شهدت فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر عرض أفلام برنامج «ما بعد»، أعقبه نقاش جمع المونتيرة سارة عبدالله، ومحمد حماد، والدكتور هشام، وأدارته جهاد حسام الدين، التي ربطت بين الأفلام وثيمة المهرجان «بره المشهد»، وما تطرحه من أسئلة حول علاقة الإنسان بالمساحة العامة وتأثير المحيط فيه.
وتوقف الدكتور هشام أمام ما حملته الأفلام من صور للغضب والخوف والفقد وما يمكن أن تتركه الضغوط والصدمات في نفس الإنسان، مشيراً إلى تناول بعض الأعمال لمآسي الأطفال، ومن بينهم النازحون الذين قد يجدون أنفسهم في سن صغيرة أمام مسؤوليات تفوق قدرتهم مؤكداً أن هذه التجارب قد تؤثر في نموهم النفسي.
كيف يتعامل الطفل مع التجارب القاسية؟
وأوضح الدكتور هشام أن الأبحاث أثبتت وجود تغيرات حقيقية في المخ نتيجة التعرض للصدمات، لافتاً إلى أن الطفل الذي يعيش وسط مشاهد قاسية بصورة مستمرة قد يصل إلى حالة من التبلد، ويصبح أقل قدرة على التفاعل مع الآخرين كما يمكن أن يؤدي الضغط المتكرر إلى نوع من الانفصال النفسي أو ظهور سلوك عنيف.
التكيف لا يعني فقدان الإنسان لهويته
ورفض الدكتور هشام فكرة أن يذوب الإنسان بالكامل في البيئة المحيطة به، مؤكدًا أن الإنسان يتعلم من تجاربه ويكتسب مهارات وخبرات جديدة، ويمكنه أن يتطور دون أن يفقد شخصيته، مشيرًا إلى أن بناء كيان مستقل داخل البيئة التي يعيش فيها يمثل جزءًا مهمًا من القدرة على الاستمرار والتقدم.

محمد حماد: ما نخفيه يوسع خيال المشاهد
وانتقل الحوار إلى المعالجة السينمائية حيث أوضح محمد حماد أن الأفلام التي عرضت يجمع بينها الاهتمام بما يظهر أمام الكاميرا وما يظل خارجها، مشيراً إلى أن بعض الشخصيات قد لا يراها المشاهد، لكنه يشعر بحضورها وتأثيرها في الأحداث وهو ما يمنح الحكاية بعدًا إضافيًا ويتيح للمتلقي بناء تفسيره الخاص.
لماذا يعتمد بعض صناع الأفلام على الإيحاء؟
وأشار "حماد" إلى أن ترك بعض التفاصيل خارج الصورة يمكن أن يكون اختياراً فنياً أكثر قوة، لأنه لا يفرض معنى واحداً على الجمهور وإنما يفتح المجال أمام الخيال والتأويل،موضحاً أن فيلم «القمع» قدم نموذجاً لهذا الأسلوب من خلال التعامل مع العلاقة بين السائس والبطل بطريقة غير مباشرة، وهو ما اعتبره أحد عناصر ذكاء الفيلم.
سارة عبدالله: المونتاج جزء من حكاية الفيلم
وتحدثت المونتيرة سارة عبدالله عن علاقتها بالمونتاج، مؤكدة أن اهتمامها به لم يبدأ من فكرة تقطيع المشاهد وإنما من حبها للسرد وحكي الحكايات، موضحة أن المونتاج لا يمكن فصله عن الفيلم، وأن أول ما يشغلها هو فهم الحكاية التي يريد العمل تقديمها، ثم البحث عن أفضل طريقة لبنائها.
كيف يصنع المونتاج مشاعر المشاهد؟
وأوضحت سارة أن التعامل مع الشخصيات وتفاصيل أدائها يفتح أمام المونتير مساحات مختلفة للخيال والاختيار، مشيرة إلى أن أحد برامج المهرجان تناول علاقة الإنسان بالمكان ورحلة البحث عنه، والتي تحولت في الوقت نفسه إلى رحلة لاكتشاف الذات، كما أشادت بالحالة التأملية التي قدمها فيلم منال عيسى وبجرأته في طريقة السرد.
التواصل الإنساني يساعد على تجاوز الصدمات
وعاد الدكتور هشام للحديث عن التعامل مع الضغوط، مؤكداً أن الأزمة يمكن أن تتحول أحياناً إلى فرصة للتطور، بشرط وجود شبكة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية الداعمة، وشخص يستطيع الإنسان اللجوء إليه والتعبير أمامه عما بداخله، موضحاً أن هذا التواصل يساعد الجهاز العصبي على استعادة قدرته على مواجهة الضغوط.
النزوح يختلف عن الضغوط الاجتماعية
وحول الفارق بين صدمة النزوح والضغوط الاجتماعية المستمرة مثل التنمر، أوضح الدكتور هشام أن النزوح يمثل صدمة كبيرة، بينما يحتاج التعامل مع الضغوط الاجتماعية المتواصلة إلى آليات مختلفة، مشيراً إلى أهمية شرب المياه، وممارسة أنشطة غير مؤذية مثل الاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة الأفلام، إلى جانب وجود صحبة داعمة تعزز الإحساس بالانتماء.
محمد حماد: السينما تطرح الأسئلة ولا تقدم الإجابات
وتحدث حماد عن قدرة السينما على تغيير نظرة الجمهور إلى الأماكن العامة، مؤكداً أن دورها لا يتمثل في تقديم إجابات جاهزة، وإنما في طرح الأسئلة، مشيراً إلى أن فيلم منال عيسى كان بالنسبة إليه تجسيداً واضحاً لفكرة «ما وراء المشهد»، وأن محادثة هاتفية واحدة داخل الفيلم استطاعت فتح احتمالات متعددة للحكاية والمشاعر.

علاقة المشاهد بالفيلم تبدأ من الإحساس
وأوضح حماد أن السينما تقوم في جانب كبير منها على التأثير والمشاعر، لافتاً إلى أن الفيلم يمكن أن يطرح تساؤلات كثيرة في وقت واحد، ويمنح الجمهور مساحات مختلفة للتفاعل معه، مشيراً إلى أنه شعر بوجود علاقة مع فريق العمل من خلال أحد المشاهد، وهو ما يعكس قدرة السينما على خلق روابط تتجاوز الأحداث المباشرة.
المونتير يكتشف الشخصيات أثناء العمل
وتطرقت سارة عبدالله إلى مساحة الخيال التي يمنحها المونتاج لصانع الفيلم، موضحة أن المرحلة الأولى تبدأ بفهم موضوع العمل وما يريد قوله، ثم تأتي مرحلة الانتباه إلى التفاصيل والشخصيات، مشيرة إلى أن أداء الممثل قد يدفع المونتير إلى اكتشاف مشاعر ومعانٍ جديدة، وهو ما يجعل صناعة الأفلام تجربة مختلفة عن مجرد مشاهدتها.
أين تكمن أزمة الأفلام القصيرة في مصر؟
وفي ختام النقاش، تحدث محمد حماد عن واقع الأفلام القصيرة في مصر مؤكداً أن المشكلة الأساسية ليست في الإنتاج، إذ تشهد مصر إنتاج عدد كبير من هذه الأعمال وإنما في التوزيع، موضحاً أن احتكار التوزيع وتركز الاهتمام على الأفلام التجارية يقللان من فرص وصول الأفلام القصيرة إلى الجمهور، وأن الاهتمام بتوزيعها يمكن أن يغير المشهد.