تتزايد المخاوف من دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من التهديدات الإلكترونية، مع توقعات بقدرة نماذج الذكاء الاصطناعي الصغيرة على الانتقال بين الأجهزة غير المؤمّنة، وإنشاء شبكات روبوتات خبيثة يصعب اكتشافها والتخلص منها، خلال الأشهر المقبلة.
وأثار بحث حديث نشره فريق «Frontier Red Team» التابع لشركة «أنثروبيك» تساؤلات حول مدى اقتراب هذه النماذج من القدرة على استنساخ نفسها والانتشار عبر الأجهزة، وهو ما قد يفتح الباب أمام نوع مختلف من الهجمات الإلكترونية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في التعامل مع الأنظمة المستهدفة.
ورغم أن مصطلح «الاستنساخ الذاتي» قد يبدو مبالغًا فيه، فإن خبراء الأمن السيبراني يرون أن الخطر يستحق الاهتمام، خاصة مع التطور السريع في قدرات النماذج الصغيرة، واستعانة شركات التكنولوجيا بأدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير أبحاثها.
وقال كريس كانال، الرئيس التنفيذي لشركة «إيكوي ستامب»، المتخصصة في تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي، إن ظهور هذه القدرات قد يحدث في وقت أقرب مما كان يتوقع، مشيرًا إلى أنه كان يرجح أن يبدأ القلق بشأنها بحلول الصيف المقبل وأضاف أن موظفي «أنثروبيك» قد يمتلكون معلومات عن أحدث التطورات البحثية لا تتوفر لبقية الخبراء، وهو ما قد يجعل تقديرات الشركة بشأن توقيت ظهور هذه المخاطر أكثر دقة.
تهديدات إلكترونية متطورة
من جانبه، يرى مايكل بيلي، الأستاذ بكلية الأمن السيبراني والخصوصية في معهد جورجيا للتكنولوجيا، أن ظهور نماذج قادرة على الانتشار بين الأجهزة أمر محتمل، لكنه لا يتفق بالضرورة مع الصورة التي قدمتها «أنثروبيك» بشأن طبيعة هذا التهديد والنتائج التي قد تترتب عليه.
ويستند النقاش إلى تجارب سابقة مع شبكات الروبوتات الخبيثة، وعلى رأسها شبكة «ميراي»، التي استهدفت أجهزة متصلة بالإنترنت، مثل أجهزة التوجيه والكاميرات، وحولتها إلى أدوات لتنفيذ هجمات إلكترونية واسعة النطاق.
وكانت شبكة «ميراي» وراء هجوم إلكتروني شهير عام 2016، تسبب في تعطيل خدمات عدد من المواقع والمنصات الكبرى، من بينها «أمازون» و«باي بال» و«ريديت» و«تويتر»، كما تأثرت خدمات شركة «داين» المتخصصة في نظام أسماء النطاقات، ما أدى إلى اضطراب أجزاء كبيرة من الإنترنت في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأوضح بيلي أن هذه التجربة كشفت مدى خطورة الأجهزة اليومية المتصلة بالإنترنت، بعدما تبين أنها يمكن أن تتحول إلى جزء من شبكة ضخمة يستخدمها المهاجمون في تنفيذ هجماتهم.
ما الجديد في الهجمات؟
يرى خبراء أن الاختلاف المحتمل بين شبكات الروبوتات القديمة والجديدة يتمثل في قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع أجهزة لم يسبق له التعامل معها، دون الحاجة إلى تدخل بشري في كل مرة.
ففي السابق، كانت البرمجيات الخبيثة تحتاج إلى تعديلات يدوية حتى تعمل على أنواع مختلفة من الأجهزة، خاصة مع اختلاف المعالجات وأنظمة التشغيل. أما النماذج المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فقد تتمكن مستقبلًا من تنفيذ هذه التعديلات بصورة آلية.
