يحيى الفخراني.. مدرسة في التمثيل صنعت أجيالاً من الفنانين

صوت |
الأحد 04/10/2026 09:01 م
يحيى الفخراني.. مدرسة في التمثيل صنعت أجيالاً من الفنانين
الفنان يحيى الفخراني ونجوم ساروا على نهجه

في عالم التمثيل هناك فنان ينجح في تقديم أدواراً مميزة وفنان آخر يتحول مع الوقت إلى مرجع يستفيد منه أبناء المهنة، ولاشك أن يحيى الفخراني ينتمي إلى الفئة الثانية، فمشواره لم يتوقف عند الشخصيات التي قدمها وإنما امتد تأثيره إلى ممثلين وجدوا في طريقته درساً في فهم الشخصية والاقتراب منها حتى أصبح اسمه مرتبطاً بمدرسة خاصة في الأداء.

حين يختفي الممثل خلف الشخصية

سر مدرسة يحيى الفخراني يبدأ من إيمانه بأن الشخصية هي البطل الحقيقي ولذلك يترك لها المساحة كاملة لتظهر على الشاشة ،لا يعتمد على المبالغة أو استعراض أدواته وإنما يبحث عن دوافع الشخصية وتفاصيلها وطريقة تفكيرها ثم يمنحها صوته وحركته وانفعالاته حتى يشعر المشاهد أنه أمام إنسان يعيش الموقف بالفعل.

هذه الطريقة صنعت خصوصية الفخراني عبر أدوار مختلفة ومتباينة فاستطاع الانتقال بين الكوميديا والتراجيديا، وبين الشخصيات البسيطة والمركبة من دون أن يفقد إحساسه بالتلقائية،وفي كل مرة كان يثبت أن التفاصيل الصغيرة من نظرة أو نبرة صوت أو حركة جسد يمكن أن تكون أحياناً أقوى من الانفعال المباشر.

«السهل الممتنع».. مفتاح مدرسة الفخراني

ومن أكثر المصطلحات التي ارتبطت بأداء الفخراني «السهل الممتنع»، حيث يبدو المشهد أمام المشاهد بسيطاً وعفوياً ،بينما يقف خلفه وعي كبير بتفاصيل الشخصية،فالممثل عنده لا يحتاج دائماً إلى رفع صوته أو المبالغة في الحركة حتى يصل إحساسه إلى الجمهور لأن صدق اللحظة قادر على القيام بالمهمة.

وهذه الفلسفة هي التي جعلت تأثيره يتجاوز حدود الأدوار التي قدمها، إذ استفاد منها فنانون من أجيال مختلفة، كل منهم التقط جانباً من تجربته ثم أعاد صياغته بما يتناسب مع شخصيته وأدواته، وهنا تظهر قيمة المدرسة الحقيقية؛ فهي لا تصنع نسخاً من صاحبها وإنما تفتح أمام الفنان طريقاً لفهم مهنته بصورة أعمق.

ريهام عبدالغفور.. تلميذة الفخراني على المسرح

تأتي  الفنانة ريهام عبدالغفور في مقدمة الأسماء التي يمكن الحديث عنها باعتبارها عاشت تجربة التعلم من الفخراني بشكل مباشر، خصوصاً خلال مشاركتها معه في «الملك لير»، ريهام تحدثت عن تلك التجربة باعتبارها مرحلة تعليمية مهمة في حياتها الفنية خيث كشفت أنها كانت تراقب تفاصيل أدائه وحركاته وتفاعله مع الشخصية والمشهد.

ولسنوات ظلت تجربة «الملك لير» حاضرة في حديث ريهام عن تكوينها الفني  لأنها لم تتعلم من النص أو البروفات فقط، وإنما من وجودها أمام ممثل كبير ومراقبتها لطريقته في إدارة المشهد، وهو نوع مختلف من التعلم يعتمد على الملاحظة والمعايشة واكتشاف أسرار الأداء من داخل التجربة نفسها.

