لم تكن قصة اتحاد المهندسين الزراعيين العرب مجرد قصة إنشاء منظمة مهنية جديدة، وإنما كانت في بدايتها تعبيرًا عن حلم عربي مشروع، يقوم على جمع المهندسين الزراعيين في إطار مهني عربي موحد، وتنسيق جهودهم، وتبادل الخبرات والمعارف، والدفاع عن مكانة المهنة ودورها في تحقيق التنمية الزراعية والأمن الغذائي في الوطن العربي.
كانت البداية بمشاركة ست دول عربية، مثّلتها هيئات ومنظمات مهنية وهندسية زراعية آمنت بأن العمل الجماعي يمكن أن يمنح المهندس الزراعي العربي حضورًا أكبر، وأن توحيد الطاقات والخبرات العربية في مجال الزراعة يمكن أن يشكل قوة مهنية وعلمية في خدمة التنمية العربية.
ومع مرور السنوات، توسعت دائرة العضوية، وانتقل الاتحاد من إطار التأسيس المحدود إلى فضاء عربي أوسع، حتى أصبح يضم اليوم نحو 15 منظمة مهنية عربية. وهو توسع كان يفترض، من حيث المبدأ، أن يرافقه تطور مماثل في آليات العمل الديمقراطي، وتوزيع المسؤوليات، وتداول المواقع القيادية، وشفافية التسيير، بما ينسجم مع اتساع قاعدة العضوية وتنوع المنظمات والدول المشاركة.
من روح جامعة الدول العربية إلى أنظمة الاتحاد
في مرحلة التأسيس، استندت القواعد المنظمة لعمل الاتحاد إلى روح وأطر مستمدة من منظومة العمل العربي المشترك، وبخاصة من النماذج القانونية والتنظيمية المرتبطة بجامعة الدول العربية ومنظماتها وهيئاتها المهنية.
وكان ذلك مفهومًا في سياق تلك المرحلة؛ فالهدف كان بناء مؤسسة مهنية عربية قادرة على الانخراط في منظومة العمل العربي المشترك، مع المحافظة على خصوصيتها المهنية والعلمية.
غير أن الإشكال بدأ يظهر مع مرور الزمن، عندما أخذت الأنظمة واللوائح الداخلية تتطور وتتراكم بصورة جعلت بعض الصلاحيات تتركز بصورة أكبر في الأمانة العامة، وأصبح السؤال مطروحًا حول مدى التوازن بين صلاحيات المؤسسات المنتخبة أو الدورية للاتحاد وبين الصلاحيات التنفيذية للأمانة العامة.
وهنا انتقل النقاش من مجرد النصوص القانونية إلى جوهر المسألة: من يملك القرار داخل الاتحاد؟ ومن يراقب القرار؟ ومن يملك إدارة الموارد؟ ومن يحدد طبيعة العلاقات الخارجية للاتحاد؟
فالنظام الأساسي واللوائح الداخلية لا ينبغي أن تكون مجرد نصوص إدارية، وإنما يفترض أن تكون ضمانة لتوازن المؤسسات، وحماية استقلال المنظمة، وضمان التداول، والشفافية، والمساءلة.
لكن حين تتحول القواعد التنظيمية، بفعل تعديلات متراكمة أو ممارسات إدارية، إلى آلية تسمح بتوسيع نفوذ جهاز تنفيذي على حساب بقية مؤسسات المنظمة، فإن الأمر يستحق التوقف والمراجعة.
ومن هنا بدأ يظهر لدى عدد من المهنيين والمنظمات الأعضاء شعور بأن الأمانة العامة لم تعد مجرد جهاز لتنفيذ قرارات الاتحاد، وإنما أصبحت مع مرور الوقت مركز ثقل مؤثرًا في صناعة القرار وإدارة شؤونه وعلاقاته وموارده.
وهذا الأمر، إن ثبت بالوثائق ومحاضر الاجتماعات واللوائح المتعاقبة، لا يمكن اعتباره مجرد مسألة إدارية عابرة، بل يصبح قضية مؤسساتية تمس مستقبل الاتحاد نفسه.
أكثر من خمسة وثلاثين رئيسًا... وموقع واحد لم يتغير
المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل في مسيرة الاتحاد هي أنه، وعلى امتداد عقود من الزمن، تعاقب على رئاسته الدورية أكثر من خمسة وثلاثين خبيرًا ومهندسًا زراعيًا، يمثلون مختلف المنظمات والدول العربية الأعضاء.
تداول هؤلاء المسؤولون رئاسة الاتحاد، وجاؤوا من بيئات مهنية وتجارب عربية مختلفة، وكان يفترض أن يكون هذا التداول أحد مظاهر الحياة المؤسسية الطبيعية للاتحاد.
لكن في المقابل، ظل منصب الأمين العام بعيدًا عن هذا التداول طوال فترة تقارب أربعة عقود، ولم تتح – وفق ما تكشفه هذه المسيرة – الفرصة لمنظمة عضو أخرى لكي تتولى هذا الموقع بشخصية هندسية عربية تمثلها.
