الاقتصاد المصري بين ضغوط التضخم ورهان الإنتاج.. خبراء يرسمون خريطة الخروج من الأزمة

صوت |
الأحد 25/10/2026 05:15 م
الاقتصاد المصري بين ضغوط التضخم ورهان الإنتاج.. خبراء يرسمون خريطة الخروج من الأزمة

بين طموحات تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وتحديات التضخم وارتفاع تكلفة الإنتاج والاستيراد، يقف الاقتصاد المصري أمام اختبار يتجاوز الأرقام المعلنة إلى قدرة النمو على تغيير حياة المواطنين.

فالمعادلة لم تعد تقتصر على زيادة الناتج المحلي أو جذب الاستثمارات، بل تمتد إلى توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، وتحسين دخول الأسر، وخلق فرص عمل حقيقية للشباب، وتقليص الاعتماد على الواردات، وتعزيز قدرة الصناعة والزراعة على تلبية احتياجات السوق المحلية وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.

وتزداد صعوبة هذه المعادلة مع تداخل التوترات الجيوسياسية مع تقلبات أسعار الطاقة وسوق الصرف، وما قد تفرضه من ضغوط على تكلفة الاستيراد ومدخلات الإنتاج والنقل، فضلًا عن احتمالات تأثر تدفقات الاستثمار الأجنبي وحركة التجارة.

وفي ظل هذه المتغيرات، يصبح تحقيق النمو المستدام مرتبطًا بقدرة السياسات الاقتصادية على التعامل مع الصدمات الخارجية، دون إغفال التحديات الداخلية المتعلقة بالتمويل والإنتاج وتنافسية الصناعة وبيئة الاستثمار.

ولا تقف التحديات عند حدود ارتفاع الأسعار؛ فخفض معدل التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، كما أن زيادة الناتج المحلي لا تضمن وحدها تحسن القدرة الشرائية.

وبين المؤشرين، تبرز أهمية نمو الدخول وزيادة المعروض من السلع والخدمات وتوسيع قاعدة الإنتاج، بما يسمح بتحقيق توازن أكثر استدامة بين احتياجات المواطنين وقدرة الاقتصاد على تلبيتها.

في المقابل، يمتلك الاقتصاد المصري مقومات يمكن البناء عليها، من بنية تحتية وشبكات نقل وموانئ، إلى موارد زراعية وصناعية وقاعدة عمالية واسعة، فضلًا عن فرص التوسع في التصنيع المحلي وتعميق المكون الصناعي وزيادة الصادرات.

لكن تحويل هذه المقومات إلى نتائج ملموسة يتطلب إدارة أكثر كفاءة للموارد، وإعادة تشغيل الأصول والمصانع غير المستغلة، وتيسير التمويل للمشروعات الإنتاجية، وإزالة العقبات الإدارية والتشريعية أمام المستثمرين.

«صوت» تفتح ملف مستقبل الاقتصاد المصري من خلال تصريحات أربعة من الخبراء والمتخصصين، هم الدكتور محمد الشوادفي، والدكتور محمد عبد الهادي، والدكتور رشاد عبده، والدكتور سمير رؤوف، لرصد فرص النمو، وتفسير الضغوط التضخمية، واستكشاف سبل حماية القوة الشرائية للمواطنين، وتحديد المسارات التي يمكن أن تنقل الاقتصاد من مواجهة الأزمات إلى مرحلة أوسع من الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل.

النمو الاقتصادي.. من الأرقام المستهدفة إلى الإنتاج الفعلي

يرى الدكتور محمد الشوادفي، الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات تؤهله لتحقيق معدلات نمو تتجاوز 7%، لكنه يربط الوصول إلى هذا المستوى بقدرة الدولة على إدارة الموارد المتاحة بكفاءة، واستغلال المصانع والأصول غير المستغلة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتعزيز الإنتاج والتصدير.

وفي تصريحات خاصة لـ«صوت»، أوضح الشوادفي أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة لا يتوقف على ضخ استثمارات جديدة فحسب، بل يتطلب أيضًا تعظيم الاستفادة من الأصول القائمة وتحويل الطاقات المعطلة إلى أنشطة اقتصادية منتجة، بما يرفع القيمة المضافة ويوفر فرص عمل ويعزز قدرة الاقتصاد على المنافسة.