أحمد السقا.. «ممثل من غير تمثيل»

أما النجم أحمد السقا، فقد تحدث عن استفادته من يحيى الفخراني، خاصة في مسألة الوصول إلى الأداء الطبيعي، وتكمن أهمية هذه الشهادة في أنها تكشف جانباً من فلسفة الفخراني التي تقوم على أن ينسى الممثل استعراض أدواته ويترك الشخصية تتحرك بصورة تلقائية داخل المشهد.

ورغم أن السقا صنع لنفسه لاحقاً مدرسة مختلفة ارتبطت بالبطولة الجماهيرية وأفلام الحركة، فإن تأثره بالفخراني يظهر في الفكرة الأهم: ألا يصبح الممثل منفصلاً عن الشخصية، فالتنوع في نوعية الأدوار لا يلغي الاستفادة من أستاذ كبير وإنما يجعل كل فنان يعيد توظيف ما تعلمه بطريقته الخاصة.

فتحي عبدالوهاب.. عندما يصبح الممثل هو الشخصية

وعند الحديث عن الممثل الذي يضع الشخصية في مقدمة اهتمامه يظهر  الفنان فتحي عبدالوهاب كواحد من الأسماء اللافتة. فهو تحدث عن فلسفة التمثيل، وشرح الفرق بين أداء الشخصية والوصول إلى مرحلة يصبح فيها الممثل هو الشخصية، كما وضع يحيى الفخراني ضمن النماذج التي وصلت إلى مستوى متقدم من إتقان الحرفة.

واللافت أن تجربة فتحي نفسها تقوم على الاهتمام بالشخصيات المركبة، والتعامل معها بعيداً عن القوالب الجاهزة مع الاعتماد على الصوت والتعبير والحركة لخدمة كل دور، لذلك تبدو المقارنة مع الفخراني هنا في منهج التفكير في الشخصية وليس في تقليد أسلوبه أو تكرار أدواته.

خالد الصاوي.. أداء يبدو بسيطاً رغم تعقيده

وفي تجربة الفنان خالد الصاوي تظهر منطقة أخرى من التشابه وهي القدرة على تقديم شخصيات شديدة التنوع من خلال أداء يبدو تلقائياً وقد وصف شريف منير طريقة الصاوي بأنها تقترب من «السهل الممتنع» الذي اشتهر به يحيى الفخراني، مشيراً إلى قدرته على استخدام لغة الجسد والتفاصيل في بناء الشخصية.

الصاوي صاحب تجربة مستقلة وله أدواته الخاصة التي صنعت له حضوراً مميزاً في المسرح والسينما والدراما، ولذلك فإن وضعه بجوار الفخراني لا يعني أنه يسير على خطاه حرفياً، وإنما أن هناك نقطة التقاء واضحة في التعامل مع الحرفة؛ حيث تختفي الصنعة خلف الشخصية، ويصبح المشاهد مهتماً بالإنسان الذي أمامه أكثر من طريقة أداء الممثل.

حمزة العيلي.. التفاصيل تصنع الاختلاف

ومن الجيل الأحدث يبرز  الفنان حمزة العيلي كأحد الفنانين الذين لفتوا انتباه النقاد بسبب قدرتهم على بناء الشخصية من أكثر من زاوية، فقد وصفه الناقد جمال عبدالناصر بأنه نموذج للسهل الممتنع مشيراً إلى اهتمامه بالأبعاد الاجتماعية والنفسية والجسدية للشخصية إلى جانب استخدام الصوت والجسد لخدمة الدور.

وتظهر هذه الأدوات في قدرة حمزة على الانتقال بين الشخصيات من دون أن تبدو متشابهة، إذ يمنح كل شخصية إيقاعها وطريقتها الخاصة في الحركة والكلام والانفعال ولهذا يمكن وضعه ضمن الجيل الذي يلتقي مع مدرسة الفخراني في فلسفة بناء الشخصية، مع الاحتفاظ بمساحته الفنية الخاصة.

