"كأننا نعيش أحداث عام 1968 من جديد".. بهذه العبارة لخصت لافتة رفعها طلاب فرنسيون مشهد الاحتجاجات الراهنة، التي انطلقت من أسوار المدارس بمطالب لتحسين ظروف التعليم، قبل أن تتسع إلى قضايا المعيشة والخدمات العامة، وتستقطب معلمين وأولياء أمور ونقابيين.
ومع عودة الطلاب إلى الشوارع واتساع التحركات الاجتماعية، تستحضر فرنسا انتفاضة مايو 1968 التي هزت حكم الرئيس شارل ديغول، بعدما تحولت الاحتجاجات الجامعية آنذاك إلى إضراب عام شل قطاعات واسعة من الاقتصاد، لكن التساؤل يبقى، هل تتوافر في احتجاجات أكتوبر 2026 الشروط التي جعلت انتفاضة ذلك العام أزمة سياسية كبرى؟.
من المدارس إلى الشارع.. كيف اتسعت رقعة الاحتجاجات؟
بدأت الحركة الحالية في 21 سبتمبر الماضي، عندما احتج طلاب في مدرسة ثانوية بمدينة كريتاي، بضواحي باريس، على نقص المدرسين والموظفين، وسرعان ما امتدت التحركات إلى مدارس أخرى، وسط شكاوى من اكتظاظ الفصول الدراسية، وتدهور المرافق، واضطراب جداول الدراسة، والضغوط المرتبطة بنظام القبول الجامعي المعروف باسم "باركورسوب"، بحسب ما جاء في تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية.
ولم تبق المطالب محصورة في نقص الموارد التعليمية؛ إذ امتدت إلى الدعوة لتحسين أوضاع المدارس العامة وضمان فرص تعليم أفضل، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً مالية تحد من قدرتها على زيادة الإنفاق العام.
ومع انتشار الاحتجاجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت التحركات المحلية إلى حركة وطنية شارك فيها طلاب ومعلمون، وسط انضمام نقابيين وقوى سياسية إلى النقاش بشأن مستقبل التعليم والخدمات العامة.
أرقام متضاربة حول حجم المشاركة
وفي 6 أكتوبر الجاري، قدرت تقارير مشاركة مئات الآلاف في التحركات التي شهدتها البلاد خلال الأسبوع السابق، لكن المشاركة تراجعت في التحرك التالي؛ إذ أظهرت بيانات وزارة الداخلية الفرنسية، التي نقلتها وكالة "رويترز"، مشاركة نحو 161.5 ألف شخص في احتجاجات 13 أكتوبر، مقابل 266 ألفا في التحرك السابق.
كما تراجع عدد المدارس التي أغلقت من نحو 800 إلى 214 مدرسة، وفق بيانات وزارة التعليم، وفي 17 أكتوبر، اتسعت التعبئة لتشمل احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب المطالب التعليمية.
وشهدت الاحتجاجات وقوع مواجهات وحرائق في مدن منها باريس ومرسيليا ورين وتولوز وأنجيه، واعتقال الداخلية الفرنسية 272 شخصا، فيما تزامنت التحركات مع مشاركة نقابية وتعبئة أوسع خارج المدارس، ما يشير إلى انتقال الحركة من احتجاجات طلابية على ظروف التعليم إلى مساحة أوسع من الاعتراض الاجتماعي.
مايو 1968.. كيف تحولت احتجاجات الطلاب إلى أزمة حكم؟
تكمن أهمية المقارنة التاريخية في أن احتجاجات مايو 1968 لم تبدأ بوصفها حركة لإسقاط السلطة، بل انطلقت من الجامعات قبل أن تتحول إلى أزمة اجتماعية وسياسية شاملة، ففي ربيع ذلك العام، تصاعدت احتجاجات الطلاب على أوضاع الجامعات والقيود المؤسسية والعلاقات السلطوية داخل المجتمع الفرنسي، حيث بلغت المواجهات ذروتها في الحي اللاتيني بباريس ليلة 10 إلى 11 مايو، عندما اشتبك الطلاب مع الشرطة وأقاموا المتاريس، في مشاهد ساعدت على توسيع التعاطف مع الحركة.
وجاء التحول الأهم في 13 مايو، عندما انضمت النقابات العمالية إلى الاحتجاجات، قبل أن تتسع الإضرابات لتشمل قطاعات صناعية وخدمية واسعة، وتقدر الموسوعة البريطانية عدد العمال المشاركين في الإضراب العام بنحو 10 ملايين عامل، في واحدة من أكبر موجات الإضراب التي شهدتها فرنسا.
وبذلك تجاوزت الأزمة مطالب إصلاح الجامعات والأجور، لتتحول إلى تحد سياسي واجتماعي أوسع لحكم ديغول، ومع تعطل قطاعات واسعة من الاقتصاد واستمرار الاضطرابات، واجهت الحكومة اختبارا لقدرتها على استعادة السيطرة واحتواء الغضب الشعبي.
