من جواسيس دارك ويب لتزوير الانتخابات.. قصة أستاذ جامعي إسباني مجند  لصالح روسيا

صوت |
السبت 07/11/2026 05:55 م
من جواسيس دارك ويب لتزوير الانتخابات.. قصة أستاذ جامعي إسباني مجند  لصالح روسيا
أستاذ الجامعة الإسباني
س
سيد مصطفى

كرس الإسباني إنريكي أرياس خيل، وهو أستاذ جامعي أصدرت بحقه المحكمة الوطنية الإسبانية مذكرة توقيف دولية بتهمة ارتكاب أعمال تخريبية ذات طابع إرهابي، جهوده من داخل الأراضي الروسية لتجنيد مواطنين إسبان للقتال كجنود في صفوف الجيش الروسي، أو المشاركة في هجمات سيبرانية تُكافأ بعملات رقمية، أو تقديم معلومات سرية تتعلق بموظفين إسبان.

هذا ما أكده تقرير أعدته شركة «جولدن أوول» (Golden Owl)، وهي شركة ناشئة تتبع الحديقة العلمية لجامعة أليكانتي ومتخصصة في تحليل استخبارات المصادر المفتوحة. وجمع التقرير 54,737 عنصراً، ورسم خريطة لـ 10,773 حساباً على أبرز منصات التواصل الاجتماعي في الفترة ما بين 20 أكتوبر (تشرين الأول) والأربعاء الماضي 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، فضلاً عن فحص 528 وثيقة على شبكة الـ «دارك ويب» (الشبكة المظلمة). إعلانات تجنيد وعروض مالية.

الراغبين للقتال مع الجيش الروسي

يدير الهارب الإسباني قناة على تطبيق «تيليجرام» تحمل اسم «المتطوع الروسي المخادع» (Desinformador Ruso) يتابعها أكثر من 14,500 مشترك. وفي الأسابيع الأخيرة، نشر تسع تدوينات يدعو فيها الراغبين للانضمام إلى الجيش الروسي بمقابل مادي يتراوح بين 2,500 و3,000 دولار شهرياً (ما يعادل 2,240 إلى 2,690 يورو)، إضافة إلى مكافأة توقيع عقد بقيمة 25,000 دولار (حوالي 22,400 يورو) تتضمن تذكرة الطيران وتأشيرة الدخول.

وتستهدف هذه الدعوات الأشخاص تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عاماً، ويفضل أن يكون لديهم خبرة عسكرية أو في مجال الأمن الخاص، مع توفير إمكانية الحصول على الجنسية الروسية.

وفي الفترة ما بين 21 أكتوبر و3 نوفمبر، نشر ثلاث رسائل أخرى تشجع المواطنين والموظفين الإسبان على التعاون مع الاتحاد الروسي من خلال تزويده بـ "معلومات سرية وبيانات شخصية لموظفين ورجال أعمال إسبان". وفي 26 أكتوبر، دعا متابعيه ليصبحوا "متطوعين سيبرانيين يتقاضون أجوراً بالعملات الرقمية" والانضمام إلى "أفضل القراصنة الروس" للمشاركة في ما يُعرف بـ "مشروع ددوسيا" (Ddosia)، لشن هجمات سيبرانية وأعمال تخريبية ضد "الغرب الجماعي" مقابل "مكافآت مجزية". وقد أحالت المنشورات الثلاثة إلى العنوان البريدي نفسه للتواصل مع الجهات المنظمة.

الملف الشخصي للمطلوب

يُعرف أرياس خيل، البالغ من العمر 38 عاماً والمنحدر من مدريد، نفسه بأنه عالم سياسي خريج جامعة كومبلوتنسي، وحاصل على الدكتوراه في الأمن الدولي من معهد جوتييريس ميَّادو، وأنه "منفي اللاجئ في الاتحاد الروسي".

وفي سبتمبر  2025، أُدرج على قائمة يوروبول (الشرطة الأوروبية) لأبرز المطلوبين لارتباطه بمجموعة القراصنة الروس NoName057(16).

وتنسب إليه الشرطة الوطنية الإسبانية إعداد تقرير يتضمن البيانات الشخصية لنحو 2,000 عنصر من الشرطة والحرس المدني والجيش وعناصر مركز الاستخبارات الوطني (CNI). ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينشر فيها هويات أفراد من القوات المسلحة أو قوات الأمن؛ ففي 29 أكتوبر الماضي، نشر اسم وصورة والسيرة الذاتية لضابط صف في الخدمة الفعالة بالجيش الإسباني. كما تُكرّس قناته جهودها لترهيب المعارضين لسياسات الكرملين، وترجمة مطالبات القراصنة الروس إلى الإسبانية، ونشر أدلة تؤكد وقوع هجماتهم. ترسانة التخريب وشبكات التأثير الخارجي يحمل التقرير عنوان: "الترسانة غير المرئية: التهديدات الهجينة للانتخابات الإسبانية لعام 2026 والأمن القومي".

وبحسب ما ورد فيه، فإن هذا الأستاذ المحمي من موسكو يدير العقدة المركزية لشبكة من قنوات «تيليجرام» التي تعيد نشر محتويات المصادر الرسمية الروسية باللغة الإسبانية (مثل بوابة «سبوتنيك»، وكالة «تاس»، وقناة الدعاية «ريبّار»)، فضلاً عن مدونين مقربين من الكرملين.

وتشير الإحصائيات إلى أن هذه الشبكة الموالية لروسيا – التي تنشر محتواها بتزامن أو تتبادل إعادة النشر فيما بينها – تجمع 350,000 اشتراك و8.5 مليون مشاهدة خلال 16 يوماً فقط.

