سلط شبكة تليفزيون الصين الدولية «سي جي تي إن» الضوء على قوة ومتانة العلاقات المصرية الصينية، بالتزامن مع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، والتي تأتي في عام 2026 بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وترى الشبكة أن الزيارة المرتقبة تمثل فرصة مهمة للارتقاء بمستوى الشراكة المصرية الصينية، وفتح آفاق جديدة للتعاون في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، خاصة مع تنامي دور دول الجنوب العالمي، وتصاعد الحاجة إلى نماذج تنموية أكثر توازنًا وعدالة.
3 أولويات لتعزيز الشراكة المصرية الصينية
حدد التقرير الصيني ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تسهم في دفع العلاقات بين القاهرة وبكين إلى مرحلة أكثر تقدمًا.
ويتمثل المسار الأول في تعميق التعاون التنموي، عبر دعم التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل القيمة، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، إلى جانب الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والزراعة الذكية.
أما المسار الثاني، فيرتبط بتعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر، من خلال تطوير منصات تصدير إقليمية تربط بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والعربية والأوروبية، بما يعزز مكانة مصر كمحور تجاري ولوجيستي عالمي.
ويركز المسار الثالث على توسيع نطاق التعاون بين دول الجنوب العالمي، من خلال تبادل الخبرات في مجالات التمويل والتكنولوجيا والأمن الغذائي والطاقة النظيفة.
70 عامًا من العلاقات.. وشراكة أثبتت صمودها
أكد التقرير أن العلاقات المصرية الصينية، وبعد مرور سبعة عقود على تأسيسها، لم تعد بحاجة إلى إثبات قدرتها على الصمود أمام المتغيرات والتحديات الدولية.
وأوضح أن الأولوية في المرحلة المقبلة تتمثل في تحويل ما تراكم طوال السنوات الماضية من ثقة سياسية وتفاهم متبادل إلى نتائج تنموية ملموسة، تظهر في المصانع والتكنولوجيا والمهارات والأسواق وتحسين مستويات الأمن الغذائي.
واعتبرت الشبكة أن زيارة الرئيس شي جين بينج المرتقبة إلى القاهرة يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لفصل جديد في العلاقات، تصبح خلاله الصداقة التاريخية بين البلدين محركًا إضافيًا للتنمية، وجسرًا يربط بين آسيا وأفريقيا والعالم العربي.
أشار التقرير إلى أن بعض المحطات في العلاقات الدولية تستمد أهميتها من الآفاق التي تفتحها للمستقبل، معتبرًا أن عام 2026 يمثل إحدى هذه المحطات، باعتباره العام الذي يتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين.
وتكتسب زيارة الرئيس الصيني أهمية خاصة باعتبارها أول زيارة له إلى القاهرة منذ نحو عقد، فضلًا عن انعقادها في ظل تحولات عميقة يشهدها النظام الدولي، من بينها تنامي أهمية الجنوب العالمي، وارتفاع المطالب بتحقيق تنمية أكثر توازنًا، وتعزيز تمثيل الدول النامية في مؤسسات النظام الدولي.
لفتت الشبكة إلى أن زخم العلاقات المصرية الصينية شهد تطورات متتالية خلال الفترة الأخيرة، كان من أبرزها تبادل الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينج رسائل التهنئة بمناسبة مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مايو الماضي.
كما أشارت إلى المباحثات التي جرت في يوليو الماضي، عندما أكد وزير الخارجية الصيني وانج يي لنظيره المصري الدكتور بدر عبد العاطي استعداد بكين لمواصلة التبادلات رفيعة المستوى، وتعزيز التنسيق بين البلدين بشأن القضايا متعددة الأطراف.
وتعود العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين إلى 30 مايو 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
ومنذ ذلك التاريخ، تطورت العلاقات تدريجيًا من التعاون الدبلوماسي إلى الشراكة الاستراتيجية، وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014.
التعاون ينتقل من المشروعات إلى شراكة تنموية متكاملة
يرى التقرير أن أحد أبرز مظاهر تطور العلاقات بين البلدين يتمثل في انتقال التعاون من التركيز على المشروعات والاستثمارات إلى نموذج أكثر شمولًا يقوم على بناء شراكة تنموية متكاملة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أول استراتيجية للتعاون الإنمائي بين مصر والصين للفترة من 2025 إلى 2029، والتي جرى توقيعها خلال زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانج إلى مصر في يوليو 2025.
