قال الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، إن المقارنة بين طريقة تعامل الدولة مع ملفي القمح والطاقة خلال الأزمة الأخيرة تكشف بوضوح الفارق بين إدارة المخاطر بصورة استباقية قبل وقوعها، وبين الانتظار حتى وقوع الأزمة ثم تحمل تداعياتها وتكاليفها.
وأكد فؤاد أن التجربتين تطرحان مجددًا أهمية وجود إطار مؤسسي موحد ومتخصص لإدارة مخاطر السلع الاستراتيجية، بما يضمن التعامل مع تقلبات الأسواق العالمية وفق رؤية استباقية، وليس فقط عبر الاستجابة للأزمات بعد حدوثها.
القمح.. شراء استباقي قبل ارتفاع الأسعار
وأوضح فؤاد أن الدولة تحركت مبكرًا في ملف القمح، حيث نجح جهاز «مستقبل مصر» في القيام بدور المشتري الاستراتيجي، لتصل واردات الحكومة إلى نحو 4.47 مليون طن منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس 2026، مقارنة بنحو 2.2 مليون طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، أي أكثر من الضعف.
وأشار إلى أن أهمية هذا التحرك ظهرت بصورة واضحة مع تفاقم أزمة البحر الأسود وتعطل صادرات الحبوب من المنطقة، الأمر الذي أدى إلى قفزة في أسعار القمح بنحو 30% تقريبًا، لتصل إلى أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات.
وأضاف أن الدولة كانت قد أمّنت بالفعل جانبًا كبيرًا من احتياجاتها قبل تفاقم الأزمة، وهو ما انعكس على حجم الواردات الحكومية خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس، والتي تراجعت إلى نحو 170 ألف طن فقط، مقابل قرابة 900 ألف طن خلال الفترة نفسها من العام السابق، بانخفاض تجاوز 81%.
وقال فؤاد: «هذا هو معنى المشتري الاستراتيجي؛ أن تعرف ما ستحتاجه، وتقرأ السوق، وتختار توقيت الشراء، بدلًا من أن تنتظر الأزمة حتى تصبح مشتريًا مضطرًا عند أعلى الأسعار».
الطاقة.. المشكلة بدأت من تراجع الإنتاج
وفي المقابل، أكد فؤاد أن المشهد في قطاع الطاقة كان مختلفًا، موضحًا أن الأزمة لم تبدأ مع ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، وإنما سبقتها مشكلة أكثر جوهرية تمثلت في تراجع الإنتاج المحلي وعدم التعامل مبكرًا مع منحنى هبوط إنتاج الغاز، وما يترتب على ذلك من اتساع الفجوة الاستيرادية مستقبلًا.
وأوضح أن إنتاج الغاز الطبيعي المحلي تراجع من نحو 4.8 مليار قدم مكعبة يوميًا إلى نحو 3.64 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال عامين، بانخفاض يقترب من 24%.
وقال فؤاد: «هذه هي نقطة البداية. عندما يتراجع إنتاجك بهذا الحجم، يجب أن تعرف مسبقًا حجم الفجوة التي ستنشأ ومتى ستنشأ، ثم تحدد احتياجاتك الاستيرادية وتدير مخاطر أسعارها. أما الانتظار حتى تظهر الفجوة فعليًا، فيحول مشكلة إنتاجية داخلية إلى فاتورة دولارية خارجية».
عجز الميزان البترولي يرتفع مع تراجع إنتاج الغاز
وأضاف فؤاد أن تقرير السياسة النقدية للربع الثاني من عام 2026، الصادر عن البنك المركزي المصري، أشار إلى استمرار التراجع السنوي في إنتاج الغاز الطبيعي المحلي، وربط هذا التراجع بارتفاع الواردات البترولية.
وأشار إلى أن عجز الميزان التجاري البترولي ارتفع بنسبة 13%، ليسجل 4.1 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026 وحده، بما يعكس تصاعد الضغوط الناتجة عن زيادة الاعتماد على الاستيراد.
صدمة الأسعار العالمية تزيد فاتورة الاستيراد
وتزامن تراجع الإنتاج المحلي مع موجة ارتفاع في أسعار الطاقة عالميًا، حيث بلغ متوسط سعر خام برنت خلال الربع الثاني نحو 96.7 دولارًا للبرميل، بزيادة قدرها 23.3% مقارنة بالربع السابق.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنحو 13.8%، بينما وصلت أسعار بعض شحنات الغاز المسال خلال ذروة الأزمة إلى مستويات قاربت 27.5 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وقال فؤاد: «كل قدم مكعبة نفقدها من الإنتاج المحلي ونضطر إلى تعويضها من الخارج تزيد تعرضنا للسعر العالمي وسعر الصرف والمخاطر الجيوسياسية. ولذلك لا يكفي أن نقول إن الأسعار العالمية ارتفعت؛ السؤال الأهم هو: لماذا دخلنا موجة ارتفاع الأسعار ونحن بهذا القدر من الانكشاف عليها؟».
