تقدم المخرجة «كوزارا ميتيتش» في فيلم «17» دراما مراهقة شديدة القسوة ترصد تأثير ضغط الأقران والخزي الجنسي على فتاة في السابعة عشرة من عمرها، من خلال رحلة مدرسية إلى اليونان تحمل لها ذكريات مؤلمة ويحظى الفيلم بأداء لافت من «إيفا كوستيتش»، التي فازت بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان سراييفو عن دورها.
ونقلاً عن "موقع Variety" عُرض «17» للمرة الأولى ضمن قسم «المنظورات» في مهرجان برلين السينمائي قبل أن يحصد جائزة أفضل ممثلة في مهرجان سراييفو وتدور أحداثه حول سارة، الفتاة المنطوية التي تجد نفسها مضطرة إلى قضاء اليومين الأولين من رحلة مدرسية في اليونان بصحبة مجموعة من المراهقين، بينهم أحد الشابين اللذين اعتديا عليها في الماضي.

ماذا يكشف فيلم «17» عن حياة المراهقين؟
منذ المشهد الأول يدخل الفيلم مباشرة في لحظة صادمة حين تتحول علاقة عابرة بين سارة واثنين من زملائها إلى اعتداء عنيف وبعد مرور عدة أشهر، ينتقل السرد إلى الرحلة المدرسية حيث تواصل البطلة مواجهة آثار ما حدث لها، بينما يوجد أحد المعتدين ضمن المجموعة نفسها.
وتعتمد ميتيتش على رؤية قاتمة ومباشرة تصل أحياناً إلى حدود المبالغة المأساوية القائمة على الصدمة إلا أن أسلوبها الجريء يظل متماسكاً بفضل الأداء القوي لكوستيتش، ويشبه الفيلم في بعض ملامحه فيلم «لا غراستيفا» إذ يتابع أيضاً مجموعة من طلاب السنة النهائية خلال رحلة إلى بلد أجنبي، ويكشف تدريجياً الجوانب المظلمة داخل المجموعة.
كما يعتمد «17» على حركة كاميرا ديناميكية ومريحة في الوقت نفسه مع لقطات قريبة وممتدة تكشف مخاوف بطلة الفيلم دون تجميل، ويشارك في العمل عدد من الممثلين الشباب غير المحترفين، بينما تبدو أجواؤه أكثر قتامة بكثير من الفيلم الفرنسي المذكور.
ويرتبط هذا الإحساس البصري المظلم أيضاً بموقع الأحداث إذ تدور أحداث اليوم الأول من الرحلة ومعظم أحداث الفيلم، داخل فندق محطة ترانزيت في بيتولا وهناك اعتمد مدير التصوير «ناوم دوكيفسكي» على إضاءة صفراء باهتة وظلال طويلة عززت الإحساس بالكآبة.

عندما تصل المجموعة إلى الفندق بالحافلة تظهر سارة بملامح عابسة مرتدية سترة واسعة وبنطال جينز مترهلاً بينما يتعامل زملاؤها بطريقة جافة ومزعجة، ويظهر عليهم شعور واضح بالاستحقاق وفي الوقت نفسه يناقش الطلاب معلميهم المشرفين، اللذين يبدوان مرهقين وغير قادرين على مواجهة صلافة المراهقين.
وبسبب خطأ إداري في الفندق تُحرم سارة من الغرفة الخاصة التي دفعت مقابلها ضعف السعر فتضطر إلى مشاركة الغرفة مع صديقتها الساذجة والمتحمسة لينا، التي تؤدي دورها «مارتينا دانيلوفسكا» وصديقتها المقربة السابقة نينا، التي تؤدي دورها «إيفا ستويكيفسكا».
وتزداد الأمور تعقيداً بالنسبة لسارة بعدما أصبحت نينا مرتبطة بفيليب الشاب الأحمق الذي يؤدي دوره «دامي جوفيسكي»، وكان فيليب خطيب سارة السابق كما أنه أحد الشابين اللذين اعتديا عليها، من دون أن يعرف أي من زملائها حقيقة ما حدث.
كيف يواجه فيلم «17» ثقافة الصمت والخزي؟
يركز السيناريو الذي كتبته ميتيتش بالاشتراك مع «أوغنين سفيليتشيتش» على ثقافة العار وامتياز الذكور، داخل عالم تحكمه قاعدة غير معلنة تقوم على عدم السؤال وعدم الحديث وتتعرض الفتيات لضغط مستمر من زملائهن لحضور الحفلات والاستجابة لرغبات الرجال، بينما يمثل الخوف من الوصمة والتنمر سبباً رئيسياً للصمت.
وتبدو سارة حذرة ومتحفظة طوال الوقت لكن أداء كوستيتش يكشف تدريجياً عن غضب مكبوت يظهر كلما وقعت عيناها على فيليب، ويتحول هذا الغضب إلى فعل خلال مشهد شديد القسوة يتضمن اعتداءً جنسياً أمام المشاركين في إحدى الحفلات.
وفي واقعة أخرى يتعرض عامل في الفندق لضرب مبرح على يد فيليب ومجموعة من أتباعه المتأثرين بالمنشطات وهي لحظة تدفع سادية الشخصيات إلى حدود يصعب تصديقها ومع ذلك، فإن تعليق أحد المعلمين بأن الطلاب يجب أن يتصرفوا بأدب في اليونان، باعتبارها دولة متحضرة لها قواعد حقيقية يشير إلى أن ميتيتش ربما تستخدم هذه الأحداث أيضاً بصورة رمزية.
ولا تقتصر نظرة سارة على شعورها بأنها تعرضت للتدنيس والإهانة إذ تكشف تصرفاتها عن وعي متزايد بما يدور حولها وتظهر إحدى هذه اللحظات عندما توجه ابتسامة ساخرة إلى نينا، التي تفسر موقفها السيئ باعتباره مجرد غيرة من فيليب، بينما تعكس نظرة سارة تجاهها شعوراً بالتفوق والشفقة،يشبه نظرة جندي مخضرم إلى مجند جديد.

لكن سارة رغم كل ما تكتسبه من وعي لا تزال في السابعة عشرة من عمرها وهو ما يجعل حكمتها ممزوجة بضعف واضح، ويضغط الحمل الذي تحمله على جسدها وروحها، ما يدفعها في النهاية إلى الانفتاح أمام لينا واكتشاف إمكانية وجود تضامن حقيقي بينهما.
وإلى جانب لحظة تعاطف عابرة تجمع سارة بالطالب الذي يصفه زملاؤه بـ«المهووس» داخل الفصل، يصبح التضامن بين الفتيات بمثابة مساحة نادرة من اللطف وسط حالة عامة من اليأس، وفي المشهد الأخير عند نقطة تفتيش حدودية تمثل مفترق طرق رمزياً، تجد سارة نفسها أمام قرار مصيري إما أن تدفن الحقيقة مهما كانت التكلفة، أو أن تواجهها وتترك نوايا من يرفضونها تحترق أمامها.