في مشهد يعكس تصاعد المخاوف داخل سوق المال المصرية، شهدت البورصة موجة تراجعات حادة أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول قدرة السوق على امتصاص الصدمات الخارجية والداخلية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد الضغوط البيعية، وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة. وبين مخاوف من تفاقم خسائر المحافظ الاستثمارية، واحتمالات خروج مزيد من السيولة، وتأثيرات الشراء بالهامش على وتيرة الهبوط، تتزايد حالة الترقب بشأن اتجاهات المؤشرات خلال الجلسات المقبلة، ومدى قدرة السوق على استعادة التوازن والثقة.
ولم تتوقف تداعيات التراجع عند حدود حركة الأسهم والمؤشرات، بل امتدت لتثير مخاوف بشأن توقيت الطروحات الحكومية المرتقبة، وجاذبية الاكتتابات الجديدة، فضلًا عن تساؤلات تتعلق بآليات التعامل على حقوق الاكتتاب ومدى تكافؤ الفرص بين المستثمرين. وفي هذا السياق، قدمت الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال والأوراق المالية بالبورصة المصرية، ورامي حجازي، خبير أسواق المال والمحلل الاقتصادي، قراءتين لأبرز أسباب الهبوط الحاد، وانعكاساته على حركة التداول، والسيناريوهات المحتملة لأداء السوق خلال الفترة المقبلة.
حنان رمسيس: المارجن كول والتوترات الجيوسياسية يضاعفان خسائر البورصة المصرية
قالت الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال والأوراق المالية بالبورصة المصرية، في تصريحات خاصة لـ«صوت»، إن التراجع الحاد الذي شهدته البورصة المصرية جاء نتيجة عاملين رئيسيين، يتمثل أولهما في الضغوط المتزايدة على المتعاملين الذين يعتمدون على الشراء بالهامش مع انخفاض أسعار الأسهم، بما يرفع احتمالات التعرض لنداءات الهامش «المارجن كول» والبيع الإجباري، بينما يرتبط العامل الثاني بتصاعد التوترات الجيوسياسية التي دفعت المؤسسات الاستثمارية إلى البيع وتوفير السيولة في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق.
خسائر المؤشرات توقف التداولات
وأوضحت أن التراجعات التي شهدها مؤشرا EGX30 وEGX70 انعكست على أداء مؤشر EGX100، الذي تجاوزت خسائره 10% خلال الجلسة، ما أدى إلى وقف التداولات لمدة نصف ساعة، في ظل حدة التحركات السعرية وتصاعد الضغوط البيعية.
وأضافت أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع المؤشرات إلى اختبار مستويات دعم رئيسية، مع احتمالات الوصول إلى مستويات سعرية متدنية لم تشهدها السوق منذ فترات سابقة، خاصة إذا استمرت حالة القلق لدى المستثمرين وتراجعت الرغبة في ضخ سيولة جديدة.
وأشارت إلى أن التوترات الجيوسياسية تزيد من صعوبة التنبؤ باتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة، نتيجة تداخل العوامل الخارجية مع الضغوط الداخلية المرتبطة بالمديونية والتعاملات بالهامش، وهو ما يدفع المتعاملين إلى مزيد من الحذر وتقليص المخاطر.
المارجن كول يفاقم موجة الهبوط
وأكدت خبيرة أسواق المال أن انخفاض أسعار الأسهم يضع المتعاملين الذين يعتمدون على الشراء بالهامش تحت ضغوط متزايدة، نتيجة تراجع القيمة السوقية لمحافظهم الاستثمارية، وهو ما قد يدفعهم إلى بيع أجزاء من حيازاتهم لتخفيض المديونية وتجنب التصفية الإجبارية.
وأوضحت أن ارتفاع نسب المديونية إلى مستويات تتجاوز الحدود المسموح بها وفقًا للقواعد المنظمة وشروط شركات السمسرة قد يؤدي إلى إجبار بعض المستثمرين على البيع، بما يزيد المعروض من الأسهم ويعمق موجة التراجعات.
