كانت صائفة عام 2023 تحمل إلى بغداد موعدًا جديدًا من مواعيد اتحاد المهندسين الزراعيين العرب، لكن هذا المؤتمر لم يكن شبيهًا بما سبقه.
فبعد عقود طويلة من الجمود، وحالة من الإحباط أصابت عددًا من المنظمات الأعضاء، كان الاعتقاد السائد أن المشهد سيستمر على حاله، وأن الأمانة العامة ستواصل مسارها المعتاد، وأن الأمين العام الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في موقعه سيستمر لولاية أخرى، في ظل غياب أفق واضح للتغيير.
كانت المنظمات الأعضاء قد اعتادت، مع مرور السنوات، على واقع أصبح يبدو وكأنه قدر لا يمكن تغييره. ومع تراجع الأمل في إمكانية حدوث تحول حقيقي، أصبح مجرد التفكير في تداول المسؤولية أو فتح الطريق أمام قيادة جديدة يبدو لكثيرين أمرًا بعيد المنال.
لكن مؤتمر العراق حمل مفاجأة لم تكن في حسبان معظم المجتمعين.
فجأة، أُعلن عن انسحاب الأمين العام من المشهد، بعد أكثر من أربعين عامًا قضاها في موقعه. كان الخبر بالنسبة للحاضرين غير عادي، بل إن بعضهم لم يستوعبه في اللحظة الأولى. فالرجل الذي ارتبط اسمه بالأمانة العامة لعقود طويلة كان يغادر أخيرًا.
وبدل أن يكون ذلك الانسحاب بداية لمسار مؤسساتي واضح، فوجئ المجتمعون بطرح اسم جديد لخلافته، في صورة بدت لكثير من المنظمات وكأنها استمرار للمسار ذاته، ولكن بوجه جديد.
لم يكن الاسم حاضرًا، بحسب ما كان متداولًا بين عدد من المنظمات المشاركة، ضمن الأسماء التي جرى تداولها مسبقًا داخل المنظمات الأعضاء، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول كيفية الإعداد للمرحلة الجديدة ومن يقف وراءها.
وهنا بدأت لحظة التحول.
فقد تحركت أصوات كانت قد ظلت لسنوات طويلة صامتة أو مترددة. ارتفعت الاعتراضات داخل قاعة المؤتمر، ورفض عدد من ممثلي المنظمات الأعضاء أن تتحول مغادرة الأمين العام بعد أكثر من أربعة عقود إلى مجرد انتقال للمسؤولية من شخص إلى آخر، من دون فتح الطريق أمام انتخابات حقيقية تتيح للمنظمات الأعضاء اختيار من تراه أصلح لقيادة الاتحاد.
احتدم النقاش، وغادرت بعض الوفود قاعة المؤتمر احتجاجًا على ما اعتبرته محاولة لفرض أمر واقع جديد.
ولم تعد المسألة مجرد خلاف حول اسم شخص، وإنما تحولت إلى سؤال أكبر:
هل يستمر الاتحاد بالطريقة نفسها التي أدار بها خلال العقود الماضية، أم تكون لحظة العراق بداية لمرحلة جديدة؟
خارج القاعة، استمر الأخذ والرد. كانت هناك مخاوف من أن يؤدي انهيار التوافق إلى فراغ في الأمانة العامة، كما كانت هناك مخاوف أخرى تتعلق بمصير العاملين فيها وبسلامتهم واستمرار عمل المؤسسة.
وفي خضم تلك الأجواء، وبعد مفاوضات واتصالات وضمانات متبادلة، ظهر حل مؤقت للخروج من الأزمة.
تم التوافق على تكليف الشخصية المطروحة لتولي الأمانة العامة لمدة سنة واحدة فقط، على أن تكون هذه الفترة انتقالية، يتم خلالها التحضير لانتخابات جديدة، تتيح للمنظمات الأعضاء اختيار الأمين العام وفق مسار أكثر شفافية، بعيدًا عن منطق الاستمرار التلقائي الذي طبع المرحلة السابقة.
كان ذلك الاتفاق، في نظر مناصري التغيير، بمثابة نافذة صغيرة فُتحت أخيرًا في جدار ظل مغلقًا لأكثر من أربعة عقود.
لم يكن مؤتمر العراق نهاية القصة، لكنه كان دون شك إحدى أهم لحظاتها.
فالخلاف لم يعد حول شخص يغادر وشخص يأتي، وإنما حول مستقبل مؤسسة عربية مهنية تأسست قبل أكثر من نصف قرن، وحول سؤال ظل مؤجلًا لسنوات طويلة:
هل يستطيع اتحاد المهندسين الزراعيين العرب أن ينتقل من مرحلة الوصاية والاستمرار إلى مرحلة التداول المؤسساتي، وأن يستعيد للمنظمات الأعضاء حقها الكامل في صناعة القرار واختيار قيادتها؟
كان الأمل قد بدأ يعود، ولو بحذر.
وكانت سنة واحدة قد وُضعت على الطاولة باعتبارها جسرًا نحو انتخابات جديدة.
وبدا للكثيرين أن كابوس العقود الأربعة قد انتهى، وأن الباب أصبح مفتوحًا أمام صفحة جديدة.
لكن… هل كانت تلك السنة كافية لولادة التغيير؟
ذلك ما ستكشفه الأحداث التالية.....
المهندس الزراعي منيب اوبيري رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين بالجزائر عضو اتحاد المهندسين الزراعيين العرب