وهنا تبرز المفارقة بوضوح:
رئاسة الاتحاد تتغير، والأسماء تتغير، والدول والمنظمات تتعاقب على الرئاسة، بينما يبقى مركز القرار التنفيذي ثابتًا تقريبًا في الموقع ذاته.
وقد يكون من المشروع أن يستمر الأمين العام في منصبه إذا كان ذلك يتم وفق نظام قانوني واضح، وبتوافق مؤسسات الاتحاد، وبما يخدم مصلحة المنظمة. لكن استمرار الموقع لفترة طويلة جدًا دون تداول حقيقي يطرح، في المقابل، سؤالًا مؤسساتيًا لا يمكن تجاهله:
هل نحن أمام مؤسسة عربية مهنية تقوم على التداول والتكامل بين أعضائها، أم أمام مؤسسة أصبح فيها الموقع التنفيذي غاية في حد ذاته؟
إن السؤال هنا ليس موجهًا ضد شخص بعينه، ولا يتعلق بالضرورة بكفاءة أي مسؤول، وإنما يتعلق بمبدأ مؤسساتي أساسي: التداول، وتكافؤ الفرص، وحق المنظمات الأعضاء في المشاركة الفعلية في إدارة المنظمة التي تمثلها.
عندما تتحول الوسيلة إلى غاية
لقد تأسس الاتحاد ليكون وسيلة لخدمة المهندس الزراعي العربي والمهنة والتنمية الزراعية العربية.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح المحافظة على المؤسسة ومواقعها ومواردها وعلاقاتها هدفًا بحد ذاته، بدل أن تبقى المؤسسة وسيلة لتحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها.
فالمنظمة المهنية لا تقاس فقط باستمرارية وجودها، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بعدد العلاقات التي تربطها بهذه الجهة أو تلك، وإنما تقاس بمدى تحقيقها للأهداف التي تأسست من أجلها، وبمدى شعور أعضائها بأنهم شركاء حقيقيون في القرار.
ومن هنا جاءت أزمة الثقة.
فحين ترى المنظمات الأعضاء أن رئاسة الاتحاد يمكن أن تتداول بين عشرات الشخصيات والهيئات، بينما يبقى الموقع التنفيذي الأهم بعيدًا عن التداول لعقود، فمن الطبيعي أن تطرح الأسئلة حول طبيعة التوازن داخل المؤسسة.
وحين تتراكم الأسئلة دون إجابات مؤسساتية واضحة، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بشخص أو دورة انتخابية، وإنما تصبح مشكلة ثقة في النظام نفسه.
الاتحاد ليس بخير
ولذلك، فإن القول إن «الاتحاد ليس بخير» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى هدم التجربة أو التنكر لتاريخها.
على العكس، الاعتراف بوجود أزمة هو الخطوة الأولى لإنقاذ المؤسسة.
فالمنظمة التي تأسست قبل عقود من أجل توحيد المهندسين الزراعيين العرب لا ينبغي أن تختزل في أشخاص أو مواقع أو مصالح ظرفية. كما لا ينبغي أن يصبح تاريخها ملكًا لمجموعة محددة، أو أن تتحول أمانتها العامة إلى مركز مغلق يصعب على المنظمات الأعضاء الاقتراب من دوائر القرار فيه.
إن الاتحاد ملك لمنظماته الأعضاء، وتاريخه ملك للمهندسين الزراعيين العرب، وموارده يفترض أن تدار لخدمة أهدافه، ومؤسساته ينبغي أن تكون مفتوحة أمام الكفاءات العربية القادرة على تحمل المسؤولية.
ولذلك، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى مراجعة مؤسساتية شاملة: مراجعة للنظام الأساسي، واللوائح الداخلية، وآليات انتخاب وتداول المسؤوليات، ومصادر التمويل وأوجه الإنفاق، والعلاقات الخارجية، ومدى استقلالية القرار، وطبيعة العلاقة بين الرئاسة والأمانة العامة وبقية مؤسسات الاتحاد.
فالمطلوب ليس تغيير الأشخاص فقط، وإنما إعادة بناء الثقة وإعادة الاتحاد إلى الغاية التي أنشئ من أجلها.
لقد بدأت القصة بحلم عربي جميل...
حلم مهندسين زراعيين آمنوا بأن العمل العربي المشترك قادر على جمع الكلمة وتوحيد الخبرة وخدمة الزراعة العربية.
ثم كبرت المؤسسة، واتسعت العضوية، وتعاقبت القيادات، وتغيرت الظروف، وتطورت الأنظمة.
لكن السؤال الذي بقي معلقًا طوال هذه السنوات هو:
هل ظل الاتحاد وفيًا للرسالة التي أنشئ من أجلها؟
وإذا كانت الإجابة تحتاج إلى مراجعة، فإن الوقت قد حان لفتح الملفات بشجاعة، وقراءة التاريخ كما هو، لا كما نريد له أن يكون.
وللقصة بقية...
المهندس الزراعي الاستشاري
منيب اوبيري
رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين بالجزائر
عضو اتحاد المهندسين الزراعيين العرب