في ظل الارتفاعات التي شهدتها أسعار البن عالميًا وانعكاسها على الأسواق المحلية، تزايدت المخاوف بشأن انتشار بعض صور الغش التجاري، من خلال خلط البن بمواد أقل تكلفة مثل الشعير المحمص ونوى البلح والحمص والذرة، أو استخدام أنواع رديئة من حبوب البن وبيعها باعتبارها من الأنواع الفاخرة.
وتثير هذه الممارسات تساؤلات حول مدى انتشار البن المغشوش في الأسواق المصرية، وطرق التمييز بين البن الأصلي والمخلوط، ومدى تأثير تراجع الأسعار العالمية على أسعار القهوة محليًا، إلى جانب دور الجهات الرقابية في مواجهة المخالفات وحماية المستهلك.
وفي حوار خاص لـ«صوت»، كشف محمود محمد يوسف، عضو الغرفة التجارية للبن بالقاهرة، أبرز أساليب الغش المستخدمة في تجارة البن، والأنواع الأكثر عرضة للتلاعب، موضحًا طرقًا يمكن للمستهلك الاستعانة بها عند شراء البن، وأسباب تحركات الأسعار وتوقعاته للفترة المقبلة.
هل انتشرت بالفعل ظاهرة غش البن في الأسواق المصرية؟ وما أبرز المواد التي يلجأ بعض التجار إلى خلطها بالبن؟
الغش موجود في الأسواق، لكنه ليس القاعدة، ويتركز بصورة أكبر في البن المطحون الرخيص الذي يُباع «فرط» دون علامة تجارية أو بيانات واضحة ومن أشهر المواد المستخدمة في الخلط الشعير والحمص المحمص ونوى البلح وقشر البن والذرة، نظرًا لانخفاض تكلفتها وتقارب ألوانها مع البن بعد التحميص والطحن.
وهناك صورة أخرى للغش تتمثل في استخدام بن روبوستا رخيص أو حبوب من درجات متدنية وبيعها على أنها بن أرابيكا الفاخر ولذلك أنصح المستهلك بشراء البن حبوبًا وطحنه أمامه، والتعامل مع أماكن معروفة وموثوقة.
ما الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع أسعار البن خلال الفترة الماضية؟ وهل الدولار هو العامل الأكثر تأثيرًا أم الأسعار العالمية؟
ارتفاع الأسعار جاء نتيجة عاملين أساسيين؛ الأول هو الارتفاع الكبير في أسعار البن بالبورصات العالمية، إذ تجاوز سعر الأرابيكا 4 دولارات للرطل أواخر عام 2025، نتيجة الجفاف والتغيرات المناخية في البرازيل وفيتنام، إلى جانب تراجع المخزونات العالمية.
أما العامل الثاني فهو سعر الصرف وتكاليف الاستيراد، خاصة أن مصر تعتمد على استيراد البن بالكامل تقريبًا، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بسبب التوترات الإقليمية ومع تراجع الأسعار العالمية حاليًا، أصبح سعر الدولار العامل الأكبر في تحديد تكلفة البن داخل السوق المحلية.
بعد التراجعات التي شهدتها أسعار البن عالميًا، كيف يبدو وضع الأسعار في مصر حاليًا؟ وهل نتوقع موجة انخفاض جديدة خلال الفترة المقبلة؟
تراجعت الأسعار العالمية بصورة كبيرة مقارنة بمستويات الذروة، وتتداول أسعار الأرابيكا حاليًا بين 2.8 و2.95 دولار للرطل، مقابل نحو 4 دولارات قبل عام، مدفوعة بالتوقعات الخاصة بتحقيق البرازيل محصولًا قياسيًا.
لكن انخفاض الأسعار العالمية لا ينعكس مباشرة على السوق المحلية، لأن التجار لا يزال لديهم مخزون تم شراؤه بأسعار مرتفعة. وأتوقع استقرار الأسعار أو تراجعها تدريجيًا خلال الفترة المقبلة، بشرط استمرار استقرار سعر الصرف، بينما يظل الخطر الأكبر مرتبطًا بأي اضطرابات مناخية في البرازيل خلال موسم التزهير.
كيف يمكن للمواطن اكتشاف البن المغشوش بنفسه قبل شرائه؟ وهل توجد اختبارات منزلية تساعده على التفرقة بين البن الأصلي والمخلوط؟
هناك مجموعة من المؤشرات التي يمكن أن تساعد المستهلك، أهمها شراء البن حبوبًا وطحنه أمامه، إلى جانب الانتباه إلى الرائحة الطبيعية المميزة للبن الطازج، لأن وجود رائحة تشبه الخبز المحمص أو غياب الرائحة المعتادة قد يكون مؤشرًا على وجود خلط.
كما يُتداول اختبار الماء، من خلال وضع ملعقة من البن المطحون في كوب ماء بارد دون تقليب، وملاحظة سرعة الترسيب وتغير لون الماء؛ لكن لا يمكن الاعتماد على هذا الاختبار وحده للحكم على جودة البن أو إثبات الغش.
ويجب أيضًا الانتباه إلى السعر، فإذا كان أقل بكثير من متوسط أسعار السوق، فهذه علامة تستدعي الحذر والتحقق من مصدر المنتج.
هل ارتفاع سعر البن يعني بالضرورة أنه أصلي وذو جودة مرتفعة؟ وما المعايير التي يجب أن يعتمد عليها المستهلك عند الاختيار؟
ليس بالضرورة، فالسعر المرتفع لا يعني دائمًا جودة أفضل، وقد يكون المستهلك يدفع مقابل العلامة التجارية أو التغليف فقط. والمعيار الحقيقي لتقييم البن هو معرفة المنشأ ونوع الحبوب ودرجتها، بالإضافة إلى حداثة التحميص.
لذلك من المهم ألا يعتمد المواطن على السعر وحده، بل يسأل عن نوع البن ومصدره وتاريخ تحميصه، ويختار أماكن البيع التي تقدم بيانات واضحة عن المنتج.
ما دور الغرفة التجارية وشعبة البن في مواجهة المحامص التي تتلاعب بجودة البن أو تبيعه مخلوطًا بمواد أخرى؟
الرقابة المباشرة على المنتجات والأسواق تقع ضمن اختصاص الجهات المعنية، وعلى رأسها الهيئة القومية لسلامة الغذاء وجهاز حماية المستهلك.
أما دورنا في الغرفة التجارية ومجتمع تجار البن، فيشمل الإبلاغ عن المخالفين وتوعية المستهلكين، إلى جانب المطالبة بإلزام المحامص بالتسجيل وتوضيح بيانات المنتجات على العبوات، بما يشمل بلد المنشأ وتاريخ التحميص، مع أهمية إجراء تحاليل دورية للتأكد من جودة المنتجات ومطابقتها للمواصفات.
هل توجد إحصائيات أو نسب دقيقة توضح حجم البن المغشوش المتداول في الأسواق المصرية؟
لا يمكن تحديد نسبة دقيقة لحجم الغش في السوق دون وجود حصر وفحوصات رسمية شاملة، وبالتالي لا يصح إطلاق نسبة محددة دون بيانات موثقة.
لكن وعي المستهلك يمثل عاملًا مهمًا في مواجهة الظاهرة؛ فكلما أصبح المواطن أكثر معرفة بأنواع البن ومصادره وطرق اختياره، وحرص على السؤال عن المنشأ ونوع الحبوب وتاريخ التحميص، تراجعت فرص استغلاله من جانب بعض التجار. ويظل الحل في استمرار التوعية بالتوازي مع تكثيف الرقابة من الجهات المختصة.