وأشار إلى أن البنية التحتية التي تمتلكها الدولة يمكن أن تساعد على جذب مزيد من الاستثمارات، بالتزامن مع التوسع في الصادرات المصرية والسعي إلى الوصول بها إلى مستويات تقترب من 100 مليار دولار. غير أن تحقيق هذا المستهدف، بحسب رؤيته، يحتاج إلى فتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وبناء شراكات اقتصادية، وتوطين الصناعات محليًا، وتوفير بيئة تساعد المستثمرين على توسيع أنشطتهم الإنتاجية.

الاقتصاد المصري الأصول المعطلة.. فرصة تحتاج إلى إدارة

تضع رؤية الشوادفي استغلال الأصول والمصانع غير المستغلة في مقدمة مسارات دفع النمو؛ فوجود موارد إنتاجية لا تعمل بكامل طاقتها يعني أن جزءًا من الإمكانات الاقتصادية المتاحة لا يتحول إلى إنتاج أو دخل أو فرص تشغيل بالقدر الممكن.

ومن هذا المنطلق، يصبح رفع كفاءة استخدام الأصول القائمة مسارًا يستحق الاهتمام بالتوازي مع إقامة مشروعات جديدة، خاصة عندما تكون إعادة التشغيل قادرة على زيادة المعروض من المنتجات وتوفير فرص عمل وتعظيم العائد من الاستثمارات السابقة.

لكن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج فعلية يتطلب، وفقًا للمحاور التي طرحها الشوادفي، توفير التمويل اللازم، وتحسين الإدارة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في الأنشطة الإنتاجية، إلى جانب إزالة المعوقات التي تحول دون تشغيل الأصول بكفاءة.

خفض التضخم يبدأ من زيادة المعروض

وفيما يتعلق بأثر خفض التضخم على المواطنين، أوضح الشوادفي أن الوصول بمعدل التضخم إلى المستوى المستهدف عند 7% يمكن أن يدعم القوة الشرائية للجنيه، لكنه شدد على أن استدامة التحسن تتطلب زيادة الإنتاج وتوفير السلع والخدمات.

وتكشف هذه الرؤية عن فارق مهم بين تباطؤ ارتفاع الأسعار وانخفاض مستوياتها الفعلية؛ فتراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة أن السلع ستعود إلى أسعارها السابقة، وإنما يشير إلى تباطؤ وتيرة الزيادة. ولذلك، فإن تحسن معيشة المواطنين يظل مرتبطًا أيضًا بمعدلات نمو دخولهم وقدرتهم على شراء احتياجاتهم الأساسية.

وبحسب الشوادفي، فإن معالجة الضغوط التضخمية تحتاج إلى تعزيز القدرة الإنتاجية، وتحقيق الاستقرار في سعر الصرف، وتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة الصادرات. كما أشار إلى أن البرنامج الاقتصادي للفترة من 2027 إلى 2030 يستهدف تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، من خلال خفض التضخم وزيادة الاحتياطي النقدي وتعزيز النمو وتوسيع فرص التوظيف.

النمو وفرص العمل.. معادلة كثافة العمالة

لا يكتمل الحديث عن النمو من دون النظر إلى قدرته على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. وفي هذا السياق، شدد الشوادفي على أهمية التوسع في الأنشطة الإنتاجية التي تستطيع توفير فرص عمل بأعداد كبيرة، بدلًا من الاعتماد على أنشطة كثيفة رأس المال لا تستوعب بالضرورة القدر نفسه من العمالة.

وأشار إلى أن التوسع في الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعميق الصناعات القائمة، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية، تمثل محاور يمكن أن تساعد على خلق وظائف جديدة وتحسين دخول العاملين.

كما أكد أن القطاع الخاص يمثل شريكًا رئيسيًا في تحقيق النمو المستدام، داعيًا إلى أن تؤدي الحكومة دورًا تنظيميًا محايدًا، من خلال قوانين وسياسات تدعم المنافسة العادلة وتوفر بيئة مناسبة للاستثمار والإنتاج.

