منيب أوبيري يكتب: مؤتمر السودان 2018.. بداية الانتفاضة

صوت |
الاثنين 05/10/2026 10:43 م
منيب أوبيري يكتب: مؤتمر السودان 2018.. بداية الانتفاضة
منيب أوبيري
ك
كاتب

جاء مؤتمر السودان سنة 2018 في أجواء كان يفترض أن تكون مناسبة جديدة للقاء أبناء المهنة، وتبادل الرؤى، وتجديد العهد بين المنظمات الأعضاء في اتحاد المهندسين الزراعيين العرب.

ومن مختلف الدول العربية، حضرت المنظمات المشاركة وهي تحمل معها فرحة اللقاء بزملاء المهنة، وذكريات العمل المشترك، وأمل أن يكون مؤتمر الخرطوم محطة جديدة تعيد للاتحاد حيويته ودوره الذي أنشئ من أجله. وكان لأبناء منظمة السودان حضورهم المميز، بما أبدوه من حفاوة وحسن استقبال وترتيبات عكست أصالة الشعب السوداني وكرمه.

غير أن وراء هذه الأجواء الاحتفالية كان هناك شعور آخر يثقل نفوس عدد من ممثلي المنظمات.

فقد كانت الأمانة العامة، وقبل انعقاد المؤتمر بأشهر، قد وجهت مراسلات إلى المنظمات الأعضاء عقب اجتماع ما سمي بمقهى بيروت، الذي كان قد طُرح خلاله موضوع التمديد للأمين العام. وانتهت تلك المرحلة، بحسب ما كان متداولاً بين المنظمات، إلى المضي في تنفيذ هذا التوجه خلال مؤتمر السودان.

وهكذا وصلت بعض المنظمات إلى الخرطوم وهي تحمل في داخلها شعوراً بالإحباط قبل أن تبدأ أعمال المؤتمر أصلاً. فقد كان السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيكون المؤتمر مناسبة لمناقشة قضايا المهنة ومستقبل الاتحاد، أم سيتحول مرة أخرى إلى محطة لتمديد ولاية الأمانة العامة؟

انطلقت أشغال المؤتمر، وبدأت المذكرات والملفات المدرجة على جدول الأعمال تُناقش في أجواء بدت في بدايتها عادية. لكن سرعان ما تغيرت الأجواء عندما وصل النقاش إلى مشروع التمديد الذي طرحته الأمانة العامة.

عندها تعكرت أجواء المؤتمر، واهتزت الثقة من جديد.

وجدت المنظمات الأعضاء نفسها أمام نقاش لم يعد يتعلق بشخص أو بمنصب، وإنما بمسألة أعمق: هل تظل اللوائح والأنظمة المرجع الذي يحتكم إليه الجميع، أم تصبح قابلة للتجاوز كلما اقتضت الظروف ذلك؟

ذكّرت عدة منظمات بضرورة احترام الأنظمة واللوائح والالتزام بها، ليس دفاعاً عن أشخاص أو مواقع، وإنما احتراماً للمؤسسة وللمهنة وللمنظمات التي تشكل الاتحاد.

وتحول النقاش تدريجياً إلى حوار عميق حول مسار الاتحاد وطريقة إدارة مواعيد الاستحقاقات الانتخابية. وعبّرت منظمات عن استيائها من تكرار النقاش نفسه عند كل موعد انتخابي، وما يصاحبه من مبررات وضغوط من أجل استمرار الوضع القائم.

كان المشهد ثقيلاً على كثير من الحاضرين.

فالمؤتمر الذي كان يفترض أن يكون عرساً مهنياً عربياً، بدأ يتحول إلى ساحة نقاش حول مستقبل المؤسسة، وحول حدود سلطة الأمانة العامة، وحول حق المنظمات الأعضاء في أن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.

ومع احتدام النقاش، ظهرت مواقف متباينة بين المنظمات.

فبعض المنظمات العريقة، التي كان لها حضور تاريخي ودور بارز في مسيرة الاتحاد، فضّلت التنازل عن بعض مواقفها وترك المجال لتمرير الترتيبات المطروحة، حرصاً منها على عدم انهيار المؤسسة أو الدخول في مواجهة قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام.

لكن في المقابل، برز موقف مختلف أصبح لاحقاً أحد أبرز محطات مؤتمر السودان.

كانت عمادة المهندسين التونسيين قد اختارت أن تتمسك بموقفها الرافض لاستمرار ما اعتبرته تجاوزاً للأنظمة واللوائح. ولم يكن موقفها، كما ظهر في النقاشات، متعلقاً فقط بشخص الأمين العام أو بمسألة التمديد، بل بمبدأ احترام القواعد المنظمة للعمل داخل الاتحاد.

وبهذا الموقف، دخلت منظمة عمادة المهندسين التونسيين في مواجهة واضحة مع مسار التمديد، وانتهت مشاركتها إلى قرار تعليق وتجميد عضويتها في الاتحاد خلال اجتماع السودان سنة 2018.

كان القرار بمثابة جرس إنذار.

فلم يعد الخلاف مجرد نقاش داخل قاعة مؤتمر، ولم يعد الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر حول ولاية أو منصب. لقد أصبح هناك شرخ واضح بين رؤيتين:

رؤية ترى أن المحافظة على استمرارية المؤسسة تقتضي القبول بالتسويات والتنازلات، حتى في القضايا الخلافية؛ ورؤية أخرى ترى أن استمرارية المؤسسة لا يمكن أن تكون على حساب أنظمتها ولوائحها، وأن احترام القواعد هو الذي يحمي الاتحاد ويحفظ مكانة المهنة.

ومن هنا، يمكن النظر إلى مؤتمر السودان سنة 2018 باعتباره محطة مفصلية في تاريخ الاتحاد؛ فقد كشف عمق الأزمة التي كانت تتشكل في داخله، وأظهر أن حالة الصمت أو التعايش مع الوضع القائم لم تعد قادرة على إخفاء حجم الاحتقان.

لقد بدأت، من السودان، انتفاضة مهنية صامتة داخل الاتحاد.

انتفاضة لم تكن ضد شخص بعينه، بقدر ما كانت، في خطاب أصحابها، مطالبة بإعادة الاعتبار للمؤسسة، وللمنظمات الأعضاء، وللأنظمة واللوائح التي يفترض أن تحكم الجميع دون استثناء.

لكن مؤتمر السودان لم يكن نهاية القصة.

بل ربما كان بداية فصل جديد منها.

فبعد هذا الموقف، بدأت مرحلة أخرى من العلاقة بين الأمانة العامة وعدد من المنظمات الأعضاء، وظهرت أساليب جديدة في إدارة الخلافات والتعامل مع المواقف المعارضة، بحسب ما ترويه شهادات ومواقف المشاركين في تلك المرحلة.

وهنا تبدأ حكاية جديدة...

فصلٌ آخر من قصة اتحاد المهندسين الزراعيين العرب، عنوانه: "فرق تسد"... وللحديث بقية.

المهندس الزراعي الاستشاري  منيب اوبيري  رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين بالجزائر  عضو اتحاد المهندسين الزراعيين العرب

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً