أكد هاشم عقل، خبير شؤون الطاقة من عمّان، أن أزمة الطاقة التي تواجهها أوروبا حاليًا تختلف عن أزمة عام 2022، موضحًا أن أوروبا كانت قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية تعتمد على الغاز الروسي الذي كان يصل إليها عبر الأنابيب بأسعار منخفضة، قبل أن تتجه إلى الولايات المتحدة وقطر لتوفير احتياجاتها من الغاز.
صدمات إمدادات الغاز الطبيعي المسال تضغط على أوروبا
وأوضح خبير شؤون الطاقة، خلال مداخلة هاتفية قبل قليل بقناة القاهرة الإخبارية، أن الأزمة الحالية تتمثل في صدمات بإمدادات الغاز الطبيعي المسال، مشيرًا إلى أن الغاز الطبيعي يمثل الوقود الرئيسي المرجعي لتحديد أسعار الكهرباء في السوق الأوروبية، وهو ما انعكس سلبًا على أسعار الطاقة.
وأضاف أن التوترات الميدانية في الشرق الأوسط، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب المخاوف من تعطل الملاحة في باب المندب، أدت إلى زيادة الاعتماد الأوروبي على الغاز الجزائري والنيجيري والأمريكي.
وأشار إلى أن الغاز الأمريكي أعلى تكلفة مقارنة بالغاز الروسي الذي كان يصل عبر الأنابيب، نتيجة ارتفاع تكلفة نقله من الولايات المتحدة إلى السوق الأوروبية، فضلًا عن عدم تمتع الإمدادات الأمريكية بالقدر نفسه من الاستقرار، مستشهدًا بما حدث خلال الشتاء الماضي، عندما تعرضت الولايات المتحدة لموجات برد قارس أدت إلى توقف تصدير الغاز إلى أوروبا، ما تسبب في معاناة أوروبية من نقص كبير في الغاز.
عجز المخزونات الأوروبية يهدد الشتاء المقبل
وأكد عقل أن العجز في المخزونات الأوروبية وصل حاليًا إلى نحو 67%، في حين كان من المفترض أن تصل المخزونات في هذه الفترة إلى نحو 91%، معتبرًا أن هذا الانخفاض القياسي يزيد صعوبة مواجهة الشتاء المقبل، خاصة مع احتمالية أن يكون الشتاء قارسًا، ما يجعل إعادة ملء الخزانات قبل موجات البرد أمرًا صعبًا.
ولفت إلى تراجع التوليد الكهربائي من السدود المائية بسبب قلة تراكم الثلوج خلال المواسم الماضية، ما أدى إلى تقليص الاعتماد على الطاقة الكهرومائية، التي وصفها بأنها طاقة رخيصة ومنخفضة التكلفة مقارنة بالغاز الطبيعي المسال.
وأشار إلى ارتفاع أسعار شهادات الكربون التي تُباع في أوروبا للصناعات الثقيلة، موضحًا أن سعرها وصل إلى نحو 88 يورو، وهو ما يفرض تكلفة إضافية على محطات توليد الكهرباء، خاصة التي تستخدم الفحم وقودًا.
وقال عقل إن الشتاء المقبل قد يشهد زيادة في أسعار الطاقة تتراوح بين 15 و20%، مشيرًا إلى أن الأوروبيين لم يكونوا محظوظين فيما يتعلق بالسدود المائية أو الطاقة المتجددة.
وأوضح أن طاقة الشمس والرياح شهدت فجوات في التوليد بسبب البرودة وهدوء الرياح، ما أدى إلى انخفاض إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، مضيفًا أن ضريبة الكربون المرتفعة والالتزام بمقررات مؤتمر باريس للمناخ يزيدان الضغوط على قطاع الطاقة الأوروبي.
منافسة على شحنات الغاز في الأسواق الفورية
وأكد أن الحاجة أصبحت أكبر إلى الغاز من أي مصدر في ظل محدودية الخيارات، مشيرًا إلى وجود منافسة شرسة بين دول شرق آسيا والدول الأوروبية على الأسواق الفورية لشحنات الغاز، بحيث تستطيع الدول التي تدفع أكثر شراء الشحنات.
وأضاف أن ارتفاع القدرة الشرائية لدى بعض الدول لشراء الغاز يأتي على حساب الدول النامية والفقيرة التي لا تستطيع المنافسة، معتبرًا أن جميع الأسباب اجتمعت في وقت واحد للضغط على سياسة الطاقة الأوروبية، وقد يؤدي ذلك إلى شتاء صعب إذا لم يتم التوصل إلى حل.
وأوضح عقل أن ما يسمى بهيكلية السعر المقلوب يتمثل في تداول عقود الكهرباء الشتوية القريبة بقسط إضافي قد يصل إلى 20% مقارنة بالأعوام المقبلة.
وأشار إلى وجود توقعات بأن تشهد أسعار الطاقة انخفاضًا في عام 2027 وأن تعود الإمدادات إلى طبيعتها، إلا أن الدول الأوروبية لا تتعامل مع هذه التوقعات باعتبارها أمرًا مضمونًا، موضحًا أن دولًا مثل إيطاليا وألمانيا، التي تعتمد بشكل كبير على الغاز، لديها مخاوف كبيرة بشأن الإمدادات.
وأكد أن هناك تباينًا في حجم الضغط على بنية الغاز واستهلاكه من دولة إلى أخرى، لافتًا إلى أن إيطاليا وألمانيا، باعتبارهما دولتين صناعيتين بالدرجة الأولى، تتعرضان لضغط كبير بسبب الاعتماد الأساسي على الغاز في توليد الكهرباء.
وأضاف أن الصناعات كثيفة استهلاك الكهرباء قد تضطر إلى تقنين الإنتاج أو التوقف في بعض الأحيان بسبب نقص الطاقة الكهربائية، أو تقليص عمليات التشغيل، وهو ما يؤثر على الإنتاج الصناعي والنمو الاقتصادي.
مخاوف من عودة التضخم وارتفاع فواتير الأسر
وحذر عقل من خطر عودة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة فواتير الأسر، مشيرًا إلى أن فواتير الأسر قد ترتفع أيضًا بنسبة تتراوح بين 15 و20%، ما يضعف القوة الشرائية ويقلل الاستهلاك.
وأشار عقل إلى أن البنك الأوروبي كان من أوائل الجهات التي رفعت الفائدة بواقع 25 نقطة في 10 سبتمبر، بسبب موجات التضخم التي تشهدها الدول الأوروبية، مؤكدًا أن مشكلة الطاقة أصبحت عنصرًا أساسيًا في ارتفاع التضخم داخل الدول الأوروبية.
وأضاف أن الدول الأوروبية تواجه ضغطًا اقتصاديًا آخر يتمثل في توفير مساعدات مالية ضخمة لتمويل الحرب الروسية الأوكرانية، معتبرًا أن ذلك يمثل عنصرًا إضافيًا للضغط على الاقتصاد الأوروبي بشكل عام.
وقال إن ألمانيا بشكل خاص تشهد حالات إفلاس وصلت إلى 100 ألف شركة، إلى جانب تراجع النمو الاقتصادي والصادرات وارتفاع تكلفة الطاقة على الاقتصاد والمواطنين الألمان، وهو ما يهيئ، بحسب تقديره، الأرضية لارتفاع معدلات التضخم.
وأكد عقل أن الطاقة المتجددة لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر رئيسي للطاقة، موضحًا أنها يمكن أن تسهم في تخفيف نسبة الاعتماد على الغاز، لكن الاعتماد عليها بشكل كامل غير ممكن.
وأوضح أن أحد أسباب ذلك هو عدم توافر قدرات التخزين الكافية، مشيرًا إلى أن الطاقة الشمسية التي يتم توليدها خلال النهار لا يمكن الاستفادة منها ليلًا دون بطاريات تخزين، وهذه التكنولوجيا لا تزال في بداياتها وتحتاج إلى سنوات للوصول إلى سعة تخزينية مرتفعة يمكن الاستفادة منها على نطاق واسع.
وأضاف أن موجة الحر الشديدة التي ضربت أوروبا لم تؤدِ إلى إنتاج كهربائي مرتفع من الطاقة الشمسية، موضحًا أن درجات الحرارة المثالية لتوليد أكبر كمية من الطاقة الشمسية تتراوح بين 23 و27 درجة، بينما تجاوزت درجات الحرارة في الصيف الأوروبي 40 درجة، ما أدى إلى أداء متذبذب وتقلب في الإنتاج.
ارتفاع الحرارة يؤثر على مصادر توليد الكهرباء
وأوضح عقل أن لكل مصدر من مصادر الطاقة ظروفًا مثالية لتوليد الكهرباء، سواء الغاز أو الطاقة النووية أو الفحم الحجري أو طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، مؤكدًا أن ارتفاع درجات الحرارة أو تغير الظروف الجوية يؤثر على مستويات الإنتاج.
وأشار إلى أن ألمانيا أوقفت بشكل كامل استخدام محطات الطاقة النووية، ما دفعها إلى الاتجاه إلى بدائل أخرى، موضحًا أن إعادة تشغيل المحطات المتوقفة قد تحتاج إلى فترات صيانة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام.
وأضاف أن ألمانيا لجأت إلى بناء محطات لتسييل الغاز في الموانئ الألمانية لاستقبال الغاز المسال وإعادته إلى حالته الطبيعية على شكل غاز ثم نقله إلى مواقع الاستهلاك.
وقال عقل إن نقطة البداية تعود إلى عام 2022 وما قبله، عندما كانت الطاقة والغاز والبترول تصل إلى أوروبا عبر الأنابيب بتكلفة منخفضة جدًا، وهو ما ساهم، بحسب تقديره، في ازدهار الصناعة والاقتصاد الأوروبي.
وأوضح أن المنافس الأول لأوروبا حاليًا هو الصين، معتبرًا أن حصولها على طاقة رخيصة من روسيا، سواء الغاز أو البترول، وبخصومات مرتفعة، ساهم في خفض تكلفة منتجاتها الصناعية وزيادة انتشارها في الأسواق العالمية، وخاصة الأوروبية.
وأشار إلى أن هذا الأمر يظهر بشكل واضح في صناعة السيارات التي تعاني من كساد كبير في ألمانيا، مقابل انتشار الصناعة الصينية في معظم دول العالم، ومن بينها مصر والأردن.
وأوضح عقل أن أوروبا لم يكن لديها، بحسب تقديره، البعد الكافي للنظر إلى تطورات أزمة الطاقة على المدى البعيد، مشيرًا إلى أنه مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 بدأت ملامح الأزمة تظهر بشكل واضح بعد انقطاع إمدادات الطاقة الروسية.
وقال إن أوروبا بدأت في ذلك الوقت تنفيذ مشروعات للطاقة المتجددة والاستثمار خارج القارة للتنقيب عن الغاز، خاصة في الجزائر ونيجيريا ودول أخرى، إلى جانب مشروعات لمد أنابيب الغاز من وسط إفريقيا إلى الدول الأوروبية.
وأضاف أن هذه المشروعات تعطلت مع تراجع أسعار النفط، موضحًا أن سعر برميل البترول قبل 28 فبراير كان يتراوح بين 68 و71 دولارًا، وهو سعر اعتبره جيدًا ومقبولًا، ما أدى، بحسب تقديره، إلى تراجع الحماس للاستثمار في مشروعات الغاز والطاقة المتجددة.
وأشار عقل إلى أن الأوروبيين تفاجأوا بأزمة الخليج العربي، بعدما كانوا يعتمدون على الغاز القطري باعتباره منقذًا لأوروبا، لكن انقطاع الغاز القطري وضعهم أمام واقع وجود نقص كبير في الطاقة، وخاصة الغاز الذي يعتمد عليه بشكل أساسي في الصناعة والحياة العامة.
وأكد أن الاقتصاد الألماني يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز، معتبرًا أن انخفاض أسعار البترول دفع الأوروبيين إلى التباطؤ في الاستثمار في مد أنابيب الغاز أو التحول إلى مشروعات الطاقة المتجددة، قبل أن تظهر صعوبة توفير الإمدادات وتعود أزمة الطاقة للضغط بقوة على الاقتصاد الأوروبي.