تواجه الحكومات الأوروبية اختباراً صعباً مع اقتراب موسم الشتاء، في ظل أزمة طاقة خانقة وارتفاع قياسي في أسعار الوقود أدى إلى تضخم فواتير الاستهلاك، وتتزامن هذه الأزمة مع تصاعد شكاوى المستهلكين من تكاليف المعيشة المرتفعة وأزمة السكن الحادة التي باتت تهدد قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.
قفزة في أسعار الغاز والوقود
وزادت أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية خلال الفترة الأخيرة، إذ سجلت العقود الآجلة للغاز الهولندي، وهو المؤشر المرجعي لأسعار الغاز في القارة، نحو 87.20 يورو لكل ميجاوات/ساعة في 13 أكتوبر، مقابل نحو 32 يورو قبل تصاعد الحرب مع إيران، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «لا بانجورديا» الإسبانية.
كما ارتفع متوسط أسعار الديزل للمستهلكين في الاتحاد الأوروبي بنحو 35% خلال الفترة من 23 فبراير إلى 5 أكتوبر 2026، بينما زادت أسعار البنزين بنحو 23%، ما زاد الأعباء على المواطنين ورفع تكلفة التنقل واستخدام السيارات.
ولا تقتصر آثار ارتفاع أسعار الطاقة على فواتير الكهرباء والتدفئة، إذ تؤدي زيادة أسعار الوقود إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات التي يحتاج إليها المواطنون بشكل يومي.
وتزداد المخاوف مع اقتراب الشتاء، في ظل التساؤلات بشأن مستويات تخزين الغاز ومدى قدرة الدول الأوروبية على تلبية احتياجاتها خلال فترات البرد الشديد، خاصة مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.
احتجاجات في عدة دول أوروبية
وتزامنت أزمة الطاقة مع احتجاجات شهدتها دول أوروبية، من بينها فرنسا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، وسط مطالب بتحسين الأجور وتوفير السكن بأسعار مناسبة والاهتمام بالخدمات العامة.
وأصبحت زيادة تكاليف الوقود أحد العوامل التي تزيد غضب المواطنين، خاصة مع تزامنها مع ارتفاع نفقات المعيشة وصعوبة تحمل بعض الأسر للأعباء اليومية، وهو ما يضع الحكومات أمام مطالب متزايدة باتخاذ إجراءات لتخفيف الضغوط الاقتصادية.
وفي ظل هذه التطورات، وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتقادات للحكومات الأوروبية، معتبرًا أن أخطاء في السياسات المالية وسياسات الطاقة ساهمت في زيادة المشكلات الاقتصادية والاحتجاجات التي تشهدها بعض الدول.
وقال بوتين، في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي الروسي يوم 25 أكتوبر، إن الغاز الطبيعي المسال الروسي لا يزال يمثل، بحسب تقديره، نحو 20% من السوق الأوروبية.
خلاف حول التحول إلى الطاقة المتجددة
وانتقد الرئيس الروسي سرعة التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة قبل التأكد من توافر بدائل عملية واقتصادية قادرة على تلبية الاحتياجات، كما اعترض على إغلاق محطات للطاقة النووية ومناجم للفحم.
ودعا بوتين إلى تنفيذ التحول في قطاع الطاقة بصورة تدريجية، مع مراعاة احتياجات الاقتصاد. وتعكس تصريحاته موقف موسكو من الخلاف القائم مع أوروبا بشأن مصادر الطاقة، لكنها لا تعني أن سياسات التحول إلى الطاقة النظيفة وحدها وراء الاحتجاجات.
فالغضب الشعبي يرتبط أيضًا بارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة، إلى جانب الأجور ومستوى الخدمات العامة، وتختلف أسباب الضغوط من دولة أوروبية إلى أخرى.
الشتاء يضع الحكومات أمام اختبار صعب
وتحتاج الحكومات الأوروبية إلى تحقيق توازن بين تأمين إمدادات الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا، وفي الوقت نفسه حماية المواطنين من ارتفاع الفواتير وتجنب زيادة الأعباء على الشركات والصناعة.
ومع اقتراب الشتاء، قد تصبح أسعار الطاقة أكثر حضورًا في النقاش السياسي داخل أوروبا، خاصة إذا استمر ارتفاع الأسعار وزادت الضغوط على الأسر. وبين محاولات تنويع مصادر الإمدادات ومطالب المواطنين بخفض تكاليف المعيشة، تواجه الدول الأوروبية تحديًا يتمثل في ضمان طاقة مستقرة بأسعار يمكن تحملها، دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.