كشفت مراجعة علمية جديدة للأبحاث النفسية أن الأشخاص الذين يشعرون بأن لحياتهم معنى وهدفًا يميلون إلى تسجيل مستويات أقل من أعراض الاكتئاب.
وأشارت النتائج، التي نشرها موقع «PsyPost» نقلًا عن دورية «Affective Disorders»، إلى أن الإحساس بوجود هدف في الحياة قد يؤدي دورًا وقائيًا في مواجهة المشاعر السلبية، مع اختلاف قوة هذه العلاقة تبعًا لعوامل عدة، من بينها الخلفية الثقافية والعمر والحالة الصحية للفرد.
ما المقصود بمعنى الحياة؟
يعرف علماء النفس معنى الحياة بأنه قدرة الإنسان على فهم تجاربه وإدراك قيمة وجوده والهدف منه.
وتطرح بعض النظريات الوجودية فكرة أن غياب المعنى قد يمثل أحد العوامل المرتبطة بظهور أعراض الاكتئاب، انطلاقًا من أن الإنسان يحتاج إلى إطار أو فلسفة تساعده على التعامل مع الصعوبات والتحديات.
في المقابل، تركز النماذج الطبية الحيوية على الاكتئاب باعتباره اضطرابًا يرتبط بصورة أساسية بعوامل فسيولوجية، مثل العوامل الوراثية وكيمياء الدماغ وبعض الأمراض العصبية، ما يجعل المفاهيم النفسية المجردة، ومنها الشعور بالهدف، أقل مركزية في هذا المنظور.
تحليل بيانات أكثر من 250 ألف شخص
ولفحص العلاقة بين المعنى والاكتئاب وحسم التباين بين نتائج الدراسات السابقة، قاد عالما النفس وو-هان أويانغ وشين-كيانغ وانغ من جامعة جيانغشي للمعلمين فريقًا بحثيًا أجرى تحليلًا تجميعيًا لبيانات 278 دراسة منشورة سابقًا.
ويعتمد التحليل التجميعي على دمج نتائج دراسات مستقلة متعددة، بهدف الوصول إلى أنماط واتجاهات عامة قد لا تظهر بوضوح عند دراسة كل بحث على حدة.
وأتاح هذا الأسلوب للباحثين تحليل بيانات أكثر من 250 ألف مشارك من مختلف أنحاء العالم.
واستخدم الفريق نموذجًا إحصائيًا متخصصًا متعدد المستويات، أخذ في الاعتبار الاختلافات بين العينات داخل الدراسات الفردية، إلى جانب الاختلافات الأوسع بين الدراسات التي شملها التحليل.
وأظهرت البيانات المجمعة وجود ارتباط سلبي متوسط بين الشعور العام بمعنى الحياة ومستويات الاكتئاب؛ أي أنه كلما زاد شعور الشخص بأن لحياته معنى، انخفضت مستويات أعراض الاكتئاب التي أبلغ عنها.
التماسك والغاية وقيمة الوجود
ولم يكتف الباحثون بدراسة معنى الحياة بصورة عامة، بل قاموا بتقسيمه إلى عدة عناصر، شملت الشعور بالتماسك، ووجود غاية، والإيمان بأهمية وقيمة الحياة.
وأظهر التحليل أن الشعور بالتماسك، أي قدرة الفرد على فهم حياته والبيئة المحيطة به، يرتبط بصورة سلبية قوية بالاكتئاب، إذ كان الأشخاص الذين يرون أن حياتهم مفهومة ومنطقية أقل ميلًا إلى الإبلاغ عن أعراض الاكتئاب.
كما ارتبط الإيمان بالقيمة الجوهرية للحياة بانخفاض مستويات الاكتئاب، في حين ظهر امتلاك أهداف واضحة وغاية محددة في الحياة باعتباره عاملًا يرتبط أيضًا بمستويات أقل من الأعراض الاكتئابية.
البحث عن المعنى يختلف عن امتلاكه
لكن النتائج اختلفت عند دراسة مفهوم «البحث عن المعنى»، الذي يشير إلى سعي الفرد النشط للعثور على هدف أو غاية في حياته، بدلًا من امتلاكه بالفعل شعورًا واضحًا بالمعنى.
ولم يظهر البحث عن المعنى، بمفرده، ارتباطًا إحصائيًا واضحًا بالاكتئاب عند النظر إلى النتائج بصورة إجمالية.
لكن الباحثين وجدوا أن هذه النتيجة تخفي اختلافات كبيرة مرتبطة بالسياق الثقافي الذي يعيش فيه الفرد.
اختلاف واضح بين الثقافات الفردية والجماعية
في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الفردي، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ارتبط السعي النشط للعثور على معنى الحياة بارتفاع مستويات الاكتئاب.
أما في المجتمعات ذات الطابع الجماعي، مثل الصين وكوريا الجنوبية، فقد ارتبط البحث عن المعنى بانخفاض مستويات الاكتئاب.
ويرى الباحثون أن أحد التفسيرات المحتملة لهذا الاختلاف هو طبيعة التوقعات الاجتماعية في كل مجتمع.
ففي الثقافات الفردية، يُتوقع من الشخص بدرجة أكبر أن يبني أهدافه ويحدد غايته بصورة مستقلة، وهو ما قد يتحول إلى مصدر ضغط وإحباط وعزلة عندما يواجه صعوبة في العثور على إجابات تتعلق بمسار حياته.
أما في المجتمعات الجماعية، فقد يُنظر إلى البحث عن المعنى باعتباره مسعى تشارك فيه الأسرة والمجتمع، مع ارتباط الأهداف الشخصية بالمسؤوليات والعلاقات الاجتماعية.
وقد يوفر هذا الإطار دعمًا اجتماعيًا يساعد الفرد على مواجهة فترات عدم اليقين، ويخفف العبء النفسي المرتبط بالبحث عن الغاية.
الصحة الجسدية تؤثر في العلاقة
كشفت المراجعة أيضًا عن دور للحالة الصحية في العلاقة بين معنى الحياة والاكتئاب.
فبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من أمراض أو حالات طبية مشخصة، كانت العلاقة بين امتلاك غاية في الحياة وانخفاض مستويات الاكتئاب أقوى مقارنة بالأفراد الذين يتمتعون بصحة أفضل.
وقد تؤدي الأمراض المزمنة أو الشديدة إلى تغيير روتين الحياة اليومية وتعطيل بعض الأهداف طويلة المدى، فضلًا عن فقدان مصادر معتادة للشعور بالمتعة والرضا.
وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن يمثل الإحساس بوجود غاية واتجاه في الحياة مصدرًا للدعم النفسي، إذ قد يساعد الشخص على إعادة صياغة تجربته مع المرض والتعامل بصورة أفضل مع الضغوط والانفعالات السلبية.
وتشير النتائج في مجملها إلى وجود علاقة بين الشعور بمعنى الحياة ومستويات الاكتئاب، مع اختلاف طبيعة هذه العلاقة وفقًا للثقافة والحالة الصحية وغيرها من العوامل، دون أن يعني ذلك أن معنى الحياة وحده يفسر الإصابة بالاكتئاب أو يمنعها.