعلها أكثر تأثرًا بأي نقص جديد في الإمدادات.
وأكد أن الاحتياطيات الاستراتيجية تمثل إحدى الأدوات المهمة لمواجهة أزمات الطاقة، لكنها ليست حلًا دائمًا، إذ يمكن استخدامها لتغطية جزء من العجز المؤقت ومنح الحكومات والشركات وقتًا لإعادة ترتيب مصادر الإمداد.
وأشار إلى أن مواجهة الأزمة تتطلب الاعتماد على مجموعة من الإجراءات، تشمل زيادة الإنتاج لدى الدول القادرة على ذلك، وإعادة توجيه الشحنات النفطية، واستخدام خطوط الأنابيب البديلة، وترشيد استهلاك الوقود، إلى جانب تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
تحذير من تقلبات السوق
وأكد الخبير الاقتصادي أن السيناريو الأقرب خلال الفترة المقبلة يتمثل في استمرار التذبذب الحاد في أسعار النفط، بين توقعات انخفاض الأسعار مع احتمالات التهدئة السياسية، ومخاطر ارتفاعها حال تجدد المواجهات العسكرية.
وأوضح أن نجاح التحركات الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق يضمن وقف العمليات العسكرية وتأمين الملاحة وعودة صادرات النفط إلى طبيعتها قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في الأسعار، بينما قد يؤدي فشل المفاوضات إلى موجة ارتفاع جديدة.
واختتم الديب تصريحاته بالتأكيد على ضرورة استعداد الدول المستوردة للطاقة لمختلف السيناريوهات، من خلال تنويع مصادر الإمداد والحفاظ على المخزونات وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، مشيرًا إلى أن التراجع الحالي في أسعار النفط لا يمثل شهادة بانتهاء الأزمة، وإنما فرصة مؤقتة لالتقاط الأنفاس.