في ظل تصاعد أزمات الأمن الغذائي عالميا، واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية، لم يعد توفير الغذاء مجرد خيار، بل أصبح معركة بقاء تخوضها الدول، ومن هذا المنطلق، اتجهت الدولة المصرية إلى تنفيذ خطة طموحة هي الأضخم في تاريخها الحديث، تستهدف الخروج من الوادي الضيق إلى الصحراء، عبر استصلاح 4.5 مليون فدان، يقودها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بهدف بناء منظومة غذائية متكاملة تمتد من الحقل إلى المصنع ثم إلى التصدير.
خريطة التنمية.. من الإسكندرية إلى أسوان
لا تتركز خطة الاستصلاح في منطقة جغرافية واحدة، بل تمتد عبر خريطة تنموية شاملة تعيد رسم وجه مصر الزراعي، وتبدأ من مشروع الدلتا الجديدة العملاق، مرورا بمحافظات الصعيد في المنيا وبني سويف والفيوم، وصولا إلى سيناء وتوشكى وأسوان وشرق العوينات والداخلة.
ويستهدف هذا التوزيع تحقيق العدالة التنموية وكسر مركزية المشروعات في الدلتا القديمة، مع الاستفادة من مقومات كل منطقة، من خلال إنشاء شبكات متكاملة من الطرق والكهرباء ومياه الري ومستودعات التخزين والخدمات اللوجستية، لتحويل المساحات الصحراوية إلى أراض منتجة.
الأمن الغذائي.. ضمان الاستدامة وليس الإتاحة المؤقتة
يتجاوز مفهوم الأمن الغذائي، مجرد توافر السلع في الأسواق، ليصل إلى ضمان استدامة الإمدادات على مدار العام بالكميات والجودة المطلوبة، وتركز المشروعات القومية الجديدة على زيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية التي تمثل عبئا على فاتورة الاستيراد، وفي مقدمتها القمح والذرة وبنجر السكر، إلى جانب الخضروات والفاكهة ومحاصيل التصنيع الغذائي، بما يسهم في تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وحماية السوق المحلي من تقلبات الأسعار العالمية وتكاليف الشحن.
الدلتا الجديدة.. المشروع الأكبر بـ2.2 مليون فدان
ويعد مشروع الدلتا الجديدة قلب خطة التوسع الزراعي، حيث يستهدف استصلاح 2.2 مليون فدان في مناطق الصحراء الغربية بمحافظات البحيرة والجيزة ومطروح، وتكمن أهميته الاستراتيجية في قربه من شبكة الطرق الرئيسية والمدن والمراكز الصناعية وموانئ التصدير، وهو ما يسهل حركة مستلزمات الإنتاج ونقل المحاصيل، ولا يقتصر المشروع على الزراعة فقط، بل يقوم على إنشاء منظومة متكاملة تضم الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي والتخزين والنقل، مع تخصيص مساحات لمحاصيل متنوعة تلبي احتياجات السوق المحلي وتصدر الفائض للأسواق العربية والأوروبية والأمريكية.
البنية التحتية المائية.. نهر صناعي بطاقة 7.5 مليون متر مكعب
ويمثل توفير المياه التحدي الأكبر أمام استصلاح الصحراء، ولذلك تم تصميم منظومة مائية عملاقة لخدمة المشروع، تعرف بـ"النهر الجديد"، وتضم المنظومة محطة لمعالجة مياه الصرف الزراعي بطاقة إنتاجية تبلغ 7.5 مليون متر مكعب يوميا، بالإضافة إلى شبكات نقل تمتد لنحو 500 كيلومتر من المسارات المكشوفة والأنابيب تحت الأرض، وتقوم الفكرة على إعادة استخدام المياه وفق معايير جودة صارمة، مع تطبيق نظم الري الحديثة لتعظيم الاستفادة من كل متر مكعب، وتحقيق التوازن بين التوسع الزراعي وحماية الموارد المائية.
التصنيع الزراعي.. رفع القيمة المضافة للمحصول
لا تتوقف عوائد المشروع عند حدود الإنتاج الزراعي، بل تمتد لتشمل التصنيع الزراعي كمسار أساسي لتعظيم العائد الاقتصادي، ويجري إنشاء مجمعات صناعية متاخمة لمناطق الإنتاج، مخصصة للتعبئة والتجهيز والتصنيع الغذائي، ويساهم هذا التوجه في تقليل تكاليف النقل والحفاظ على جودة المحاصيل، وتحويل الفائض إلى منتجات عالية القيمة قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، فضلا عن توفير آلاف فرص العمل في مجالات التشغيل والجودة والتسويق.
منظومة لوجستية متكاملة لحماية الإنتاج
تتطلب زيادة الإنتاج الزراعي، وجود منظومة قوية للتخزين والتوزيع، ولذلك تتضمن خطة الدلتا الجديدة إنشاء 100 صومعة لتخزين الحبوب بسعة إجمالية 500 ألف طن، بالإضافة إلى ثلاجات لحفظ الأغذية ومرافق للتعبئة والتداول، وسوق لوجستية على مساحة 550 فدانا، وتعمل هذه المنظومة على تقليل الفاقد بعد الحصاد، وضمان انتظام المعروض، وربط مواقع الإنتاج بمراكز التصنيع والتصدير بكفاءة عالية.
القطاع الخاص شريك أساسي وهدف مزدوج
تستهدف الدولة من خلال هذا التوسع تحقيق هدف مزدوج، يتمثل في تلبية احتياجات السوق المحلي وتوفير العملة الصعبة عبر التصدير، ويعد القطاع الخاص شريكا رئيسيا في هذه المنظومة، من خلال ضخ الاستثمارات ونقل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، ويعمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على التنسيق بين وزارات الزراعة والري والكهرباء والهيئة الهندسية للقوات المسلحة والقطاع الخاص، لضمان تنفيذ المشروعات واستدامتها.