غير أن هذه الرؤية تواجه تحديات التمويل وتكلفة الطاقة والتغيرات العالمية؛ إذ أشار الشوادفي إلى أن نقص التمويل اللازم للتوسع الإنتاجي يتطلب زيادة مرونة السياسات المصرفية وتعزيز مساهمة البنوك في تمويل الصناعة والأنشطة المنتجة.

الدولار والنفط.. ضغوط خارجية تنتقل إلى الأسعار المحلية

في مقابل التركيز على زيادة الإنتاج، يحذر الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، من الضغوط التي قد تفرضها تحركات الدولار وأسعار النفط العالمية على الاقتصاد المصري، خاصة في ما يتعلق بتكلفة الاستيراد ومدخلات الإنتاج والسلع الأساسية.

وأوضح عبد الهادي، في تصريحات خاصة لـ«صوت»، أن ارتفاع الدولار لا يمكن فصله عن التطورات الاقتصادية العالمية، مشيرًا إلى أن زيادة أسعار النفط وتكلفة الواردات تضغط على سوق الصرف، وقد تنعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على أسعار السلع والخدمات داخل السوق المحلية.

النفط يرفع تكلفة الطاقة والنقل والإنتاج

أشار عبد الهادي إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية، يرفع تكلفة استيراد المنتجات البترولية ويزيد فاتورة الاستيراد، بما يفرض ضغوطًا إضافية على موارد النقد الأجنبي.

ولا يتوقف التأثير عند تكلفة الوقود؛ إذ تمتد تداعيات ارتفاع الطاقة إلى النقل والتوزيع وتشغيل المصانع، وهو ما قد يرفع تكلفة وصول المنتجات إلى الأسواق ويزيد الضغوط على أسعار السلع الأساسية.

ولفت إلى أن ارتفاع النفط من المستوى المقدر في الموازنة العامة، الذي أشار إلى أنه يبلغ نحو 75 دولارًا للبرميل، إلى مستويات تتجاوز 110 دولارات، يمثل ضغطًا على الإنفاق العام، خصوصًا في ما يتعلق بتوفير المنتجات البترولية واحتياجات السوق المحلية.

وتوضح هذه المعادلة كيف يمكن لصدمة خارجية في أسعار الطاقة أن تنتقل إلى الاقتصاد المحلي عبر أكثر من قناة، بدءًا من فاتورة الاستيراد، مرورًا بتكلفة الإنتاج والنقل، وصولًا إلى أسعار البيع للمستهلك.

خروج الأموال الساخنة يزيد حساسية سوق الصرف

وفي ما يتعلق بتحركات الدولار، أوضح عبد الهادي أن خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، المعروفة باسم «الأموال الساخنة»، يمثل أحد العوامل التي قد تؤثر في سوق الصرف.

وأشار إلى أن تحركات هذه الاستثمارات ترتبط بتطورات التضخم العالمي واتجاهات أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إذ يمكن أن تدفع العوائد الأعلى في بعض الأسواق المستثمرين إلى إعادة توزيع أموالهم والخروج جزئيًا من الأسواق الناشئة.

وأضاف أن هذه التحركات قد تزيد الضغوط على موارد النقد الأجنبي، بالتزامن مع ارتفاع احتياجات الاستيراد والتوترات الإقليمية، بما ينعكس على سعر الدولار أمام الجنيه وتكلفة الحصول على السلع والمواد الخام المستوردة.

مخاوف التضخم تضغط على الأسر والموازنة

يرى عبد الهادي أن ارتفاع الدولار والطاقة يمثل عاملًا إضافيًا في زيادة الضغوط التضخمية، إذ قد تلجأ الشركات إلى تحميل المستهلك النهائي جانبًا من الزيادة في تكاليف الاستيراد والإنتاج.

وأشار إلى أن استمرار هذه الضغوط قد يضع السياسة النقدية أمام تحديات جديدة، في ظل الحاجة إلى تقييم مسار التضخم والظروف الاقتصادية عند اتخاذ القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة، كما قد تنعكس زيادة تكلفة الواردات والطاقة على الموازنة العامة وميزان المدفوعات.

