تواجه فرنسا ضغوطًا اقتصادية متزايدة في ظل ارتفاع الدين العام وتباطؤ النمو وزيادة تكاليف الاقتراض، بالتزامن مع احتجاجات على تكاليف المعيشة واضطرابات اجتماعية، ما يضع الحكومة أمام خيارات مالية صعبة بين تقليص الإنفاق وزيادة الإيرادات الضريبية، في وقت تتراجع فيه مساحة التحرك الاقتصادي.
وأعادت الاحتجاجات الأخيرة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الاقتصاد الفرنسي، وسط انقسامات سياسية بشأن السياسات المالية، وصعوبة التوفيق بين تمويل الخدمات العامة والبرامج الاجتماعية من جهة، والسيطرة على العجز والدين العام من جهة أخرى.
الدين العام يقترب من 3.6 تريليون يورو
بلغت نسبة الدين العام الفرنسي نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو، مقتربة قيمة الدين من 3.6 تريليون يورو، بما يعادل نحو 4.08 تريليون دولار، وفقًا لبيانات وكالة الإحصاء الوطنية الفرنسية.
ووصف أستاذ الاقتصاد بكلية نيوم للأعمال في باريس، جيلبير سيت، الدين العام الفرنسي بأنه «هائل»، مشيرًا إلى أن مستواه المرتفع يقيّد خيارات السياسة الاقتصادية ويحد من قدرة الحكومة على اتخاذ إجراءات مالية جديدة.
وتواجه السلطات الفرنسية معضلة تتمثل في الاختيار بين خفض الإنفاق الحكومي أو زيادة الضرائب، التي تعد بالفعل من بين الأعلى في أوروبا، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى ضبط أوضاع المالية العامة دون زيادة الضغوط على الأسر والشركات.
الإنفاق الحكومي والضرائب يضيّقان الخيارات
وبلغ الإنفاق الحكومي الفرنسي 57.2% من الناتج الاقتصادي خلال عام 2025، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات»، مقارنة بمتوسط أوروبي يقل قليلًا عن 50%.
ويعكس هذا المستوى ارتفاع وزن الإنفاق العام في الاقتصاد الفرنسي، الذي يشمل تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية وإعانات الشركات وغيرها من البرامج الحكومية، ما يجعل خفض النفقات مهمة معقدة تتطلب تحديد أولويات الإنفاق ومجالات الإصلاح.
وعلى صعيد الإيرادات، سجلت الضرائب والمساهمات الاجتماعية في فرنسا 45.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، لتحتل البلاد المرتبة الثانية أوروبيًا بعد الدنمارك، وفق بيانات «يوروستات»، مقابل متوسط للاتحاد الأوروبي تجاوز قليلًا 40%.
وقال كارستن برزيسكي، الرئيس العالمي لقسم الاقتصاد الكلي في بنك «آي إن جي»، إن فرنسا ليست اليونان، لكنه أشار إلى أن عدم تحقيق أهداف الإنفاق والنمو وخفض التكاليف يمثل أحد محاور التحديات الاقتصادية الفرنسية.
ارتفاع عوائد السندات يزيد تكلفة الاقتراض
وتتزايد الضغوط على المالية العامة الفرنسية مع ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي، إذ بلغ العائد على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات 4.96% حتى الثلاثاء، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وفي المقابل، بلغ العائد على السندات الألمانية المماثلة نحو 3.4%، ما يبرز اتساع الفارق بين تكلفة الاقتراض في أكبر اقتصادين بمنطقة اليورو.
ويؤدي ارتفاع عوائد السندات الفرنسية إلى زيادة تكلفة خدمة الدين، بما يحد من الموارد المتاحة لتمويل قطاعات أساسية، مثل التعليم والصحة والدفاع والمعاشات والبرامج الاجتماعية.
وحذر برزيسكي، في تحليل نشره الأسبوع الماضي، من تراجع مصداقية فرنسا المالية بسبب عدم الوفاء بالوعود الاقتصادية وعدم المضي قدمًا في إصلاحات مالية وهيكلية، في مقارنة استحضر فيها تجربة اليونان خلال أزمة الديون الأوروبية.
توقعات النمو تضع فرنسا تحت ضغط إضافي
وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى نمو الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.4% خلال العام الجاري، وهو معدل يقل عن التوقعات الخاصة بالاقتصادات المتقدمة والاقتصاد العالمي.
ويتوقع الصندوق نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1%، مقابل 2.1% للاقتصادات المتقدمة، وفق الأرقام الواردة في التقرير، ما يسلط الضوء على ضعف وتيرة النمو المتوقعة في فرنسا.
وتأتي هذه التوقعات في ظل تحديات متزامنة تشمل ارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض، إلى جانب محدودية قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق أو خفض الضرائب دون التأثير في مسار ضبط المالية العامة.
احتجاجات المعيشة تزيد الضغوط على الحكومة
وتتزامن التحديات المالية مع احتجاجات واضطرابات اجتماعية مرتبطة بالأوضاع المعيشية، إذ شهدت فرنسا تحركات طلابية لإغلاق مدارس خلال الشهر الجاري، اتسم معظمها بالسلمية، قبل أن تتسع بعض التحركات وتظهر جيوب من العنف بين الشباب، وفق ما أورده التقرير.
وتضع هذه التطورات الحكومة أمام تحدي الموازنة بين احتواء الاستياء الاجتماعي والاستمرار في إصلاح المالية العامة، خصوصًا مع ارتفاع الإنفاق الحكومي وتراجع هامش التحرك المالي.
وفي ظل هذه الظروف، تتركز المعضلة الاقتصادية الفرنسية في كيفية الحد من العجز والدين العام وتحفيز النمو، دون تحميل الأسر والشركات أعباء إضافية أو تقليص الخدمات العامة بصورة تزيد من حدة التوترات الاجتماعية.