علماء يطورون تقنية لكشف التشابه الجيني بين الإنسان والحيوانات

صوت |
الخميس 29/10/2026 07:48 م
علماء يطورون تقنية لكشف التشابه الجيني بين الإنسان والحيوانات
كشف التشابه الجيني بين الإنسان والحيوانات

طور فريق من الباحثين بجامعة كيوتو اليابانية طريقة حسابية جديدة تحمل اسم «Species-OT»، تهدف إلى تحديد الجينات التي تؤدي وظائف تنظيمية متشابهة لدى أنواع مختلفة من الكائنات الحية، حتى عندما تختلف هذه الجينات من الناحية التطورية، بما قد يساعد مستقبلًا على نقل نتائج الدراسات الحيوانية إلى فهم أدق للبيولوجيا البشرية والأمراض.

وتعتمد التقنية على تحليل أنماط التعبير الجيني والعلاقات بين الجينات داخل الخلايا، بدلًا من الاعتماد فقط على مقارنة تسلسلات الحمض النووي، لتحديد الجينات التي قد تؤدي أدوارًا متقاربة في تنظيم العمليات البيولوجية لدى الإنسان والحيوانات.

لماذا لا تكفي الدراسات على الفئران لفهم الإنسان؟

تعتمد نسبة كبيرة من المعرفة العلمية في علم الأحياء على النماذج الحيوانية، خصوصًا الفئران، لكن تطبيق النتائج المستخلصة منها على الإنسان ليس دائمًا أمرًا مباشرًا، بسبب الاختلافات الجينية والتنظيمية بين الأنواع.

ومن الأمثلة على ذلك الجينات المسؤولة عن تكوين الخلايا الجرثومية الأولية، التي تتطور لاحقًا إلى البويضات أو الحيوانات المنوية، إذ تختلف بعض الجينات المهمة لهذه العملية بين الفئران والبشر.

وعادةً ما يقارن الباحثون تسلسلات الحمض النووي لتحديد العلاقات التطورية بين الجينات، لكن هذا الأسلوب لا يوضح دائمًا ما إذا كانت جينات مختلفة تؤدي وظائف تنظيمية متشابهة داخل أنواع معينة من الخلايا.

ومن هنا، سعى فريق معهد الدراسات المتقدمة لبيولوجيا الإنسان بجامعة كيوتو إلى تطوير طريقة تركز على بنية العلاقات بين أنماط التعبير الجيني، انطلاقًا من فرضية أن التنظيم العام للشبكات الجينية قد يظل متشابهًا بين الأنواع، حتى عندما تختلف الجينات المشاركة فيها.

كيف تعمل تقنية Species-OT؟

تعتمد الطريقة الجديدة على مقارنة بيانات النسخ الجيني بين أنواع مختلفة من الكائنات الحية، مع التركيز على أنواع الخلايا المتناظرة أو العمليات البيولوجية التي تؤدي إلى تحديد مصير الخلايا.

وتتعامل التقنية مع أنماط التعبير الجيني باعتبارها نقاطًا داخل فضاء رياضي؛ إذ تتقارب الجينات التي تظهر أنماط تعبير متشابهة، وتتكون من هذه النقاط بنية هندسية تمثل العلاقات بين الجينات داخل كل مجموعة من البيانات.

بعد ذلك، تستخدم التقنية نظرية رياضية تُعرف باسم «النقل الأمثل لغرام-واسرشتاين» (Gromov-Wasserstein Optimal Transport)، لمقارنة طريقة ترتيب هذه النقاط وعلاقاتها ببعضها، بهدف تحديد الجينات التي يُحتمل أن تؤدي أدوارًا متقاربة بين الأنواع المختلفة.

كما تستطيع الطريقة تقدير مدى الاختلاف بين الأنماط العامة للتعبير الجيني في مجموعات البيانات، مع تركيز الدراسة على الجينات المشفرة لعوامل النسخ، وهي بروتينات تؤدي دورًا أساسيًا في تنظيم نشاط الجينات.

اختبار التقنية على الخلايا البشرية والفئران

لاختبار كفاءة الطريقة، حلل الباحثون التعبير الجيني خلال عملية تحفيز الخلايا الجذعية متعددة القدرات لدى الإنسان والفأر لتكوين خلايا شبيهة بالخلايا الجرثومية الأولية، وهي خلايا تمثل مرحلة مبكرة في المسار الذي يؤدي إلى تكوين الأمشاج.

وأظهرت النتائج أن أبرز التوقعات التي قدمتها التقنية تضمنت أزواجًا من الجينات البشرية وجينات الفئران سبق أن أشارت دراسات إلى أدائها أدوارًا متشابهة.

كما تمكنت الطريقة من اقتراح علاقات محتملة بين جينات متقاربة تطوريًا وأخرى أكثر تباعدًا من حيث الأصل التطوري، ما يشير إلى أن التشابه الوظيفي المحتمل لا يقتصر بالضرورة على الجينات الأكثر تقاربًا في تسلسلها.

ومع ذلك، فإن هذه النتائج تمثل توقعات حسابية تحتاج إلى اختبارات تجريبية إضافية لتأكيد مدى صحة العلاقات الوظيفية المقترحة.

تشابه أكبر بين الرئيسيات في أنماط التعبير الجيني

امتد التحليل إلى بيانات تسلسل الحمض النووي الريبي على مستوى الخلية الواحدة، المأخوذة من الخلايا الجذعية متعددة القدرات لدى ستة أنواع من الثدييات، هي الإنسان والشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب والمكاك طويل الذيل والفأر.

وكشفت النتائج عن أوجه تشابه في أنماط التعبير الجيني بين الرئيسيات، مع تقارب ملحوظ بين الإنسان والشمبانزي، إلى جانب تشابهات بين الغوريلا وإنسان الغاب والمكاك طويل الذيل.

في المقابل، اختلفت أنماط التعبير الجيني لدى الفئران بدرجة واضحة عن الأنماط المسجلة لدى الرئيسيات.

وأشار الباحثون إلى أن هذه المقارنات لا تعكس الاختلافات التطورية وحدها، بل تتأثر أيضًا بنوع الخلايا وظروف زراعتها في المختبر، كما أن العلاقات الناتجة عن التحليل تختلف في طبيعتها عن العلاقات التي تعرضها أشجار التطور التقليدية.

هل تساعد التقنية في التنبؤ بالأمراض والوقاية منها؟

يرى الباحثون أن تقنية «Species-OT» قد تتيح مستقبلًا الاستفادة بصورة أكثر دقة من نتائج الدراسات الحيوانية، من خلال تحديد الجينات البشرية التي يُحتمل أن تؤدي وظائف مشابهة للجينات التي رُصدت تغيراتها لدى الحيوانات.

وقد يساعد هذا النهج في تضييق نطاق الجينات البشرية المرشحة للدراسة، وفهم الآليات البيولوجية المشتركة بين الأنواع، إلى جانب تحديد العمليات التي تختلف لدى الإنسان.

ويرتبط هذا التوجه بالهدف الثاني من برنامج «Moonshot»، الذي يسعى إلى بناء مجتمع قادر على التنبؤ بالأمراض والوقاية منها في مراحل مبكرة للغاية بحلول عام 2050.

لكن الباحثين أوضحوا أن البيانات المستخدمة في الدراسة الحالية تتعلق بالخلايا الجذعية متعددة القدرات وتكوين الخلايا الجرثومية، ولم تختبر الدراسة قدرة التقنية على التنبؤ بالأمراض أو الوقاية منها، وهو ما يتطلب أبحاثًا إضافية باستخدام خلايا مرتبطة بأمراض محددة.

اختبارات إضافية لتوسيع استخدام التقنية

تتمثل الخطوة المقبلة في اختبار العلاقات الجينية التي توقعتها التقنية من خلال التجارب المعملية، وتطبيقها على أنواع أخرى من الخلايا والعمليات التي تحدد مصيرها، إلى جانب دمج معلومات إضافية عن تنظيم الجينات لتحسين دقة التوقعات.

كما يمكن توسيع استخدام النهج نفسه لمقارنة الاختلافات بين أنواع الخلايا المختلفة، أو بين ظروف زراعتها، أو بين الأفراد.

وقال يويا توكوتا، الباحث الرئيسي في الدراسة بمعهد الدراسات المتقدمة لبيولوجيا الإنسان بجامعة كيوتو، إن الجمع بين النماذج الرياضية وعلوم البيانات قد يساعد على فهم البنى الرياضية الكامنة وراء الظواهر الطبيعية المعقدة، وتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين البشر والكائنات الأخرى من خلال مقارنة البيانات الجينومية وفوق الجينومية وأنماط التعبير الجيني.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً