يمتلك اليورو فرصة مهمة لتعزيز مكانته في النظام النقدي العالمي، في ظل تراجع الاعتماد على الدولار الأمريكي وزيادة توجه البنوك المركزية والمستثمرين إلى تنويع احتياطياتهم المالية، لكن تحقيق هذه الخطوة لن يكون سهلًا، إذ يحتاج الاتحاد الأوروبي أولًا إلى توسيع استخدام العملة الأوروبية داخل دوله، قبل أن تصبح منافسًا قويًا على المستوى الدولي.
تراجع نفوذ الدولار
كشف تحليل نشرته منصة «بروجكت سيندكيت» الإعلامية الدولية، ومقرها العاصمة التشيكية براغ، أن حصة الدولار الأمريكي من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية تراجعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بسبب المخاوف المتعلقة بالسياسات المالية الأمريكية، واستخدام واشنطن قوتها الاقتصادية للضغط على دول أخرى، إلى جانب التغيرات التي يشهدها نظام التجارة العالمي.
وأوضح التحليل أن هذه التطورات دفعت البنوك المركزية والمستثمرين إلى البحث عن بدائل للدولار وتنويع استثماراتهم، إلا أن الاتجاه الأقرب هو ظهور نظام نقدي تتقاسمه عدة قوى اقتصادية، بدلًا من سيطرة عملة واحدة على الاقتصاد العالمي.
اليورو ثاني أقوى عملة
وبحسب بيانات البنك المركزي الأوروبي، وصلت حصة اليورو من مؤشرات الاستخدام العالمي للعملات إلى نحو 20% خلال عام 2025، ليحتفظ بمكانته باعتباره ثاني أهم عملة على مستوى العالم، ويستخدم في التجارة الدولية والإقراض وإصدار السندات، فضلًا عن تمويل المشروعات الخضراء.
وفي المقابل، يظهر اليوان الصيني باعتباره أحد البدائل المطروحة أمام الدولار، مستفيدًا من قوة الاقتصاد الصيني وحجم تجارته الدولية، لكن هناك عقبات تحد من انتشاره، أبرزها القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال وصعوبة تحويله إلى عملات أخرى، إلى جانب عدم وضوح بعض الجوانب القانونية.
أما الذهب والعملات المشفرة، فرغم قدرتهما على جذب المستثمرين وتوفير بعض الحماية من المخاطر، فإنهما لا يمتلكان حتى الآن مستويات السيولة والاستقرار التي تؤهلهما للقيام بدور عملة دولية رئيسية.
أزمة انتشار العملة
ويرى التحليل أن تعزيز مكانة اليورو عالميًا يحتاج إلى إصلاحات مالية داخل الاتحاد الأوروبي، تشمل استكمال اتحاد أسواق رأس المال، وتقوية الاتحاد المصرفي، وزيادة توفير الأصول الآمنة المقومة باليورو، بما يمنح المستثمرين خيارات أكبر وأكثر استقرارًا.
لكن المشكلة لا تتعلق بالأسواق والتمويل فقط، فهناك 6 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تستخدم اليورو حتى الآن، وهي التشيك والدنمارك والمجر وبولندا ورومانيا والسويد.
وتعد الدنمارك الدولة الوحيدة التي حصلت على استثناء يسمح لها بعدم الانضمام إلى العملة الموحدة، بينما تلتزم الدول الخمس الأخرى من حيث المبدأ بتبني اليورو، دون وجود موعد محدد لإتمام هذه الخطوة.
دول تقترب من اليورو
وأشار التحليل إلى أن استمرار وجود دول أوروبية خارج منطقة اليورو أصبح يمثل نقطة ضعف أمام طموحات العملة الأوروبية، خاصة أن انتشار العملة داخل القارة نفسها سيكون رسالة مهمة للمستثمرين والبنوك المركزية حول العالم.
وتعد السويد من أبرز الدول التي تشهد تغيرًا في موقفها من الانضمام، بعدما أظهرت مراجعات حديثة أن فوائد استخدام اليورو أصبحت أكبر من السابق، في ظل التقارب المتزايد بين اقتصادها واقتصادات منطقة اليورو، فضلًا عن أهمية المشاركة في القرارات الاقتصادية الأوروبية ومواجهة التحديات الجيوسياسية.