انخفاض الاستهلاك لا يعالج فجوة الإنتاج
وأشار فؤاد إلى أن رئيس الوزراء نفسه أقر بجانب أساسي من المشكلة، عندما أوضح أن كميات الوقود المستهلكة انخفضت بفضل التوسع في الطاقة المتجددة، رغم ارتفاع فاتورة الاستيراد نتيجة زيادة الأسعار.
وأوضح أن هذا الوضع يعكس معادلة لافتة تتمثل في انخفاض كميات الاستهلاك مقابل ارتفاع قيمة فاتورة الاستيراد، مشددًا في الوقت نفسه على أن تراجع الإنتاج المحلي يظل عاملًا أساسيًا لا يمكن تجاهله عند تقييم حجم الانكشاف على الأسواق الخارجية.
وأضاف: «تصريح رئيس الوزراء مهم؛ لأننا أمام كميات استهلاك أقل وفاتورة أعلى. لكن الحلقة التي لا يجوز إسقاطها هي تراجع الإنتاج المحلي. فإذا انخفض استهلاكك بينما يتراجع إنتاجك المحلي وتزداد حاجتك إلى الاستيراد، تظل معرضًا لأي صدمة عالمية في الأسعار».
تداعيات الأزمة تمتد إلى الاقتصاد والمواطن
وأكد فؤاد أن تكلفة ارتفاع الاعتماد على الواردات لا تتوقف عند قطاع البترول، وإنما تمتد آثارها إلى الحساب الجاري والمالية العامة والتضخم وسعر الصرف، فضلًا عن تكلفة الكهرباء والإنتاج، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تحمل الاقتصاد والمواطن جانبًا من فاتورة هذه التطورات.
وأوضح أن الفارق بين تجربة القمح وتجربة الطاقة يبدو جليًا؛ ففي القمح جرى التحرك مبكرًا وتأمين الاحتياجات قبل ارتفاع الأسعار بنحو 30% ووصولها إلى أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات، بينما تراجع إنتاج الغاز في قطاع الطاقة بنحو 24%، ما أدى إلى زيادة الحاجة إلى الاستيراد، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار العالمية وزيادة حجم الانكشاف على الخارج.
وقال فؤاد: «المفارقة واضحة: في القمح اشترينا مبكرًا قبل قفزة قاربت 30% ووصول الأسعار إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات، بينما في الطاقة تراجع إنتاج الغاز بنحو 24%، فزادت حاجتنا إلى الخارج، ثم ارتفعت الأسعار ونحن أكثر انكشافًا عليها. في الحالة الأولى أدرنا الخطر قبل وقوعه، وفي الثانية دفعنا ثمنه بعد وقوعه».
فؤاد يدعو إلى وحدة سيادية لإدارة المخاطر
واختتم فؤاد بالتأكيد على أنه سبق أن تقدم في مطلع العام بمقترح لإنشاء وحدة سيادية متخصصة لإدارة مخاطر السلع الاستراتيجية، تتولى متابعة تطورات أسواق الطاقة والسلع الاستراتيجية عالميًا، وإدارة مراكز الشراء والتحوط للسلع الحساسة.
وأشار إلى أن الوحدة المقترحة يمكنها الاستفادة من أدوات الأسواق العالمية، ومن بينها العقود الآجلة والمبادلات والخيارات، بدلًا من اقتصار التعامل مع السلع الاستراتيجية على تحديد الاحتياجات وطرح المناقصات وقت الحاجة.
وقال فؤاد: «ما اقترحناه هو الانتقال من عقلية إدارة المشتريات إلى عقلية إدارة المخاطر السوقية. ما حدث في القمح يوضح قيمة التحرك المبكر، وما حدث في الطاقة يكشف تكلفة التأخر في قراءة منحنى الإنتاج والسوق. ولذلك أصبح إنشاء وحدة سيادية متخصصة لإدارة مخاطر السلع الاستراتيجية ضرورة مؤسسية، حتى لا نعيد اكتشاف المخاطر نفسها وندفع ثمنها مع كل أزمة جديدة».