تسلط مديرية أوقاف كفر الشيخ الضوء على مسجد الشيخ محمد أبو شعرة بمدينة فوه، المعروف باسم «جامع النشارين»، باعتباره أحد المعالم الدينية والتاريخية التي تحتفظ بملامح مميزة من العمارة الإسلامية القديمة، ويجمع المسجد بين مكانته الدينية وتفاصيله الفنية الفريدة، التي تكشف جانبًا من تطور فنون البناء والزخرفة الإسلامية خلال القرون الماضية.
موقع المسجد وتاريخ إنشائه
ويقع المسجد في شارع الشيخ ريحان، المتفرع من شارع السوق الرئيسي بمدينة فوه، وينسب إلى الشيخ الصالح محمد أبو شعرة. وتكشف الوثائق التاريخية عن ورود اسمه باعتباره «جامع النشارين» عام 1151هـ، الموافق 1738م، في حين تشير الشواهد المعمارية والتوثيقات التاريخية إلى أن إنشاءه يعود إلى فترة أسبق من هذا التاريخ، خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي.
ومر المسجد بمراحل مختلفة من الإحلال والتجديد على مدار تاريخه، إذ شهد أعمالًا عام 1187هـ، الموافق 1773م، كما وثق نقش تاريخي أعلى باب المقصورة الخشبية أعمال تجديد أخرى تعود إلى عام 1282هـ، الموافق 1865م. وفي مراحل لاحقة، نفذ المجلس الأعلى للآثار أعمال ترميم للمسجد، بهدف الحفاظ على مكوناته المعمارية وحماية قيمته التاريخية.
أربعة أروقة وسقف خشبي مميز
ويتميز المسجد بتصميم مستطيل من الداخل، يتوزع على أربعة أروقة تفصل بينها ثلاثة صفوف من الأعمدة الأسطوانية المبنية، ويضم كل صف عمودين، وينتهي بنصف عمود مدمج في الجدار. وتحمل الأعمدة دعامات من الآجر تسند السقف، الذي يتكون من براطيم خشبية متوازية تعلوها ألواح عريضة، بينما تتوسط البلاطة الوسطى من الرواق الثاني شخشيخة خشبية مربعة بها ثماني نوافذ زجاجية تسمح بدخول الضوء الطبيعي.
وتعد الواجهة الشمالية الغربية الواجهة الرئيسية للمسجد، وتبرز فيها مجموعة من التفاصيل المعمارية والزخرفية اللافتة، إذ يتقدمها فناء واسع توجد الميضأة في جانبه الأيمن، بينما تتوسطها كتلة مدخل تذكاري بارزة تمنح الواجهة طابعًا مميزًا، وتعكس براعة الحرفيين في تنفيذ عناصر العمارة الإسلامية التقليدية.
عقد ثلاثي وتكوينات هندسية
ويعلو المدخل عقد ثلاثي تتوزع عليه تضليعات مشعة تنطلق من مفتاح العقد، ويحيط بإطاره مداميك من الطوب المنجور، فيما تتزين كوشات العقد بطبق نجمي سداسي ذي لوزات مزدوجة. ويكتمل المشهد الزخرفي بإفريز من الشرفات الهرمية المدرجة أعلى الواجهة، ليشكل مجموع هذه العناصر تكوينًا فنيًا يجمع بين الدقة الهندسية والتنوع الزخرفي.
ويحتل جدار القبلة، الواقع في الجهة الجنوبية الشرقية من المسجد، مكانة أساسية في تصميمه الداخلي، إذ يتوسطه محراب ذو حنية نصف مستديرة يحيط بها عمودان أسطوانيان من الرخام، تعلوهما تيجان ناقوسية. وينتهي المحراب بعقد منكسر، بينما تزدان طاقيته بتضليعات مشعة ترتكز على ثلاثة صفوف من المقرنصات ذات الدلايات، في صورة توضح ثراء التفاصيل الفنية داخل المسجد.
وفوق المحراب توجد نافذة زجاجية معشقة تسمح بمرور الضوء إلى منطقة القبلة، بينما يقع إلى يمينه منبر خشبي حديث، ويجمع هذا الجزء بين استمرار المسجد في أداء وظيفته الدينية والحفاظ على العناصر المعمارية التي تمنحه طابعه التاريخي، مع وجود إضافات تخدم استخدامه الحالي.
وتقع المئذنة إلى يمين المدخل بالواجهة الشمالية الشرقية، وترتكز على قاعدة مربعة تنتقل إلى الشكل المثمن من خلال أربعة مثلثات ركنية مقولبة، ويتكون بدنها المثمن من مستويين تتخللهما تجاويف ذات عقود مدببة، كما تظهر الزخارف المصنوعة من الطوب المنجور والمقرنصات التي تحمل شرفة المؤذن المثمنة.
تفاصيل زخرفية في قمة المئذنة
وتحيط بشرفة المؤذن حواجز خشبية مزخرفة، بينما تعلو المئذنة خوذة بصلية تبرز منها نهاية نحاسية تتوجها هيئة هلال. وتكشف هذه التفاصيل عن تنوع العناصر المستخدمة في تصميم المئذنة، التي تمثل إحدى السمات البارزة في التكوين المعماري للمسجد.
وتضم أروقة المسجد مقصورة خشبية مميزة تتكون من ثلاثة أضلاع، وتستند إلى الجدار الجنوبي الغربي، وتمثل نموذجًا لفنون النجارة التقليدية التي اشتهرت بها مدينة فوه، بفضل ما تحمله من أشكال متنوعة من الخرط المنجور والصهريجي، التي تضيف إلى التصميم الداخلي قيمة فنية خاصة.
نقش تاريخي يعود إلى عام 1865
ويضم الضلع الجنوبي من المقصورة بابها، إلى جانب النص التاريخي المؤرخ بسنة 1282هـ، الموافق 1865م، والذي يمثل وثيقة مهمة تساعد في تتبع مراحل تجديد المسجد وتاريخه. وعلى الرغم من بساطة الخط المستخدم في كتابة النص، فإنه يحمل قيمة توثيقية تسهم في التعرف على جانب من تاريخ هذا المعلم الأثري العريق بمدينة فوه.