كشف تحليل أعده «مرصد الذهب» عن تحول لافت في أنماط الطلب داخل سوق الذهب المصرية، مع صعود عيار 24، الذي ترتبط به السبائك الذهبية بصورة أساسية، على حساب جزء من المكانة التاريخية التي احتفظ بها عيار 21 لسنوات طويلة.
ويعكس هذا التغير تحول الذهب تدريجيًا من منتج يجمع بين الاستخدام للزينة والادخار إلى أداة استثمارية قائمة بذاتها، يلجأ إليها المستهلك بهدف الحفاظ على قيمة مدخراته في مواجهة تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.
سوق الذهب في مصر ينقسم إلى مسارين
ولا يعني صعود الطلب على عيار 24 اختفاء عيار 21 من سوق الذهب، إذ لا يزال الأخير الأكثر ارتباطًا بالمشغولات والحُلي، خاصة في القرى والأقاليم.
لكن السوق بات يتحرك وفق مسارين واضحين؛ الأول تقليدي يعتمد على شراء المشغولات الذهبية عيار 21 للزينة والادخار والمناسبات، والثاني استثماري يتزايد فيه الإقبال على سبائك الذهب عيار 24.
وتتمتع السبائك بعدة عوامل تجعلها أكثر جاذبية للمستثمر، من بينها ارتفاع درجة النقاء وانخفاض تكلفة المصنعية نسبيًا مقارنة بالمشغولات، فضلًا عن سهولة تحديد قيمتها عند إعادة البيع واحتساب العائد الاستثماري.
لماذا حافظ عيار 21 على صدارته لسنوات؟
قال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن عيار 21 تمكن من ترسيخ مكانته في سوق الصاغة المصرية لأنه جمع بين 3 استخدامات رئيسية؛ الزينة والادخار وإمكانية تحويل الذهب إلى سيولة بسهولة.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الذهب وتراجع القوة الشرائية للجنيه المصري أديا تدريجيًا إلى الفصل بين هذه الاستخدامات، فأصبح المستهلك يميل إلى شراء المشغولات عندما يكون الهدف هو الزينة، بينما يختار السبائك عند البحث عن وسيلة للاستثمار والاحتفاظ بالقيمة.
عيار 21.. ذهب للزينة والادخار
يحتوي الذهب عيار 21 على نحو 87.5% من الذهب الخالص، بينما تمنحه المعادن الأخرى الداخلة في تكوينه صلابة أكبر وقدرة أعلى على تحمل الاستخدام اليومي مقارنة بعيار 24.
ولهذا ارتبط عيار 21 على مدار سنوات بعادات اجتماعية واقتصادية راسخة، مثل الشبكة وتجهيز العرائس والهدايا والمناسبات.
كما عززت سهولة تداوله وانتشاره داخل محال الصاغة وثقة المستهلك في إمكانية إعادة بيعه من مكانته، خصوصًا لدى المشترين الذين يركزون على وزن المشغول ونسبة الذهب فيه عند اتخاذ قرار الشراء.
إلا أن هذه المعادلة كانت قائمة في سوق يمثل فيه شراء المشغولات وسيلة للادخار إلى جانب استخدامها للزينة، قبل أن تؤدي المتغيرات الاقتصادية وتقلبات سعر الصرف إلى ظهور طلب استثماري أكثر استقلالًا يبحث عن الذهب في صورته الأقرب إلى المعدن الخام.
سعر الصرف غيّر طريقة تعامل المصريين مع الذهب
تسارع التحول في سلوك المستهلك مع التغيرات الحادة في سعر الصرف منذ مارس 2022، عندما كان الدولار يدور حول مستوى 15.7 جنيه، قبل أن تتوالى تحركات سعر العملة حتى وصل السعر الرسمي إلى نحو 30.85 جنيه قبل قرار مارس 2024.
ومع قرار السادس من مارس 2024، الذي استهدف الانتقال إلى سعر صرف تحدده آليات السوق، ارتفع الدولار إلى مستويات قاربت 50 جنيهًا.
وأصبح سعر الذهب في السوق المصرية منذ ذلك الحين مرتبطًا بصورة مباشرة بعاملين أساسيين: حركة سعر الأوقية عالميًا وسعر صرف الجنيه أمام الدولار.
وبالتالي، لم يعد ارتفاع أسعار الذهب محليًا مرتبطًا فقط بتغيرات الأسواق العالمية، بل أصبح أيضًا انعكاسًا لتغير القوة الشرائية للجنيه.
مع ارتفاع أسعار الذهب، تغيرت أولويات شريحة من المشترين داخل سوق الصاغة؛ فبدلًا من شراء مشغول يجمع بين الاستخدام الشخصي والاحتفاظ بالقيمة، أصبح التركيز أكبر على المنتج الذي يحتاج إلى مصنعية أقل ويتميز بسهولة إعادة البيع ووضوح حساب العائد.