وفي مواجهة هذه التحديات، دعا إلى ترشيد الاستيراد مع إعطاء الأولوية للسلع والمواد الخام اللازمة للإنتاج، وتشجيع البدائل المحلية للمنتجات التي يمكن تصنيعها داخل مصر، إلى جانب التوسع في الصناعة والزراعة والتصدير.

وأكد أن زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي يمكن أن تخفف من تأثر الاقتصاد بالتقلبات الخارجية، وتقلل الضغط على العملة الأجنبية، وتدعم قدرة السوق على توفير السلع والمواد الخام.

القوة الشرائية للمواطن.. الاختبار الأكثر مباشرة

إذا كانت مؤشرات النمو والتضخم وسعر الصرف تقدم قراءة كلية لأداء الاقتصاد، فإن أثر هذه المؤشرات على حياة المواطنين يظل المعيار الأكثر مباشرة لقياس انعكاس السياسات الاقتصادية على المجتمع.

وفي هذا الإطار، يحذر الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، من تداعيات ارتفاع الدولار وزيادة أسعار الطاقة على القوة الشرائية للمواطنين، خاصة أصحاب الدخول الثابتة، الذين قد يجدون أنفسهم أمام تكاليف معيشة متزايدة من دون زيادة موازية في دخولهم.

وأوضح عبده، في تصريح خاص لـ«صوت»، أن ارتفاع الدولار يؤدي إلى زيادة تكلفة استيراد السلع، وهو ما قد يدفع المستوردين إلى تحميل المستهلك النهائي جزءًا من الزيادة. كما أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية قد تزيد مخاوف التجار والمستوردين بشأن تكاليف الاستيراد مستقبلًا.

ارتفاع الأسعار يقلص ما يستطيع المواطن شراءه

أشار عبده إلى أن تأثير الدولار لا يقتصر على السلع المستوردة مباشرة، بل يمتد إلى تكاليف الإنتاج والنقل، بما يؤثر في أسعار عدد من المنتجات المتداولة داخل السوق المحلية.

وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا عندما ترتفع الأسعار بوتيرة تتجاوز نمو دخول الأسر؛ ففي هذه الحالة، تتراجع الكميات التي يستطيع المواطن شراءها بالمبلغ نفسه، حتى إذا لم يتغير دخله الاسمي.

وأكد عبده أن الموظفين وأصحاب الدخول الثابتة من أكثر الفئات تأثرًا بارتفاع التضخم، نظرًا إلى محدودية قدرتهم على زيادة دخولهم بالسرعة نفسها التي ترتفع بها أسعار السلع والخدمات.

ومن هنا، لا يكفي تقييم الوضع الاقتصادي من خلال معدل التضخم وحده، بل يجب النظر أيضًا إلى مسار الأجور والدخول وتكلفة الاحتياجات الأساسية، ومدى قدرة الأسر على الحفاظ على مستويات استهلاكها الضرورية.

الوقود وتكلفة النقل.. انتقال الزيادة إلى المستهلك

وفي ما يتعلق بأسعار الطاقة، قال عبده إن احتمالات ارتفاع أسعار البنزين تظل مرتبطة بالتطورات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية والقرارات المحلية ذات الصلة، مشيرًا إلى أن أي زيادة في أسعار الوقود قد تنعكس على تكلفة النقل والتوزيع والإنتاج.

وأوضح أن ارتفاع تكلفة نقل البضائع ووصولها إلى الأسواق قد يدفع المنتجين والتجار إلى تعديل أسعار البيع، بما يضيف ضغوطًا جديدة على المستهلكين.

كما لفت إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية قد تؤثر في حركة التجارة الدولية وتكاليف الشحن والتأمين، خاصة إذا امتدت إلى ممرات ملاحية حيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، وهو ما قد يرفع تكلفة وصول بعض السلع المستوردة.

ضبط الأسواق وتأمين السلع الأساسية

وفي مواجهة هذه الضغوط، دعا عبده إلى تحرك مشترك من الحكومة والقطاع الخاص، مع مراعاة الأوضاع المعيشية للمواطنين، وتجنب رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية في تكاليف الاستيراد والإنتاج.