وفي المجر، قد يفتح التغيير السياسي وخروج رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان من السلطة الباب أمام تقارب أكبر مع الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من الخلافات مع توجهاته، كما يمكن أن يساعد الالتزام بالانضمام إلى اليورو على زيادة ثقة المستثمرين وتقليل المخاطر الاقتصادية التي تواجه البلاد.
أما بولندا، التي تعد من أسرع الاقتصادات نموًا في وسط أوروبا، وتمتلك قدرات عسكرية متزايدة، فيرى التحليل أن استمرار ابتعادها عن منطقة اليورو يحد من مشاركتها في القرارات المالية الكبرى المتعلقة بمستقبل الاتحاد الأوروبي وتمويل دفاعاته.
بريطانيا خارج الحسابات
وتظل المملكة المتحدة حالة مختلفة، فخروجها من الاتحاد الأوروبي لم يبعدها عن التحديات الاقتصادية والأمنية المشتركة مع دول القارة، بل كشف عن صعوبة البقاء خارج المؤسسات الأوروبية الرئيسية.
ورغم أن عودة بريطانيا إلى منطقة اليورو ليست مطروحة في الوقت الحالي، فإن أي تقارب اقتصادي جديد مع الاتحاد الأوروبي، في إطار ما يعرف بـ«بريكست العكسي»، قد يدعم انتشار العملة الأوروبية على المدى الطويل.
الحرب تفرض واقعًا جديدًا
وأوضح التحليل أن النقاش حول الانضمام إلى اليورو لم يعد مرتبطًا فقط بأسعار الصرف والسياسة النقدية، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتراجع الضمانات الأمنية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وهو ما دفع الدول الأوروبية إلى التفكير بشكل أكبر في كيفية تمويل دفاعها وحماية اقتصاداتها.
وفي هذا الإطار، يصبح توحيد أسواق رأس المال وزيادة الأصول المقومة باليورو أمرًا ضروريًا لتوفير التمويلات المطلوبة لمشروعات الدفاع والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
ومن المتوقع أن تحتاج هذه المشروعات إلى مشاركة دول أوروبية لا تستخدم اليورو، وعلى رأسها بولندا والسويد، إلى جانب دول من خارج الاتحاد الأوروبي مثل بريطانيا وأوكرانيا، مع إمكانية الاعتماد على الاقتراض الأوروبي المشترك لتوفير تمويلات أكبر وجذب المستثمرين.
توسيع النفوذ الأوروبي
ولفت التحليل إلى أن توسيع منطقة اليورو يمكن أن يساعد أيضًا في تقوية العلاقات الاقتصادية مع الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والتي يصل عددها إلى 9 دول، من بينها أوكرانيا كما تستخدم الجبل الأسود اليورو بشكل منفرد منذ أكثر من 20 عامًا، بينما تعتمد دول مرشحة أخرى على العملة الأوروبية في قطاعات مصرفية وتجارية وتحويلات مالية مختلفة.
وأكد التحليل أن قوة العملات العالمية لا تعتمد فقط على حجم الاقتصاد، وإنما ترتبط أيضًا بمدى الثقة في المؤسسات السياسية والقانونية، وهو ما يمنح اليورو ميزة من خلال استقرار قواعده واستقلالية البنك المركزي الأوروبي.
واختتم التحليل بالإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع إجبار الشركات والمستثمرين والبنوك المركزية على استخدام اليورو، لكنه يستطيع زيادة جاذبيته من خلال توسيع نطاق التعامل به، وتقديم تسهيلات مالية واتفاقيات لتبادل العملات وإعادة الشراء مع الدول الشريكة، وفق شروط واضحة وبذلك، فإن مستقبل اليورو كعملة عالمية لن يتوقف فقط على تراجع الدولار، بل سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة أوروبا على تقوية اقتصادها وتوسيع استخدام عملتها داخل القارة وخارجها