كشف باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن تطوير جسيمات نانوية ذات بنية فريدة، يمكن استخدامها كوسيلة قابلة للتخصيص لنقل لقاحات السرطان المصممة خصيصًا لكل مريض، في خطوة قد تسهم مستقبلًا في تطوير علاجات تستهدف الأورام وفق خصائصها الفردية.
جسيمات نانوية تفتح الطريق أمام تطوير لقاحات سرطان مخصصة لكل مريض
وتعتمد المنصة الجديدة على نوع معدل وغير ضار من الفيروسات التي تصيب البكتيريا، يُعرف باسم «M13»، ويشكل أليافًا نانوية يمكن تغليفها بمستضدات السرطان، وهي البروتينات التي يتعرف عليها الجهاز المناعي ويستهدفها. وأظهرت التجارب أن التحكم الدقيق في كثافة هذه البروتينات يمكن أن يساعد في إنتاج لقاح يحد من تطور أورام القولون لدى الفئران.
ويرى الباحثون أن هذه التقنية قابلة للتعديل بحيث تحمل مستضدات مختلفة، ما يتيح مستقبلًا تصميم لقاحات مخصصة تستهدف مستضدات محددة موجودة في أورام كل مريض.

فيروس غير ضار يتحول إلى ناقل للقاحات السرطان
تعتمد التقنية على فيروس بكتيري يُعرف باسم «M13»، وهو فيروس غير ضار للإنسان، ويتكون من شريط واحد من الحمض النووي (DNA) محاط بغلاف بروتيني.
وعلى مدار أكثر من 20 عامًا، عمل مختبر الباحثة أنجيلا بيلشر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على توظيف هذا الفيروس في تطبيقات مختلفة، من خلال هندسته وراثيًا ليكوّن هياكل نانوية يمكن استخدامها في تصنيع مواد وأجهزة وظيفية، من بينها البطاريات وأشباه الموصلات والخلايا الشمسية والمحفزات الكيميائية.
وفي الأبحاث الجديدة، اتجه الفريق إلى تطوير هذه التقنية لاستخدامها في التطبيقات الطبية، وخاصة توصيل اللقاحات، من خلال تعديل أحد البروتينات المكونة للغلاف الفيروسي، ويُعرف باسم «pVIII»، وإضافة مستضدات السرطان إلى نهايت
ويمكن تنفيذ ذلك عن طريق إدخال الجين المسؤول عن إنتاج المستضد إلى الحمض النووي للفيروس، بما يسمح بعرض البروتين المستهدف على سطح الألياف الفيروسية.