وأضافت أن هذه الآلية قد تؤدي إلى سلسلة من الانخفاضات المتتابعة، إذ تتسبب عمليات البيع في تراجع الأسعار، الأمر الذي يضاعف الضغوط على متعاملين آخرين لديهم مراكز ممولة بالهامش، لتتسع دائرة البيع داخل السوق.
المؤسسات تتجه إلى السيولة وسط تصاعد المخاطر
ولفتت إلى أن المؤسسات الاستثمارية تتجه في أوقات الاضطراب إلى تسييل جانب من محافظها لتوفير السيولة اللازمة، سواء للتحوط من المخاطر أو للاستفادة من الفرص الاستثمارية التي قد تظهر عند استقرار الأوضاع وانخفاض أسعار الأسهم إلى مستويات جاذبة.
وأشارت إلى أن المستثمرين الأفراد يواجهون بدورهم ضغوطًا كبيرة، خاصة أصحاب المديونيات المرتفعة، الذين قد يضطرون إلى التخارج من بعض الأسهم لتجنب تجاوز الحدود المقررة للتعامل بالهامش والتعرض للبيع الإجباري.
وأكدت أن الحذر أصبح السمة الغالبة على تعاملات المستثمرين، في ظل صعوبة تحديد توقيت مناسب للعودة إلى السوق قبل اتضاح اتجاهات المؤشرات واستقرار الضغوط البيعية.
إغلاق هابط منذ ثورة يناير
وفيما يتعلق بحجم التراجع، أوضحت رمسيس أنها اعتقدت في البداية أن ما شهدته السوق يمثل أول إغلاق هابط من هذا النوع منذ ثورة يناير، قبل أن تتذكر واقعة مماثلة في عام 2022، مشيرة إلى أن الإغلاق الحالي يمثل، وفقًا لتقديرها، ثالث واقعة من هذا النوع خلال تلك الفترة.
وأضافت أن حدة التراجعات تعزز مخاوف المستثمرين وتدفعهم إلى التريث قبل اتخاذ قرارات استثمارية جديدة، خاصة مع تراجع الثقة وارتفاع احتمالات استمرار التقلبات خلال الجلسات المقبلة.
الطروحات الحكومية تحت ضغط تراجع السوق
وحذرت خبيرة أسواق المال من أن استمرار التراجعات قد يفرض تحديات أمام الطروحات الحكومية المرتقبة، مشيرة إلى أن سهم «حالا»، الذي طُرح مؤخرًا، تراجع خلال الجلسة إلى ما دون سعر الطرح بنحو 2.25%، بما يعكس صعوبة أداء الأسهم الجديدة في ظل موجات البيع التي تضرب السوق.
وأضافت أن هذه التطورات تستدعي التروي في تحديد توقيت الطروحات الحكومية المقبلة، وعلى رأسها الطرح المرتقب لبنك القاهرة، موضحة أن انخفاض سعر الطرح أو جاذبيته لا يضمنان وحدهما نجاح الاكتتاب إذا تزامن مع ضغوط بيعية قوية وتوترات جيوسياسية تؤثر على قرارات المستثمرين.
وأشارت إلى أن نجاح الطروحات يتوقف على مجموعة من العوامل، تشمل توقيت الطرح، والتقييم السعري، وحالة السوق، والسيولة المتاحة، ومدى استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر، مؤكدة أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤثر على معدلات الإقبال على الاكتتابات الجديدة.
حقوق الاكتتاب تثير تساؤلات حول عدالة التعاملات
وفي سياق متصل، أشارت رمسيس إلى وجود حالة من عدم الرضا لدى بعض المتعاملين بشأن ممارسات مرتبطة بحقوق الاكتتاب والتعامل على الأسهم الأصلية، خاصة في الحالات التي يشتري فيها بعض المستثمرين حقوق الاكتتاب بالتزامن مع بيع الأسهم الأصلية، ما يثير تساؤلات حول تكافؤ الفرص وعدالة التعاملات بين المستثمرين.