ومن بين الروايات التي تروجها هذه الشبكة، الادعاء بأن التهديدات الرئيسية لإسبانيا تتمثل في إسرائيل، والولايات المتحدة، والمغرب، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أو أن إسبانيا أصبحت هدفاً للهجمات بسبب تسليحها لأوكرانيا.

ومثالاً على ذلك، فبعد 36 دقيقة فقط من وقوع حادثة أوردا (في طليطلة)، بدأت هذه الشبكات في الترويج لشائعة تفيد بأن الكارثة كانت نتيجة عمل تخريبي، وهي الشائعة التي انتشرت بسرعة فائقة بفضل استخدام حسابات وهمية متعلقة بالسكك الحديدية أو وسائل الإعلام.

«المزرعة الفيتنامية» وشبكات التلاعب بالانتخابات

إلى جانب شبكة الاستخبارات الروسية، رصد باحثو «جولدن أوول» إنشاء "مزرعة صفحات" على منصة «فيسبوك» باللغة الإسبانية تُدار من فيتنام، وتنتحل صفة صفحات إسبانية محلية، جامعحة نحو 270,000 متابع، سيما من فئة كبار السن (65 عاماً فما فوق). ولمضاعفة انتشارها، لجأت هذه الصفحات إلى استخدام مشاهدين ممولين ومدفوعي الثمن من حسابات بأسماء فيتنامية.

واعتباراً من 27 أكتوبر، توقفت هذه الصفحات عن نشر المحتويات البريئة وانتقلت إلى بث قصص انتخابية مصطنعة باستخدام الذكاء الاصطناعي، متسمة بنبرة حادة معادية للحكومة وذات توجهات معادية للإسلام، ويحذر التقرير بالقول: "تكشف التحقيقات عن عملية منظمة قادرة على خلق جماهير في الخارج تبدو وكأنها إسبانية، وتوجيهها نحو التلاعب المرتبط بالانتخابات".

وتُعد هذه "المزرعة الفيتنامية" – المكونة من ثماني صفحات – الأبرز، ولكنها ليست الوحيدة، إذ توجد قنوات أخرى متمركزة في سريلانكا، وإندونيسيا، وباكستان، والأرجنتين، تقدم نفسها على أنها حسابات إسبانية.

كما أدت 25 حساباً مرتبطاً تنشر من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا إلى تحقيق 1.39 مليون مشاهدة باستخدام وسوم (هاشتاجات) موحدة تتناول أزمة سبتة.

سيناريوهات التشكيك في نزاهة الانتخابات

تتناول إحدى العمليات التي يوثقها التقرير نقل الرواية الخاصة بالاحتيال المزعوم في الانتخابات البرازيلية وتوطينها في السياق الإسباني، فبعد إطلاقها في أمريكا اللاتينية عبر مواقع يمينية متطرفة مثل «لا ديريشا دياريو» (La Derecha Diario) أو «يو إتش إن بلس» (UHN Plus) المرتبطين برجل الأعمال خافيير نيجري، جرى تكييف الرواية مع الشأن الإسباني في أقل من نصف ساعة، بهدف تقويض الثقة في النظام الانتخابي تمهيداً لانتخابات 29 نوفمبر.

ويورد التقرير كيف نشرت أربعة حسابات مختلفة النص نفسه بالترتيب ذاته وبفارق تسع ثوانٍ فقط، وهو ما يثبت وجود "خلية تنشر وفق سيناريو مشترك"، ويتمثل الهدف الأساسي في: إلصاق تهمة "التزوير المزعوم للتصويت البري" بأي نتيجة تخالف استطلاعات الرأي المنشورة مثل استطلاع صحيفة «إل موندو» الذي منح الحزب الشعبي  وحزب بوكس  أغلبية مطلقّة في انتخابات 29 نوفمبر.

ويتم تعزيز هذه الفكرة بصور مولدة بالذكاء الاصطناعي، مثل صورة لموظف بريد وهو يفرم بطاقات الاقتراع.

ويخلص التقرير إلى أن: "جميع الهياكل التي تم تحليلها تلتقي عند رسالة ذات ثلاثة وجوه: لا تصوت بالبريد، السجل الانتخابي مزور، وسوف يسرقون النتيجة"، ورغم أن هذا الخطاب ذو جذور محلية، إلا أن شبكات التواصل الأجنبية تسهم في تضخيمه.

تحذيرات أخيرة

يؤكد معدو التقرير أن "أي نتيجة متنازع عليها يوم 29 نوفمبر ستصطدم ببيئة إعلامية هيأت مسبقاً – من قِبل أطراف محلية وأجنبية – لرفض النتائج"، بالإضافة إلى امتلاك تلك الأطراف مكبرات صوت مستعدة لتغذية هذا الرفض وتضخيمه.

كما يحذر التقرير من عرض أكثر من 13 مليون سجل لمواطنين إسبان و113,000 تركيبة من البريد الإلكتروني وكلمات المرور للبيع على الشبكة المظلمة (الدارك ويب)، والتي – ورغم صدورها عن عمليات قرصنة سابقة – يمكن استغلالها لانتحال الهويات في حملات التضليل. وفي الختام، يشدد الباحثون على أن الأنشطة الواردة في التقرير لا تشكل بالضرورة عملية واحدة متكاملة، لكنها "تُظهر تنوع الأساليب والجهات الفاعلة القادرة على التأثير على البيئة السياسية في إسبانيا".

ويحذرون من أن القلق المباشر يتجاوز عمليات التلاعب الموثقة سلفاً، إذ أن "الشبكات والروايات الراسخة أصبحت في وضع يسمح لها باستغلال فترة التصويت البري، وليلة الانتخابات، وحشد الشوارع المقرر في اليوم التالي للانتخابات، وذلك بناءً على النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع".

اقرأ أيضاً