لكن بيلي يرى أن هذه القدرة لا تمثل تطورًا مثبتًا حتى الآن، موضحًا أن تجربة «أنثروبيك» تمت داخل شبكة محاكاة، وأن الثغرة المستخدمة للوصول إلى الأجهزة كانت بسيطة للغاية، وهو ما لا يكفي لإثبات إمكانية تكرار السيناريو نفسه على نطاق واسع في العالم الحقيقي.
كما اعترض على وصف التجربة بأنها استنساخ ذاتي كامل، موضحًا أن ما حدث تضمن تقسيم النموذج إلى أجزاء، وهو أمر يختلف عن انتشار الديدان الإلكترونية التقليدية التي تنسخ شيفرتها البرمجية وتعمل بصورة مستقلة على الأجهزة المصابة.
هل يتغير شكل الهجمات؟
وبحسب بيلي، قد يكون السيناريو الأقرب لعمل هذه الشبكات هو استخدام برمجيات صغيرة تُعرف باسم «Dropper»، وهي أدوات تصل إلى الجهاز المستهدف ثم تثبت عليه برامج أخرى، بدلًا من نقل نموذج الذكاء الاصطناعي بالكامل إلى كل جهاز وفي هذه الحالة، يمكن أن تعمل الأداة المثبتة على الجهاز كوسيلة للتواصل وتلقي التعليمات من بقية الشبكة، دون الحاجة إلى وجود نسخة كاملة من النموذج على كل جهاز مصاب.
وأشار إلى أن بعض البرمجيات الخبيثة تستطيع بالفعل تغيير شكلها وبصمتها الرقمية لتجنب اكتشافها، وهي خاصية تُعرف باسم «تعدد الأشكال»، لكن إثبات قدرة شبكات الذكاء الاصطناعي على تطوير نفسها وإعادة تدريب نماذجها تلقائيًا لا يزال أمرًا غير محسوم.
وأضاف أن التجارب التي أجرتها «أنثروبيك» أظهرت قدرة نسخ من أحد النماذج على تبادل المعلومات والملاحظات، وتحسين طريقة إعداد بيئة التشغيل تدريجيًا، لكنها لم تثبت قدرتها على إعادة تدريب نفسها بصورة مستقلة.
مخاوف من سباق الشركات
وفيما يتعلق بتوقيت نشر البحث، أثيرت تساؤلات حول احتمال استخدام التحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي في الترويج للشركات، خاصة مع تحركات «أنثروبيك» نحو طرح أسهمها للاكتتاب العام.
لكن كانال يرى أن القلق من المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي قد يكون تفسيرًا أقرب، موضحًا أن كل شركة تسعى إلى تطوير نماذج أقوى وطرحها في الأسواق بسرعة، من أجل زيادة حصتها السوقية، وهو ما قد يدفع بعضها إلى التوسع في التطوير قبل التأكد من جميع المخاطر المحتملة.
ورغم اختلاف الخبراء حول مدى دقة وصف هذه التقنية بالاستنساخ الذاتي، فإنهم يتفقون على أهمية الاستعداد لتطور أساليب الهجمات الإلكترونية، خاصة مع تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام كانت تحتاج في السابق إلى تدخل بشري.
حلول للحد من المخاطر
واقترحت «أنثروبيك» عددًا من الإجراءات للحد من هذه المخاطر، من بينها إخطار شركات الإنترنت للعملاء عند اكتشاف إصابة أجهزتهم، مع تقييد اتصال الأجهزة المصابة بالشبكة، بحيث لا تتمكن من الوصول إلا إلى عدد محدود من المواقع الموثوقة.
وتشبه هذه الإجراءات الحلول التي استُخدمت للتعامل مع هجمات شبكة «ميراي»، والتي أثبتت فعاليتها في الحد من انتشار الهجمات الإلكترونية، وهو ما يعكس أن مواجهة تهديدات الذكاء الاصطناعي الجديدة قد تعتمد في جانب كبير منها على إجراءات أمنية معروفة، لكن تطبيقها سيصبح أكثر أهمية مع تطور قدرات البرمجيات الخبيثة.