خالد النبوي.. واحد من جيل الأساتذة

أما  الفنان خالد النبوي فقد تحدث عن مجموعة من كبار الفنانين الذين استفاد منهم خلال مشواره الفني، وكان يحيى الفخراني من بينهم إلى جانب أسماء مثل صلاح السعدني وصفية العمري وأسامة أنور عكاشة ومحمد فاضل. وهذه الشهادة تضع الفخراني ضمن مجموعة الأساتذة الذين تركوا أثراً في تكوين النبوي الفني.

لكن تجربة النبوي تحمل بصمتها الخاصة، فهو لم يعتمد على أسلوب واحد في الأداء، وإنما قدم شخصيات متنوعة في السينما والدراما والمسرح، ولذلك فإن علاقته بالفخراني تأتي من باب الاستفادة والتأثر بتجربة أستاذ كبير، وليس باعتباره تلميذاً مباشراً سار على طريقة واحدة بعينها.

ياسر جلال.. درس في فن التمثيل

ويأتي الفنان ياسر جلال ضمن الفنانين الذين يلتقون مع الفخراني في الاهتمام بالتفاصيل الداخلية والخارجية للشخصية، فهو يهتم عند تحضير أدواره بطريقة المشي، والصوت، والحركة، والعلاقات، وكل ما يمكن أن يمنح الشخصية هوية مختلفة عن صاحبها الحقيقي.

وتزداد أهمية هذه المقارنة مع تقدير ياسر جلال لتجربة الفخراني المسرحية، خصوصاً «الملك لير»، الذي وصفه باعتباره درساً في فن التمثيل. وهنا يصبح تأثير الفخراني أوسع من مجرد علاقة بين ممثلين؛ فالممثل الكبير يتحول إلى تجربة يتعلم منها أبناء أجيال لاحقة بمجرد مشاهدة طريقة تعامله مع الشخصية.

هل كل من تأثر بالفخراني أصبح تلميذاً له؟

الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة؛ فهناك فرق بين التلميذ الذي تعلم مباشرة من الفنان، وبين ممثل تأثر بتجربته وبين فنان تتقاطع أدواته مع فلسفته في الأداء. ولهذا تأتي ريهام عبدالغفور في مقدمة الحالات المباشرة، بينما ينتمي أحمد السقا وخالد النبوي إلى دائرة الفنانين الذين تحدثوا عن استفادتهم من تجربته.

أما فتحي عبدالوهاب وخالد الصاوي وحمزة العيلي وياسر جلال، فتظهر المقارنة معهم في طريقة بناء الشخصية والسهل الممتنع وإخفاء الحرفة داخل الأداء. وهذا التصنيف يحافظ على قيمة مدرسة الفخراني من دون أن يحول كل ممثل يشيد به أو يتقاطع معه في طريقة الأداء إلى «تلميذ» بالمعنى الحرفي.

مدرسة لا تصنع نسخاً من صاحبها

وفي النهاية، تظل أهم علامة في مدرسة يحيى الفخراني أنها لا تقوم على التقليد، فالتلميذ الحقيقي لا يصبح نسخة من أستاذه، وإنما يتعلم منه كيف يبحث عن صوته الخاص. وهذا ما يجعل تأثير الفخراني مستمراً؛ فكل فنان اقترب من تجربته خرج منها بأداة أو فكرة أو طريقة في قراءة الشخصية، ثم مزجها بتكوينه الخاص.

وربما هنا تكمن قيمة يحيى الفخراني الحقيقية كأحد أساتذة التمثيل المصري؛ فالأثر الذي يتركه الفنان لا يقاس فقط بعدد الجوائز أو الأعمال الناجحة، وإنما بعدد الفنانين الذين جعلهم يعيدون النظر في مهنتهم، ويدركون أن أعظم لحظات الأداء هي التي ينسى فيها المشاهد وجود الممثل، ويرى الشخصية وحدها.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً