تشهد إسرائيل إقبالًا انتخابيًا هو الأعلى منذ أكثر من 40 عامًا، وسط منافسة قوية على رئاسة الحكومة، في انتخابات توصف بأنها من أهم المحطات السياسية في تاريخ البلاد وتدور المنافسة بين رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي المنشورة الجمعة إلى تقارب كبير بينهما، دون أن يتمكن أي من المعسكرين من حسم الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة.
سباق نحو السلطة
تحتاج الأحزاب إلى 61 مقعدًا في الكنيست لتشكيل حكومة أغلبية، لكن التقديرات تشير إلى صعوبة تحقيق ذلك، ما يفتح الباب أمام مفاوضات سياسية طويلة بعد إعلان النتائج. ويعتمد النظام الانتخابي الإسرائيلي على التمثيل النسبي، وهو ما يجعل تشكيل الحكومات قائمًا على التحالفات بين الأحزاب، حتى لو اختلفت توجهاتها السياسية.
ويقود آيزنكوت حزب «ياشار»، الذي تأسس حديثًا، ويُعد أحد أبرز وجوه المعسكر الساعي إلى إنهاء حكم نتنياهو. ويضم هذا المعسكر شخصيات سياسية من اتجاهات مختلفة، من بينها رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، إلى جانب يائير جولان، الذي ينتمي إلى التيار اليساري.
في المقابل، يسعى نتنياهو إلى العودة للسلطة بالاعتماد على حلفائه من أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الدينية المتشددة، التي تشارك في ائتلافه الحالي. ويواجه رئيس الوزراء تحديًا في الحفاظ على تماسك هذا التحالف، خاصة مع الخلافات المتعلقة بالخدمة العسكرية والقضايا الأمنية والسياسية.
الأمن في صدارة المشهد
فرضت الملفات الأمنية نفسها بقوة على الحملات الانتخابية، إذ حمّل معارضو نتنياهو حكومته مسؤولية الإخفاق الأمني الذي سبق هجمات السابع من أكتوبر 2023، التي نفذتها حركة حماس وفصائل أخرى، وأسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل واحتجاز 251 آخرين ونقلهم إلى قطاع غزة.
وطالب المعارضون بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لفحص أسباب الهجمات وأوجه القصور التي سبقتها، بينما رفض نتنياهو هذه المطالب، معتبرًا أن لجنة التحقيق قد لا تكون محايدة. كما أثارت خططه لإجراء تغييرات على النظام القضائي جدلًا واسعًا، بعدما تسببت في احتجاجات جماهيرية قبل اندلاع الحرب.
من جانبه، ركز نتنياهو في حملته على تقديم نفسه باعتباره الأقدر على حماية أمن إسرائيل، مستندًا إلى ما وصفه بالإنجازات العسكرية والعلاقات الوثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي الأيام الأخيرة قبل الانتخابات، تحدثت تقارير إعلامية عن محاولات لدفع واشنطن نحو تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران، لكن نتنياهو نفى ما ورد في هذه التقارير.
خلافات حول التجنيد
يمثل تجنيد الرجال من اليهود المتشددين دينيًا أحد أبرز ملفات الخلاف داخل إسرائيل، خاصة بعد عدم تطبيق الحكومة حكمًا للمحكمة العليا يقضي بوجوب تجنيد طلاب المعاهد الدينية الذين كانوا يتمتعون بإعفاءات. وتتصاعد الانتقادات بسبب اضطرار آلاف الإسرائيليين الآخرين إلى أداء الخدمة العسكرية والمشاركة في الحروب الأخيرة، بينما تعارض أحزاب دينية مشاركة في الائتلاف فرض التجنيد على أتباعها.
أما آيزنكوت، فيتبنى موقفًا متقاربًا مع نتنياهو بشأن قطاع غزة، وتعهد بإنهاء حكم حماس خلال 18 شهرًا، سواء عبر خطة سلام تقودها الولايات المتحدة أو من خلال العمل العسكري إذا تعذر التوصل إلى اتفاق.
غزة والضفة الغربية
تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات في قطاع غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن العام الماضي، وتقول إن عملياتها تستهدف عناصر من حماس. ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، التي تديرها الحركة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين منذ بداية الحرب 74 ألفًا، وهي حصيلة تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة.
وأدى استمرار الحرب إلى زيادة الانتقادات الدولية لإسرائيل وتوتر علاقاتها مع عدد من حلفائها. وفي الضفة الغربية المحتلة، يؤيد آيزنكوت إلى حد كبير استمرار المستوطنات الإسرائيلية، لكنه يدعو إلى اتخاذ إجراءات ضد المستوطنين المتطرفين الذين ينفذون هجمات بحق الفلسطينيين. كما تحدث عن إمكانية منح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا أو صيغة محدودة من الدولة، مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية النهائية.
حسابات سياسية معقدة
وتشارك الأحزاب العربية في الانتخابات أيضًا، في ظل وجود نسبة كبيرة من المواطنين العرب داخل إسرائيل، بينهم من يعرّفون أنفسهم بأنهم فلسطينيون. وقد تلعب هذه الأحزاب دورًا مؤثرًا في تشكيل الحكومة، لكن معظم الأحزاب اليهودية الرئيسية ترفض التحالف معها، ما يضيّق الخيارات المتاحة أمام المعسكر المعارض.
وتشير التقارير إلى أن نحو 70 ألف إسرائيلي عادوا من الخارج للمشاركة في التصويت، إلى جانب مئات الآلاف الذين يدلون بأصواتهم للمرة الأولى. ومن المقرر نشر استطلاعات الخروج عقب إغلاق صناديق الاقتراع، لكنها لا تمثل النتائج النهائية وقد تختلف عنها.
ومن المنتظر أن تلعب أصوات الجنود والاحتياط دورًا في الصورة النهائية، إذ قد يتأخر فرز عدد من هذه الأصوات إلى اليوم التالي. وفي ظل تقارب المعسكرين، يبقى احتمال تعثر تشكيل الحكومة قائمًا، وهو سيناريو قد يقود إلى انتخابات جديدة، كما حدث بين عامي 2019 و2022 عندما شهدت إسرائيل خمس انتخابات متتالية بسبب صعوبة التوصل إلى اتفاقات بين الأحزاب.