عالم الشو والمسميات الذي يُخرج الامر عن مضمونه ، ولم تترك العمل الالكتروني الاّ وخرجناه عن طريقه واهدافه ، فقد انتشر في العالم العربي "مسمى".. «المنصة» كانتشار النار في الهشيم ، أي موقع إلكتروني بسيط لتقديم خدمة حكومية أو شبه حكومية يُرفع فجأة إلى مرتبة «منصة»، وتُقام له الإحتفالات والتهانيء والمباركات، وتُطلق الألعاب النارية، وتُنفق الملايين على التدشين والإعلان والترويج النظري والتغطيات الإعلامية، وكأن الدولة حققت نصراً مبيناً !!!! الحقيقة أكثر سطحية...وأكثر مرارة ، فمعظم هذه المواقع يمكن الوصول إليها ونشرها عالمياً عبر إعلانات مدفوعة على وسائل التواصل الإجتماعي بتكلفة لا تتجاوز جزءً من ألف مما يُنفق على الحفلات والمؤتمرات الصحفية والصور والتصريحات. خلال العقد الأخير تكاثرت هذه المواقع في الدول العربية حتى باتت تعد بالمئات، بل بالآلاف إذا أُحصيت البوابات القطاعية والتطبيقات الفرعية ، غير أن التقارير الدولية(وعلى رأسها مؤشر الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الإلكترونية (EGDI) لعام 2024 ) تكشف الفجوة بوضوح، فالمتوسط العالمي للمؤشر بلغ 0.6382، بينما ظل متوسط أفريقيا (التي تضم معظم الدول العربية غير الخليجية) عند 0.4247 فقط.، وقد تقدمت مصر إلى المرتبة 95 عالمياً بقيمة 0.6699 بعد أن كانت في المرتبة 103 عام 2022، وهو تحسن ملحوظ لكنه يبقيها في الشريحة الوسطى العليا، بعيداً عن النخبة، أما الدول العربية الرائدة فهي استثناء لا قاعدة: حيث أن السعودية في المرتبة السادسة عالمياً (0.9602)، والإمارات في الحادية عشرة (0.9533) إن أفضل عشر دول تقدم خدمات حكومية إلكترونية فاعلة وفقاً لمؤشر 2024 هي: الدنمارك (0.9847)، إستونيا (0.9727)، سنغافورة (0.9691)، كوريا الجنوبية (0.9679)، آيسلندا (0.9671)، السعودية (0.9602)، المملكة المتحدة (0.9577)، أستراليا (0.9577)، فنلندا (0.9575)، وهولندا (0.9538)، وهذه الدول لا تكتفي بإطلاق " موقع إلكتروني" ، بل تحقق نسباً عالية من المعاملات المكتملة والمُتممة إلكترونياً، مع تكامل البيانات، ورضا المستخدم، أما في الكثير من الدول العربية، فالفجوة بين ما يُعرض على الشاشة وما يُنجز فعلياً واسعة: نسب عالية من الخدمات معلنة لكنها غير مكتملة، أو تتطلب حضوراً شخصياً لاحقاً، أو تنهار عند الضغط عليها. أما التكاليف مرتفعة والعائد غالباً ضعيف ، فتقديرات البنك الدولي تشير إلى أن بناء نظام مشتريات إلكتروني متكامل في دولة منخفضة أو متوسطة الدخل يكلف في المتوسط نحو 16.7 مليون دولار على مدى سنوات التشغيل الأولى، وفي المقابل، نجحت السعودية عبر حوكمة المنصات في خفض عددها من 817 إلى 642، ورفضت 187 طلباً جديداً، محققة وفراً مقدراً بنحو 798 مليون ريال سعودي على عشر سنوات، وهذا الرقم وحده يكفي ليوضح حجم الهدر المحتمل عندما تتحول «المنصة» إلى مشروع نظري استعراضي ، أما الترويج الحقيقي عبر الإعلانات الرقمية المستهدفة فيكلف جزءاً ضئيلاً جداً، ويصل إلى الجمهور مباشرة دون الحاجة إلى "ليالي الملاح". أسباب الفشل متكررة ومعروفة وتتلخص في: التركيز على الواجهة الجمالية والشكلية دون إصلاح الخلفية الإدارية، غياب التكامل بين الجهات المعنية والجهات ذات الصلة، ضعف تجربة المستخدم، انخفاض الثقة الرقمية، ونقص المهارات داخل الجهاز الحكومي، يضاف إلى ذلك ثقافة «اللقطة» التي تجعل التدشين هدفاً بحد ذاته، لا وسيلة لقياس الأثر على الاقتصاد والمواطن، والنتيجة أن العائد على اقتصاديات الدول النامية يبقى محدوداً، بينما تستمر الفجوة بين الحلم الإلكتروني والتطبيق العملي اليومي. النجاح " ممكن" إذا تغيّرت الأولويات: أولاً: قياس الأثر الفعلي وليس عدد المواقع الإلكترونية، عبر مؤشرات نضج حقيقية مثل تلك التي تعتمدها السعودية (نضج التجربة الرقمية تجاوز 87% في 2026 مع تقييم عشرات المنصات). ثانياً: البدء بالخدمات ذات القيمة العالية للمواطن والمستثمر، لا بالخدمات الشكلية. ثالثاً: الاستثمار في التكامل والهوية الرقمية الموحدة والبيانات المفتوحة، رابعاً: إلغاء الاحتفالات المكلفة واستبدالها بترويج رقمي دقيق ومنخفض التكلفة، خامساً: ربط التمويل بنتائج الاستخدام الفعلي لا بإطلاق الموقع الإلكتروني. نحن كعالم عربي، ومصر تحديداً، لسنا بعيدين عن الإمكانات، لكننا ما زلنا نخلط بين الإعلان والإنجاز ، فالمنصة الحقيقية ليست مجرد موقعاً إلكترونياً يُدشن بالألعاب النارية والمباركات، بل نظاماً متكاملاً يعمل بصمت، يختصر الوقت، ويوفر المال، ويبني ثقة المواطن والمستثمر، حتى ندرك هذا الفرق، ستظل كلمة «منصة» في كثير من الحالات مجرد خدعة لغوية أنيقة تخفي واقعاً أقل بريقاً.