وشدد على أهمية التنسيق بين الجهات المعنية واتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات، للحد من الزيادات غير المبررة، مؤكدًا أن تحميل المستهلك أعباء تتجاوز التغير الحقيقي في التكلفة يزيد من صعوبة الأوضاع المعيشية.

كما دعا إلى إبرام تعاقدات طويلة الأجل لاستيراد السلع الأساسية خلال فترات انخفاض الأسعار العالمية، متى توافرت الظروف المناسبة، بما يساعد على تأمين احتياجات السوق وتكوين احتياطيات كافية من السلع الغذائية والاستراتيجية.

وتعكس هذه المقترحات أهمية الجمع بين أدوات ضبط الأسواق وسياسات تأمين الإمدادات، مع عدم إغفال دور زيادة الإنتاج المحلي في تقليل التعرض للتقلبات الخارجية على المدى الطويل.

التصنيع والتدريب وإصلاح الاستثمار..طريق النمو المستدام

يضع الدكتور سمير رؤوف، الباحث الاقتصادي وخبير الأتمتة، التصنيع المحلي وتعميق القيمة المضافة وتطوير مهارات العمالة في صدارة الأولويات اللازمة لدعم النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

وأكد رؤوف، في تصريح خاص لـ«صوت»، أن مصر تمتلك القدرة على تحقيق معدل نمو يتجاوز 6.8% بحلول عام 2030، وفق تقديره، شريطة وضع خطة واضحة لتنمية القطاعات الإنتاجية، والتوسع في التصنيع المحلي، وتعظيم القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، ومعالجة التحديات التي تواجه المستثمرين.

تصدير المنتجات المصنعة يرفع العائد الاقتصادي

وأوضح رؤوف أن تحقيق نمو مستدام يتطلب تعزيز الإنتاج الزراعي والصناعي، وعدم الاكتفاء بتصدير المواد الخام في صورتها الأولية، بل تحويلها إلى منتجات مصنعة تحقق قيمة مضافة أعلى وعائدًا اقتصاديًا أكبر.

وأشار إلى أن مصر حققت تطورًا في قطاعات خدمية، من بينها الخدمات اللوجستية والموانئ وقناة السويس، لكنه يرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تركيز أكبر على الصناعة باعتبارها أحد المحركات الأساسية للنمو وتوفير فرص العمل.

وأضاف أن التوسع في التصنيع الزراعي يتيح الاستفادة بصورة أفضل من الإنتاج المحلي، من خلال تحويل المحاصيل والمواد الخام إلى منتجات قابلة للتسويق والتصدير بقيمة أعلى.

وشدد على ضرورة توجيه التمويل إلى إنشاء المصانع وتوفير المعدات وخطوط الإنتاج، مع تطوير أدوات التمويل، بما فيها الأسهم والسندات، حتى تتحول الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية قادرة على توفير السلع وزيادة الصادرات.

خفض التضخم لا يضمن تحسن المعيشة وحده

وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، أكد رؤوف أن خفض معدل التضخم إلى 7% لا يكفي وحده لضمان تحسن مستوى المعيشة، إذ يرتبط ذلك أيضًا بنمو الدخول والإنتاج وقدرة الاقتصاد على توفير السلع والخدمات بأسعار تتناسب مع إمكانات المواطنين.

وأوضح أن ارتفاع الأسعار إلى مستويات تتجاوز قدرة المستهلكين على الشراء قد يؤدي إلى تراجع الطلب وتعطل جانب من النشاط الاقتصادي، خاصة في ما يتعلق بالسلع الأساسية.

وأشار إلى أهمية مراعاة العلاقة بين النمو الاقتصادي والنمو السكاني، بحيث ينعكس نمو الناتج على زيادة نصيب الأفراد من الموارد وتحسين مستوى المعيشة، مع توجيه الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية ذات الأولوية.

تأهيل الشباب يبدأ من المهارات العملية

ولا يقتصر التحدي على توفير الوظائف، بل يشمل مدى امتلاك الشباب المهارات المطلوبة لشغلها. وفي هذا السياق، شدد رؤوف على أهمية التدريب العملي والتأهيل المهني، موضحًا أن الحصول على شهادة جامعية لا يعني بالضرورة امتلاك المهارات الفنية اللازمة لسوق العمل.

