في خطوة قد تمهد لتغيير مستقبل الاتصالات حول العالم، نجحت شركة «Sceye» الأمريكية في اختبار منطاد يعمل على ارتفاعات شاهقة لتوفير خدمات الهاتف المحمول والإنترنت من طبقات الجو العليا، في تجربة تهدف إلى تقديم بديل لشبكات الاتصالات الأرضية، خاصة في المناطق التي تتعرض للزلازل والكوارث الطبيعية، حيث تتضرر الأبراج وتنقطع الاتصالات في أوقات تحتاج فيها فرق الإنقاذ والسكان إلى التواصل بصورة عاجلة.
ووفقًا لتقرير نشره موقع «Ars Technica»، قطعت منصة الطيران غير المأهولة نحو 30 ألف كيلومتر خلال رحلة استمرت 30 يومًا، انطلقت من الولايات المتحدة إلى اليابان ثم عادت مرة أخرى، في اختبار استهدف تقييم قدرة المنطاد على العمل لفترات طويلة وتوفير تغطية خلوية من ارتفاعات تصل إلى نحو 16.5 كيلومتر فوق سطح الأرض.
اتصالات جوية دون أبراج
أجرت الشركة التجربة بالتعاون مع شركة «SoftBank» اليابانية، واختبرت توفير خدمات الاتصالات باستخدام تقنية الجيل الرابع «4G LTE» من خلال المنطاد، وشملت الاختبارات إجراء المكالمات الهاتفية وإرسال الرسائل وتصفح الإنترنت وإجراء مكالمات الفيديو، إلى جانب التحكم في طائرات مسيرة عبر الاتصال الذي وفرته المنصة الجوية.
وتعتمد الفكرة على استخدام المنطاد بوصفه محطة اتصالات معلقة في السماء، قادرة على تغطية مناطق واسعة دون الحاجة إلى إنشاء أبراج جديدة على الأرض، وهو ما قد يساعد في الوصول إلى المناطق النائية التي يصعب مد شبكات الاتصالات التقليدية إليها، فضلًا عن توفير وسيلة بديلة لاستعادة الاتصال عند تعطل البنية التحتية نتيجة الكوارث.
كيف يعمل المنطاد الذكي؟
تعتمد المنصة على غاز الهيليوم لتوفير قوة الرفع التي تساعدها على البقاء في طبقات الجو العليا، بينما يتولى محرك كهربائي توجيهها والتحكم في حركتها. وتستخدم المنظومة ألواحًا شمسية وبطاريات لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل معدات الطيران والاتصالات خلال النهار والليل.
ويسمح هذا التصميم للمنطاد بالعمل على ارتفاع يقارب 60 ألف قدم، مع إمكانية البقاء فوق منطقة جغرافية محددة بهدف توفير تغطية مستقرة نسبيًا. وتمثل القدرة على الاستمرار في التحليق والتحكم في الموقع عنصرًا أساسيًا في نجاح هذه التقنية، لأن تقديم خدمة اتصالات فعالة يتطلب الحفاظ على تغطية مناسبة للمستخدمين الموجودين أسفل المنصة.
اختبارات في ظروف مختلفة
لاختبار كفاءة النظام بصورة عملية، أوقفت شركة «SoftBank» التغطية الخلوية الأرضية في منطقة التجربة باليابان، ثم استخدمت المنطاد لإعادة توفير الاتصال، في خطوة تهدف إلى محاكاة الظروف التي قد تحدث عند تعطل الشبكات التقليدية.
وشملت التجارب مناطق مفتوحة وأخرى مغطاة بالأشجار، بالإضافة إلى اختبار الاتصال داخل أحد المباني، وأعلنت الشركة نجاح المنظومة في توفير الخدمة ضمن البيئات الثلاث. وتكتسب هذه النتائج أهمية لأنها تقدم مؤشرًا أوليًا على قدرة المنصة على إيصال الإشارة إلى المستخدمين في ظروف مختلفة، رغم أن التوسع في الاستخدام التجاري يتطلب اختبارات إضافية وعلى نطاق أوسع.
دور حيوي أثناء الكوارث
من أبرز الاستخدامات المحتملة للمنطاد توفير الاتصالات في أعقاب الزلازل والأعاصير والفيضانات، عندما تتعرض الأبراج الأرضية للتلف أو ينقطع التيار الكهربائي عن محطات الشبكة. ويمكن لهذه التقنية أن تساعد في إعادة الاتصال بالسكان وفرق الإنقاذ، فضلًا عن دعم إرسال التنبيهات والتحذيرات المرتبطة بالزلازل وموجات التسونامي.
كما اختبرت الشركة معالجة البيانات مباشرة على متن المنطاد، بدلًا من الاعتماد الكامل على إرسالها إلى مراكز الحوسبة السحابية، وسجلت متوسط زمن استجابة بلغ 68 مللي ثانية. وقالت الشركة إن هذه النتيجة أقل بنحو 40% من زمن الاستجابة المرتبط بالمعالجة السحابية التقليدية في ظروف المقارنة المستخدمة، وهو ما قد يدعم التطبيقات التي تحتاج إلى استجابة سريعة.
مستقبل التقنية والتحديات
تخطط «Sceye» لإجراء اختبارات إضافية تتراوح مدتها بين ثلاثة وستة أشهر، تمهيدًا لتقييم قدرة المنصة على العمل لفترات أطول وتطوير إمكاناتها التشغيلية. ويظل الهدف النهائي هو الوصول إلى منظومة تستطيع توفير خدمات اتصال مستمرة وموثوقة دون الاعتماد الكامل على الأبراج الأرضية.
ورغم النتائج الأولية الواعدة، فإن تحويل هذه التقنية إلى خدمة تجارية واسعة النطاق لا يزال يتطلب إثبات قدرتها على مواجهة تغيرات الطقس والرياح، والحفاظ على استقرار التغطية، والعمل بصورة متواصلة في مناطق جغرافية مختلفة. لذلك، تمثل التجربة خطوة مهمة نحو تطوير شبكات اتصالات جوية، لكنها لا تعني حتى الآن الاستغناء عن البنية التحتية التقليدية أو ضمان توفير الخدمة بصورة مستمرة في جميع الظروف.