التحكم في كثافة المستضدات لتعزيز الاستجابة المناعية
ركز الباحثون على تطوير طريقة للتحكم في كثافة مستضدات السرطان الموجودة على سطح الفيروس، بعدما أشارت دراسات سابقة إلى أن عدد هذه البروتينات وترتيبها قد يؤثران في قوة الاستجابة المناعية التي ينتجها اللقاح.
واكتشفت الباحثة شينغنان هوانغ إمكانية زيادة كثافة بروتينات «pVIII» المعدلة من خلال إضافة حمض أميني أو اثنين يحملان شحنة سالبة إلى تسلسل البروتين، كما أمكن ضبط الكثافة بصورة أكبر من خلال إدخال طفرة جينية تؤدي إلى إبطاء إنتاج بروتين المستضد.
ولم يقتصر التطوير على التحكم في كثافة المستضدات، بل نجح الفريق أيضًا في تعزيز قدرة فيروس «M13» على أداء دور المادة المساعدة للقاح، وهي مادة تُضاف عادة إلى اللقاحات لتحفيز استجابة مناعية أقوى.
ويستطيع الحمض النووي أحادي الشريط الموجود في الفيروس تنشيط مسار مناعي يُعرف باسم «TLR9»، وهو جزء من جهاز المناعة الفطري، ما يسمح للمنصة بأداء دور المادة المساعدة دون الحاجة بالضرورة إلى إضافة مادة منفصلة مثل هيدروكسيد الألومنيوم.
وبذلك تمكن الباحثون من التحكم في طول الألياف الفيروسية، ومستوى إنتاج المستضدات وكثافتها وتوزيعها، إلى جانب كمية المادة المساعدة الموجودة في اللقاح.
تجارب على الفئران تكشف قدرة اللقاح على الحد من الأورام
لاختبار التقنية، صمم الباحثون فيروسات تعرض مستضدًا يُعرف باسم «SIINFEKL»، وهو بروتين صغير يُستخدم في الأبحاث كنموذج لاختبار فاعلية اللقاحات، ويمكن هندسته ليظهر في الخلايا السرطانية.
وتمكن الفريق من إنتاج جسيمات تتراوح كثافة هذا المستضد على سطحها بين 6% و70%، ثم اختبر نوعين من اللقاحات، أحدهما بكثافة 6% والآخر بكثافة 35%، وأظهرت النتائج أن اللقاح ذي الكثافة الأعلى كان أكثر قدرة على توفير الحماية.
وبعد تلقيح الفئران بالجسيمات ذات كثافة المستضد البالغة 35%، أصبحت أقل عرضة لتطور الأورام عند تعريضها لاحقًا لخلايا سرطان الميلانوما التي تحمل المستضد نفسه، كما سجلت زيادة في أعداد الخلايا التائية الموجهة لاستهداف هذا البروتين.
وأرجع الباحثون جانبًا من هذه النتيجة إلى أن الخلايا المتغصنة، المسؤولة عن تنشيط الخلايا التائية وتوجيه الاستجابة المناعية، كانت أكثر قدرة على التقاط اللقاحات ذات الكثافة الأعلى من المستضدات.
لقاح يستهدف مستضدات أورام القولون
وفي تجربة أخرى، طور الفريق لقاحًا يحمل مستضدًا جديدًا يُعرف باسم «ADPGK»، وهو بروتين يظهر بصورة محددة في خلايا أورام القولون ضمن نموذج الفئران المستخدم في الدراسة.
وأظهرت التجارب أن الفئران التي تلقت اللقاح ذي الكثافة الأعلى من المستضد كانت أقل عرضة للإصابة بأورام القولون، ما يشير إلى إمكانية توظيف المنصة لاستهداف بروتينات مختلفة ترتبط بأنواع محددة من السرطان.
واختبر الباحثون في الدراسة الحالية اللقاح بهدف الوقاية من تطور الأورام، بينما أظهرت أعمال سابقة للفريق إمكانية تكييف المنصة لاستخدامها في علاج أورام القولون الموجودة بالفعل لدى الفئران.
ويأمل الباحثون في المستقبل توسيع نطاق التقنية لتشمل أنواعًا أخرى من السرطان، من خلال استبدال المستضد الموجود على سطح الفيروس بمستضدات مختلفة تتناسب مع طبيعة كل ورم.

لقاحات مخصصة وفق طبيعة الورم لكل مريض
وتكمن أهمية المنصة الجديدة في طبيعتها القابلة للتعديل، إذ يمكن تغيير المستضدات التي تحملها لتوجيه الجهاز المناعي نحو أهداف مختلفة بحسب نوع السرطان والخصائص الجزيئية للورم.
وأوضحت أنجيلا بيلشر، أستاذة الهندسة البيولوجية وعلوم وهندسة المواد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والباحثة الرئيسية بالدراسة، أن إمكانية استبدال المستضدات تتيح تصميم لقاحات تستهدف بروتينًا محددًا لدى مريض بعينه، بدلًا من الاعتماد على تركيبة واحدة لجميع المرضى.
ومن جانبه، وصف ألبرتو دانييلي، الأستاذ المشارك في علم الأحياء الجزيئي بجامعة بولونيا، والذي لم يشارك في الدراسة، النتائج بأنها خطوة مهمة لتحسين الإمكانات التطبيقية لمنصة فيروس «M13» في مجال العلاج المناعي للسرطان، مشيرًا إلى أهمية اختبار مدى فاعليتها ضد الأورام الموجودة بالفعل، وإمكانية عرض مستضدات إضافية مع الحفاظ على الكفاءة الجزيئية والمناعية.
ونُشرت الدراسة في مجلة «Advanced Healthcare Materials»، بمشاركة فريق بحثي قادته شينغنان هوانغ، الباحثة بمعهد كوخ لأبحاث السرطان التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبإشراف أنجيلا بيلشر.
وحصل البحث على تمويل جزئي من برنامج الأبحاث الرائدة بمعهد كوخ، ومركز ماربل لطب النانو الخاص بالسرطان، ووكالة مشروعات البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA).
ولا تزال النتائج في إطار الأبحاث قبل السريرية التي أُجريت على الفئران، ولا تمثل لقاحًا معتمدًا أو علاجًا متاحًا للمرضى، إذ يتطلب الانتقال إلى الاستخدام البشري إجراء مزيد من الدراسات والاختبارات لتقييم السلامة والفاعلية.