وأضاف أن برامج التدريب يجب أن تتناسب مع طبيعة المهن واحتياجات القطاعات الإنتاجية، بما يرفع كفاءة العاملين ويساعد الخريجين على الاندماج في سوق العمل.

ويرتبط هذا المحور مباشرة بقدرة الاقتصاد على الانتقال إلى أنشطة صناعية أكثر تطورًا؛ فالتوسع في الإنتاج لا يحتاج إلى رأس المال والمعدات فقط، وإنما يتطلب أيضًا عمالة مؤهلة تستطيع تشغيل التكنولوجيا وتحسين الإنتاجية والجودة.

تكلفة الإنتاج والعقبات الإدارية تعرقل الاستثمار

وفي ما يتعلق بدور القطاع الخاص، أوضح رؤوف أن توسيع مشاركته لا يكفي وحده لتحقيق النمو المستدام، ما لم تتوافر ظروف تجعل الاستثمار في الصناعة والإنتاج مجديًا من حيث التكلفة والعائد والمخاطر.

وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة تصنيع بعض المنتجات محليًا مقارنة باستيرادها قد يدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأنشطة الإنتاجية والتوجه إلى مجالات تحقق عوائد أسرع، وهو ما يستدعي معالجة أسباب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار الصناعي.

كما دعا إلى مراجعة التشريعات المنظمة للاستثمار، وتطوير آليات التمويل، وتبسيط الإجراءات، وتبني سياسات ضريبية متوازنة تراعي احتياجات الاستثمار.

ولفت إلى أن تعدد الجهات الحكومية وتضارب القرارات والإجراءات المطلوبة للحصول على الموافقات قد يزيد الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ المشروعات، مشددًا على ضرورة تفعيل منظومة الشباك الواحد بصورة عملية، ووضع خريطة استثمارية واضحة تحدد الفرص المتاحة واستخدامات الأراضي في القطاعات المختلفة.

وأكد أن التخطيط للاستثمار ينبغي أن يراعي طبيعة المنتج المستهدف، سواء كان موجهًا للسوق المحلية أو للتصدير، ومدى توافر البنية التحتية والموانئ ووسائل النقل اللازمة للوصول إلى الأسواق المستهدفة.

معركة الاقتصاد تتجاوز معدلات النمو

تكشف رؤى الخبراء الأربعة أن التحدي الأساسي أمام الاقتصاد المصري لا يتمثل فقط في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل في طبيعة هذا النمو ومدى استناده إلى إنتاج حقيقي قادر على توفير السلع والخدمات، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل، وتحسين دخول المواطنين.

فبينما يركز الدكتور محمد الشوادفي على استغلال الأصول المعطلة وتوسيع الإنتاج ومشاركة القطاع الخاص، يحذر الدكتور محمد عبد الهادي من انعكاسات الدولار وأسعار النفط وخروج الاستثمارات الأجنبية على تكلفة الاستيراد والتضخم، ويضع الدكتور رشاد عبده حماية القوة الشرائية وضبط الزيادات السعرية وتأمين السلع الأساسية في مقدمة الأولويات، فيما يشدد الدكتور سمير رؤوف على التصنيع المحلي والتدريب وإصلاح بيئة الاستثمار وإزالة العقبات الإدارية.

وتشير هذه الرؤى إلى أن مواجهة التضخم بصورة مستدامة لا تنفصل عن زيادة الإنتاج، وأن جذب الاستثمارات لا يتحقق بمجرد توفير البنية التحتية، بل يحتاج إلى استقرار السياسات ووضوح التشريعات وتنافسية تكاليف التشغيل، كما أن توفير فرص العمل يتطلب التوسع في أنشطة قادرة على استيعاب العمالة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات السوق.

ومع استمرار التحديات العالمية، تزداد أهمية بناء اقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، من خلال تنويع الإنتاج، وتعميق الصناعة، وزيادة الصادرات، وتطوير التمويل، وتحسين كفاءة استخدام الموارد.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً