تتبوأ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، مكانة مفصلية باعتبارها الركيزة الأساسية والعمود الفقري للعائلة الأرثوذكسية الشرقية، فعلى مدار ما يقرب من ألفي عام لم تكن مجرد مؤسسة دينية، بل كانت مصنعا للفكر اللاهوتي ومنبعا للرهبنة العالمية وحارسا أمينا للتعليم الآبائي المستقيم.
من الإسكندرية بدأت الحكاية.. كرازة مار مرقس
وتعود الجذور التأسيسية للكنيسة إلى منتصف القرن الأول الميلادي، حين وصل القديس مار مرقس الرسول، أحد الإنجيليين الأربعة، إلى مدينة الإسكندرية مبشرا بالمسيحية، فنبتت الكنيسة في أرض مباركة وطأتها أقدام السيد المسيح والعائلة المقدسة، وتفاعلت بعمق مع الحضارة المصرية القديمة بعراقتها وحكمتها، ولم تنقطع صلتها بجذورها الوطنية، إذ حافظت على اللغة القبطية باعتبارها الطور الأخير من اللغة المصرية القديمة، وجعلت منها لغة ألحانها وصلواتها وطقوسها، لتصبح بذلك الحارس الأمين للتراث والهوية المصرية وتجسد نموذجًا فريدًا للكنيسة الوطنية المتجذرة في أرضها.
مدرسة الإسكندرية.. المنارة التي قادت المجامع المسكونية
وشكلت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية المنارة الفكرية الأولى في تاريخ المسيحية المبكرة، ومن رحمها خرج كبار اللاهوتيين الذين أرسوا القواعد العقلية للدفاع عن الإيمان، وكان للكنيسة القبطية دور القيادة في المجامع المسكونية الكبرى، ففي مجمع نيقية عام 325 ميلاديا تصدى الشماس السكندري أثناسيوس، الذي أصبح لاحقا البابا الثالث عشر ولقب بالرسولي، للهرطقة الآريوسية، وكان له الفضل في صياغة معظم بنود قانون الإيمان النيقاوي الذي تردده كنائس العالم حتى اليوم، وفي مجمع أفسس عام 431 ميلاديا ترأس البابا كيرلس الأول الملقب بعمود الدين والبابا الرابع والعشرين أعمال المجمع لمواجهة النسطورية.
ونجح في تثبيت عقيدة تجسد الكلمة وإقرار لقب السيدة العذراء والدة الإله ثيوتوكوس، أما في مجمع خلقيدونية عام 451 ميلاديا فقد تمسكت الكنيسة القبطية برؤيتها الآبائية المستمدة من تعاليم القديس كيرلس، رافضة المقررات التي رأت فيها انحرافا لاهوتيا، ومنذ ذلك التاريخ قادت عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية متمسكة بصيغة الطبيعة الواحدة المتجسدة للكلمة.
مصر مهد الرهبنة.. من أنطونيوس إلى باخوميوس
ولا يذكر تاريخ الرهبنة المسيحية دون ذكر مصر، فهي مهدها ونبعها الأول الذي فاض على العالم أجمع، ومن صحاريها انطلقت المدرستان الكبريان للرهبنة، الأولى هي الرهبنة التوحدية التي أرسى قواعدها القديس الأنبا أنطونيوس الكبير أبو الرهبان في الصحراء الشرقية ليصبح أبا لكل المتوحدين في العالم، والثانية هي الرهبنة الديرية أو نظام الشركة التي وضع دستورها وقوانينها القديس الأنبا باخوميوس في صعيد مصر لينظم حياة الرهبان في جماعات.
واحتضنت برية شهيت بوادي النطرون وجبال القلزم ومغارات الصعيد آلاف الرهبان من أمثال الأنبا مقار والأنبا بيشوي، وتحولت أديرتها إلى مقصد لطالبي النسك من كل بقاع الأرض مثل القديس جيروم والقديس أوغسطينوس، الذين نقلوا القوانين الرهبانية القبطية إلى أوروبا والشرق ليصبح النموذج القبطي هو الأساس للرهبنة العالمية.
كنيسة الشهداء.. تقويم من دماء الصامدين
ولم يطلق لقب كنيسة الشهداء على الكنيسة القبطية من فراغ، بل كان ثمنا لتضحيات جسام قدمتها للحفاظ على إيمانها، خاصة إبان اضطهاد الإمبراطور الروماني دقلديانوس، ومن هول ما قدمته اتخذت الكنيسة من بداية حكمه عام 284 ميلاديا بداية لتقويمها الخاص المعروف بتقويم الشهداء أو التقويم القبطي، ورغم عقود من الضغوط السياسية والعزلة الكنسية التي أعقبت مجمع خلقيدونية، ظلت الكنيسة صامدة محافظة على صلواتها وطقوسها وأيقوناتها، لتظل السند الروحي والإيماني لأبنائها داخل مصر وفي بلاد المهجر.
الأخ الأكبر.. ثلاثة أدوار تقود بها الكنيسة القبطية الشرق
وتتبوأ الكنيسة القبطية اليوم موقع الأخ الأكبر داخل العائلة الأرثوذكسية الشرقية، وذلك لمكانة كرسي الإسكندرية التاريخية واتساع امتدادها الرعوي، ويتجلى هذا الدور في ثلاثة محاور رئيسية، أولها الدور التنسيقي حيث حرص بابوات الإسكندرية في العصر الحديث من البابا كيرلس السادس إلى البابا شنودة الثالث وصولا إلى البابا تواضروس الثاني على استضافة وتنظيم اللقاءات الدورية لرؤساء الكنائس الشقيقة لتوحيد المواقف اللاهوتية والرعوية.
وثانيها الدور الحواري حيث تقود الكنيسة القبطية وفود العائلة الشرقية في الحوارات اللاهوتية الرسمية مع الكنيسة الكاثوليكية ومع العائلة الأرثوذكسية البيزنطية ومع الاتحاد اللوثري العالمي، وثالثها الدور الكرازي حيث امتدت رعايتها لتأسيس إيبارشيات وكنائس وأديرة قبطية في قارات العالم الخمس من أفريقيا إلى أوروبا والأمريكتين وأستراليا، مع الحفاظ على الرباط الروحي والعقائدي الوثيق مع الكنائس الشقيقة في سوريا وأرمينيا وإثيوبيا وإريتريا.