وتشمل الاستراتيجية عددًا من المجالات الحيوية، من بينها الرعاية الصحية والاتصالات ومواجهة تغير المناخ والتنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي.
وتقوم هذه الرؤية على مفهوم أوسع للتنمية، لا يقتصر على حجم التجارة والاستثمارات، وإنما يمتد إلى توطين التكنولوجيا، وإنتاج المعرفة، وبناء القدرات، وزيادة القيمة المضافة محليًا.
تظهر هذه الرؤية بوضوح في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولا سيما منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا-السويس» على ساحل البحر الأحمر.
وأشار التقرير إلى أن المنطقة تطورت من مجرد وجهة للاستثمارات الصينية إلى مركز صناعي ولوجيستي يستفيد من الموقع الجغرافي لمصر واتصالها بشبكات التجارة العالمية.
وبحسب التقرير، تعمل أكثر من 3300 شركة صينية في مصر في قطاعات متعددة، تشمل النسيج، وألواح الطاقة الشمسية، والكيماويات، والسيارات، والخدمات اللوجستية، بالتوازي مع إنشاء وحدة متخصصة للاستثمارات الصينية، وفقًا لما أعلنته الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.
ويعكس هذا التطور تحولًا في طبيعة التعاون الاقتصادي، من التركيز على البنية التحتية والاستثمار فقط إلى التصنيع ونقل التكنولوجيا والإنتاج الموجه للتصدير.
أكد التقرير أن الموقع الاستراتيجي لمصر يمنحها دورًا متزايدًا باعتبارها بوابة رئيسية إلى القارة الأفريقية، وهو ما يعزز فرص التكامل بين الاستثمارات الصينية والأسواق الأفريقية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى تأكيد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي استعداد القاهرة للاضطلاع بدور بوابة الصين إلى أفريقيا، بما يعزز فرص التعاون التجاري والاستثماري بين الجانبين.
ولا يقتصر التعاون المصري الصيني على الاقتصاد، إذ تمتد الشراكة إلى ملفات سياسية وتنموية متعددة، من بينها تغير المناخ والأمن الغذائي والمائي والتنمية المستدامة وإصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز صوت الدول النامية.
أبرز التقرير البيان المشترك لعام 2024 بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، والذي أكد التزام القاهرة وبكين بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ورفض ازدواجية المعايير، ودعم إصلاح المؤسسات الدولية بما يجعلها أكثر تمثيلًا لمختلف دول العالم.
كما تتعاون مصر والصين عبر عدد من الأطر متعددة الأطراف، من بينها الأمم المتحدة ومنتدى التعاون الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي.
واعتبر التقرير أن انضمام مصر إلى مجموعة «بريكس» في عام 2024 أضاف بعدًا جديدًا إلى التنسيق بين البلدين، وفتح مجالات أوسع للتعاون ضمن أطر الجنوب العالمي.
أكدت الشبكة أن تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي لا ينبغي النظر إليه باعتباره محاولة لتشكيل تكتل موجه ضد طرف آخر، مشيرة إلى أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على استقلالية القرار ودعم التعددية.
ومن هذا المنظور، فإن تنامي العلاقات المصرية الصينية لا يعني الانحياز إلى محور بعينه، بقدر ما يمثل توسيعًا لخيارات مصر التنموية والاقتصادية والسياسية.
ويخلص التقرير إلى أن مفهوم الجنوب العالمي، في صورته الأكثر إيجابية، يرتبط بالسعي إلى إقامة نظام دولي أكثر توازنًا، يمنح الدول النامية مساحة أكبر للمشاركة والتأثير والاستفادة من فرص التنمية.
وفي ظل التحديات العالمية المرتبطة بالطاقة والغذاء والمناخ وسلاسل الإمداد والتمويل، يمكن أن تتحول الشراكة المصرية الصينية إلى نموذج عملي للتعاون بين الدول النامية، مستند إلى التاريخ المشترك، والمصالح المتبادلة، والرغبة في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وتوازنًا.