وفي 30 مايو 1968، أعلن ديغول حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، مؤكدا تمسكه بمنصبه، حيث أسفرت الانتخابات التي جرت في يونيو عن فوز كبير للمعسكر الديغولي، ما أتاح للرئيس استعادة المبادرة السياسية، رغم أن الأزمة لم تنهى مساره السياسي بصورة نهائية، ففي أبريل 1969، استقال ديغول بعد نتائج استفتاء بشأن إصلاحات مؤسسية وإقليمية.
أوجه الشبه والاختلاف.. هل تتكرر شروط الأزمة؟
تتشابه احتجاجات 2026 مع أحداث 1968 في نقطة البداية؛ ففي الحالتين، كانت المؤسسات التعليمية ساحة لانطلاق اعتراضات أوسع على الأوضاع القائمة، كما أن اتساع المطالب الحالية من نقص المدرسين وتدهور المدارس إلى تكاليف المعيشة والخدمات العامة يفتح الباب أمام تحولها إلى حركة اجتماعية متعددة المطالب.
لكن التشابه لا يعني تطابق الظروف، ففي عام 1968، كان انضمام النقابات العمالية واتساع الإضرابات إلى قطاعات اقتصادية رئيسية نقطة التحول التي نقلت الاحتجاجات من الجامعات إلى أزمة وطنية شاملة، أما في أكتوبر 2026، فرغم اتساع المشاركة وانضمام قوى نقابية واجتماعية إلى التحركات، لم يتشكل حتى الآن إضراب عام يماثل ما حدث قبل نحو ستة عقود.
ويختلف السياق السياسي أيضا؛ فاحتجاجات اليوم تجري في ظل ضغوط على المالية العامة، وتصاعد التنافس بين القوى السياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027، ما منح الأزمة وزنا انتخابيا، لكنه لا يجعل سقوط الحكومة أو تكرار سيناريو ديغول نتيجة حتمية.
حكومة ماكرون أمام اختبار الاحتواء
يدخل الرئيس إيمانويل ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته الرئاسية، تاركا وراءه ناخبين منقسمين ومشهدا سياسيا شديد التشرذم، كما أن مساعيه الطويلة لخفض الدين العام المتزايد لم تنجح في طمأنة المستثمرين الذين يتخلون عن السندات الفرنسية، مما دفع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عقدين.
وتواجه حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو معادلة صعبة، الاستجابة لمطالب الطلاب وتحسين الخدمات العامة، في وقت تقيد فيه الضغوط المالية قدرتها على زيادة الإنفاق، مع تجنب تصعيد المواجهة مع المحتجين.
وفي 7 أكتوبر الجاري، أقر لوكورنو بأن غضب الطلاب ومخاوفهم يستحقان الاستماع، وأعلن تنظيم منتديات داخل المدارس لإتاحة المجال أمام الطلاب لعرض مشكلاتهم ومقترحاتهم، لكنه لم يعلن حينها استجابة مالية مباشرة لمطالب تتعلق بتجديد المباني المدرسية، وتوفير المدرسين، وتحسين أجور العاملين في التعليم، وحدد نهاية أكتوبر موعدا لعرض استجابات حكومية إضافية، واليوم السبت، أكد لوكورنو أن الحكومة لن تسمح بفرض أي أجندة سياسية من خلال أعمال العنف.
جدل حول التعامل الأمني مع الاحتجاجات
وفي موازاة ذلك، تحولت طريقة تعامل الشرطة مع المحتجين إلى محور إضافي للجدل، بعد إصابات خطيرة بين طلاب خلال عمليات فض الاحتجاجات.
وأعلنت السلطات، تعليق استخدام بعض القنابل المستخدمة في مكافحة الشغب، وسط انتقادات لأساليب التعامل مع المتظاهرين ومطالب بإجراء تحقيقات في حوادث استخدام القوة.
كما تحقق المفتشية العامة للشرطة الوطنية، وهي هيئة الرقابة الداخلية للشرطة، في 24 قضية فيما يتعلق بطريقة التعامل الأمني مع موجة الاضطرابات الطلابية التي وصفها لوكورنو بأنها الأعنف منذ عقود.
وتكتسب الأزمة أهمية سياسية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2027، إذ تتباين مواقف القوى السياسية بين دعم مطالب الطلاب وانتقاد أعمال العنف، بينما يحاول خصوم الحكومة توظيف الغضب الاجتماعي في المنافسة السياسية، وقد اتهمت الحكومة، الخميس، حزب فرنسا الأبية اليساري المتشدد بتأجيج الاحتجاجات، وهو اتهام ينفيه الحزب.