وأكدت أن تعزيز الشفافية ووضوح الإجراءات المنظمة لحقوق الاكتتاب والتعاملات المرتبطة بها يمثلان عاملين مهمين لدعم ثقة المستثمرين والحد من المخاوف المتعلقة بوجود تفاوت في المعاملة بين أطراف السوق.
واختتمت رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن السوق تواجه مرحلة تتسم بارتفاع الحذر وتراجع شهية المخاطرة، في ظل اتجاه المؤسسات والأفراد إلى المحافظة على السيولة وتقليص المراكز الاستثمارية، مشيرة إلى أن استعادة الثقة تتطلب هدوء التوترات الجيوسياسية، وانحسار الضغوط البيعية، ووضوح الرؤية بشأن مستويات الدعم، إلى جانب ضمان الشفافية في التعاملات والطروحات الجديدة.

رامي حجازي: التوترات العالمية وخروج الاستثمارات الأجنبية يفاقمان ضغوط البيع بالبورصة المصرية
وفي سياق متصل، كشف رامي حجازي، خبير أسواق المال والمحلل الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ«صوت»، عن أبرز العوامل التي ساهمت في الهبوط الحاد للبورصة المصرية، موضحًا أن التراجعات الحالية جاءت نتيجة تداخل مجموعة من الضغوط العالمية والمحلية، إلى جانب تصاعد مخاوف المستثمرين وزيادة عمليات البيع، في وقت يواجه فيه السوق تحديات تتعلق بالسيولة واتجاهات الاستثمار الأجنبي.
التوترات الجيوسياسية وأسعار النفط تضغط على السوق
وقال حجازي إن تصاعد التوترات الجيوسياسية ودخولها مراحل أكثر حساسية وخطورة كان من أبرز العوامل المؤثرة على أداء الأسواق المالية، خاصة مع انعكاس هذه التطورات على الاقتصاد العالمي وزيادة حالة عدم اليقين بشأن معدلات النمو والتضخم خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن هذه الأوضاع دفعت بعض المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في الأسواق الناشئة، مع خروج جزء من الأموال الساخنة من أسواق المنطقة، إلى جانب خروج بعض الاستثمارات الأجنبية من البورصة المصرية، وهو ما شكل ضغطًا إضافيًا على السيولة وساهم في زيادة حدة التراجعات.
وأضاف أن ارتفاع أسعار البترول والمخاوف من عودة الضغوط التضخمية عالميًا، بالتزامن مع مؤشرات تباطؤ النمو الاقتصادي، عززا حالة الحذر لدى المستثمرين، ودعما الاتجاه نحو تقليل المخاطر داخل المحافظ الاستثمارية.
هلع الأفراد يزيد حدة الخسائر
وأشار خبير أسواق المال إلى أن العوامل الخارجية لم تكن السبب الوحيد وراء الهبوط، إذ ساهمت حالة الخوف والهلع بين بعض المستثمرين الأفراد في زيادة الضغوط البيعية، مع اتجاه البعض إلى البيع العشوائي خشية استمرار انخفاض الأسعار.
وأوضح أن اتجاه صافي تعاملات الأفراد المصريين إلى البيع خلال جلسة التراجع أضاف مزيدًا من الضغوط على السوق، خاصة في ظل ارتفاع حساسية شريحة من الأسهم لتحركات المستثمرين الأفراد.
ولفت إلى أن مؤشر EGX70 تعرض لضغوط أكبر مقارنة بمؤشر EGX30، نظرًا إلى طبيعة الأسهم التي يضمها وارتفاع تأثر عدد منها بحركة تعاملات الأفراد وتغيرات شهية المخاطرة، وهو ما انعكس على أدائه بصورة أكثر حدة خلال الجلسة.