وفي هذا السياق، تحولت السبائك الذهبية تدريجيًا من منتج كان يتركز في أيدي التجار وكبار المدخرين إلى أداة استثمارية أكثر انتشارًا بين شرائح مختلفة من المستهلكين.
وساعد طرح السبائك بأوزان صغيرة، تبدأ من أجزاء الجرام والجرام، في خفض قيمة المبلغ المطلوب للدخول إلى سوق الاستثمار في الذهب.
السبائك الذهبية تتقدم في خريطة الطلب
وتوضح بيانات مجلس الذهب العالمي حجم التغير الذي شهدته السوق المصرية خلال السنوات الماضية.
ففي عام 2020 بلغ الطلب على المشغولات الذهبية نحو 21.1 طن، مقابل قرابة طنين للسبائك والعملات الذهبية.
وفي 2021 ارتفع الطلب على المشغولات إلى 31.4 طن، في حين سجل الطلب على السبائك والعملات نحو 2.4 طن فقط، لتستحوذ المشغولات في ذلك الوقت على أكثر من 90% من الطلب المرصود.
لكن الصورة بدأت في التغير بوضوح خلال 2022، بالتزامن مع انخفاض قيمة الجنيه، حيث ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية إلى 19.2 طن، مقابل 32.3 طنًا للمشغولات.
وأشار مجلس الذهب العالمي آنذاك إلى أن خفض قيمة الجنيه في مارس وأكتوبر عزز الإقبال على الذهب باعتباره وسيلة للتحوط من التضخم والحفاظ على قيمة المدخرات.
2023.. الطلب الاستثماري يتجاوز المشغولات لأول مرة
شهد عام 2023 نقطة تحول مهمة، بعدما تجاوز الطلب على السبائك والعملات الذهبية نظيره على المشغولات للمرة الأولى.
وسجل الطلب الاستثماري نحو 30.3 طن، مقابل 26.7 طن للمشغولات، ليصبح الاستثمار في الذهب المحرك الأكبر للطلب داخل السوق المصرية خلال ذلك العام.
ووصف مجلس الذهب العالمي السوق المصرية بأنها صاحبة النصيب الأكبر من نمو الطلب الإقليمي على السبائك والعملات الذهبية خلال 2023.
واستمر تقارب المسارين خلال 2024، عندما بلغ الطلب على المشغولات نحو 26.1 طن، مقابل 24 طنًا للسبائك والعملات.
وفي 2025 عادت المنتجات الاستثمارية إلى تسجيل حصة أكبر، بعدما بلغ الطلب عليها 23.6 طن، مقابل 21.5 طن للمشغولات.
ازدادت الصورة وضوحًا خلال النصف الأول من 2026، بعدما وصلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية إلى نحو 11.93 طن، بما يمثل 54.3% من إجمالي الطلب المرصود.
في المقابل، سجل الطلب على المشغولات نحو 10.05 طن، بحصة بلغت 45.7%.
وتكشف هذه الأرقام أن سوق الذهب المصرية لم تشهد بالضرورة انخفاضًا عامًا في اهتمام المستهلكين بالمعدن النفيس، وإنما شهدت إعادة توزيع للطلب بين المشغولات والمنتجات الاستثمارية.
ففي 2021 كانت مشتريات المشغولات تعادل نحو 13 ضعف الطلب على السبائك والعملات، بينما أصبحت المنتجات الاستثمارية بعد خمس سنوات صاحبة الحصة الأكبر.
إنتاج الذهب يعكس صعود عيار 24
ورغم أن بيانات مجلس الذهب العالمي تقدم مؤشرًا مهمًا على اتجاهات الطلب، فإنها لا تمثل حصرًا كاملًا للمبيعات والإنتاج والتصنيع وإعادة تدوير الذهب داخل السوق المصرية.
كما تجمع بيانات المجلس بين السبائك والعملات الذهبية في فئة واحدة، في حين أن السبائك يتم تصنيعها بشكل أساسي من عيار 24، بينما تنتشر الجنيهات الذهبية في السوق المصرية غالبًا من عيار 21.
وبحسب متابعات «مرصد الذهب» لحركة الإنتاج والطلب داخل سوق الصاغة، فإن الجزء الأكبر من الطلب الاستثماري الفعلي يتركز في سبائك الذهب عيار 24 أكثر من الجنيهات الذهبية.
ويظهر ذلك في توسع الشركات والمصانع في طرح سبائك بأوزان متنوعة، تبدأ من ربع جرام ونصف جرام وجرام، وتمتد إلى أوزان 5 و10 جرامات والأوزان الأكبر، لتناسب شرائح مختلفة من المستثمرين.
في المقابل، تتركز العملات الذهبية بصورة أكبر في أوزان ربع جنيه ونصف جنيه وجنيه ذهب.
ولا يمثل هذا الرصد حصرًا إحصائيًا شاملًا لإنتاج سوق الذهب المصرية، لكنه يقدم مؤشرًا نوعيًا على الاتجاه المتزايد نحو الاستثمار في السبائك، وصعود عيار 24 داخل خريطة الطلب.