الطروحات الجديدة تنافس السوق على السيولة
وأكد حجازي أن الإعلان عن طروحات كبيرة بالتزامن مع موجة التصحيح الحالية يمثل عاملًا إضافيًا قد يضغط على السيولة المتاحة للتداول، خاصة مع احتياج الطروحات الجديدة إلى جذب استثمارات وأموال من السوق.
وأضاف أن تزامن هذه التطورات مع خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية وزيادة عمليات البيع قد يفاقم الضغوط على حركة الأسهم، في ظل ترقب المستثمرين لاتجاهات السوق ومدى قدرتها على استعادة التوازن خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن السوق المصرية تتأثر بمجموعة من المتغيرات المتداخلة، تشمل التطورات الجيوسياسية العالمية، واتجاهات أسعار الطاقة، ومخاطر التضخم، إلى جانب حركة سعر الصرف وتدفقات الاستثمار الأجنبي، وهي عوامل تلعب دورًا مهمًا في تحديد شهية المستثمرين للمخاطرة.
EGX30 لا يزال في اتجاه صاعد وفق القراءة الفنية
ورغم حدة التراجعات، يرى حجازي أن مؤشر EGX30 لم يدخل حتى الآن، وفقًا لقراءته الفنية، في اتجاه هابط، معتبرًا أن ما يشهده السوق يمكن أن يندرج ضمن عملية تصحيح قوية داخل الاتجاه الصاعد، ما لم تظهر مؤشرات فنية تؤكد تغير الاتجاه الرئيسي.
وتوقع أن يحاول السوق استعادة توازنه والارتداد بعد انتهاء موجة التصحيح الحالية، مع احتمالات التحرك في نطاقات عرضية لفترة قبل استئناف الصعود، مشددًا على أن هذا السيناريو يظل مرتبطًا بتطورات الأوضاع العالمية، وحركة السيولة، ومدى تراجع الضغوط البيعية.
وأوضح أن استمرار الاتجاه الصاعد لا يعني استبعاد المزيد من التقلبات على المدى القصير، إذ تحتاج السوق إلى تجاوز مرحلة الضغوط الحالية وظهور مؤشرات أكثر وضوحًا على عودة الاستقرار.
ارتفاع الدولار يفتح الباب أمام إعادة تسعير الأسهم
ولفت حجازي إلى أن ارتفاع الدولار يمثل أحد العوامل المؤثرة في تقييمات الأسهم، مشيرًا إلى أن البورصة المصرية قد تشهد عملية إعادة تسعير لبعض الأسهم في ضوء التغيرات في سعر الصرف والتطورات الاقتصادية.
وأضاف أن هذه العملية قد تتضح بصورة أكبر بعد انتهاء موجة التصحيح العنيفة وعودة قدر من الاستقرار إلى التداولات، مؤكدًا أن توقيت الارتداد ومدى قوته سيعتمدان على تطورات السوق وحركة السيولة وسلوك المستثمرين.
نصائح للمستثمرين لتجنب الخسائر المتزايدة
وشدد خبير أسواق المال على ضرورة تجنب اتخاذ القرارات الاستثمارية تحت تأثير الخوف والهلع، محذرًا من البيع العشوائي دون دراسة أسباب الاستثمار وتقييم المراكز المالية والمخاطر المرتبطة بها.
كما حذر من استخدام آلية الشراء بالهامش خلال فترات التقلبات الحادة، إلا بالنسبة للمستثمرين الذين يمتلكون المعرفة الكافية بمخاطرها، نظرًا إلى أن انخفاض الأسعار قد يضاعف الخسائر ويزيد الضغوط على المراكز الاستثمارية.
واختتم حجازي تصريحاته بالتأكيد على أهمية التعامل بحذر مع التطورات الحالية، في ظل استمرار الضغوط العالمية والمحلية على البورصة المصرية، موضحًا أن استعادة التوازن ستظل مرتبطة بقدرة السوق على امتصاص الصدمات، وعودة السيولة، وانحسار الضغوط البيعية، وهي عوامل ستحدد ملامح تحركات المؤشرات خلال الفترة المقبلة.
