21 % تراجعًا في الطلب.. لماذا لم يتراجع الإنفاق العالمي على المجوهرات؟

صوت |
الخميس 13/08/2026 01:18 م
21 % تراجعًا في الطلب.. لماذا لم يتراجع الإنفاق العالمي على المجوهرات؟
الذهب

أكد «مرصد الذهب» المتخصص في متابعة أسواق وتحركات المعدن النفيس أن الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب لم تعد تقتصر آثارها على انخفاض كميات المشغولات المباعة، بل بدأت تغير شكل صناعة المجوهرات نفسها، من التصميم والأوزان إلى أساليب التصنيع والتسويق، وصولًا إلى الطريقة التي يحدد بها المستهلك قراره الشرائي.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن استمرار أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة دفع مصانع وشركات المجوهرات في عدد من الأسواق العالمية إلى ابتكار تصميمات تمنح القطعة مظهرًا كبيرًا وجذابًا مع استخدام كميات أقل من الذهب، بهدف الحفاظ على قدرة المستهلك على الشراء دون التخلي عن القيمة الجمالية والاجتماعية للمجوهرات.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار لم يقضِ على الطلب على الذهب، لكنه دفع المستهلكين والمصنعين إلى إعادة النظر في أولوياتهم، مع زيادة الإقبال على المشغولات خفيفة الوزن والتصميمات العملية، بالتزامن مع استمرار الذهب في أداء دوره كوسيلة للزينة والاحتفاظ بالقيمة.

الطلب العالمي على المجوهرات يتراجع والإنفاق يرتفع

تكشف بيانات مجلس الذهب العالمي عن مفارقة واضحة في سوق المجوهرات خلال النصف الأول من عام 2026، إذ انخفض حجم الطلب العالمي على المشغولات الذهبية إلى نحو 577.9 طن، مقارنة مع 728.9 طن خلال الفترة نفسها من 2025، بتراجع سنوي يقارب 21%.

وفي المقابل، ارتفعت القيمة الإجمالية للإنفاق العالمي على المجوهرات الذهبية إلى نحو 86 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 71 مليار دولار خلال الفترة المقارنة من العام الماضي، بزيادة بلغت نحو 22%.

وظهرت هذه الفجوة منذ الربع الأول من العام، عندما تراجع حجم الطلب على المجوهرات بنسبة 23% إلى نحو 299.7 طن، بينما قفزت قيمة الإنفاق بنسبة 31% إلى قرابة 47 مليار دولار، وهو أعلى مستوى إنفاق يسجل خلال أي ربع أول.

وتوضح هذه البيانات أن ارتفاع سعر الذهب دفع المستهلك إلى شراء كميات أقل من المعدن مع استمرار تخصيص مبالغ كبيرة لاقتناء المجوهرات.

ارتفاع قيمة المبيعات لا يعني زيادة الطلب

أوضح وليد فاروق أن هناك ضرورة للتمييز بين ارتفاع قيمة مبيعات المجوهرات وبين نمو الطلب الفعلي على الذهب، إذ يمكن أن ترتفع إيرادات الشركات نتيجة زيادة سعر جرام الذهب ومتوسط قيمة الفاتورة، في الوقت الذي تنخفض فيه كمية المشغولات التي يشتريها المستهلكون.

وبالتالي فإن ارتفاع قيمة السوق لا يعكس بالضرورة زيادة في الأطنان المباعة، وهو ما يفسر جانبًا من التباين الحالي بين الإنفاق العالمي على المجوهرات وحجم الذهب المستخدم في تصنيعها.

ميزانية المستهلك أصبحت تحدد وزن الذهب

من أبرز التغيرات التي فرضتها الأسعار المرتفعة تحول طريقة اتخاذ قرار شراء المجوهرات، فبينما كان المستهلك في السابق يبدأ باختيار القطعة والوزن ثم يحسب تكلفتها، أصبحت الميزانية المتاحة هي نقطة البداية بالنسبة إلى عدد أكبر من المشترين.

ويحدد المستهلك المبلغ الذي يستطيع إنفاقه أولًا، ثم يبحث عن التصميم والوزن المناسبين داخل حدود هذه الميزانية.

وقال فاروق إن المستهلك لم يعد يبحث بالضرورة عن وزن معين، وإنما يريد الحصول على أفضل تصميم ممكن بالمبلغ الذي يستطيع دفعه، ولذلك قد يختار خاتمًا أو سلسلة أو سوارًا بوزن أقل مقارنة بما كان يشتريه سابقًا.

صناعة المجوهرات تبحث عن وزن أقل وشكل أكبر

دفعت تكلفة الذهب المرتفعة مصانع المجوهرات إلى إعادة تصميم منتجاتها بهدف تقليل كمية المعدن المستخدمة مع الحفاظ على الشكل الخارجي والجاذبية البصرية للقطعة.

وتشمل الاتجاهات الجديدة زيادة الاعتماد على التصميمات المجوفة والمفرغة وتقليل سماكة بعض الأجزاء وإعادة توزيع الذهب داخل المشغولة، إلى جانب الاستفادة من تقنيات تصنيع تساعد على إنتاج قطع تبدو كبيرة نسبيًا رغم انخفاض وزنها.

وأصبحت المعادلة التي تبحث عنها الصناعة تقوم على تحقيق التوازن بين التصميم والمتانة والوزن والسعر، بدلًا من الاعتماد على كمية الذهب باعتبارها العامل الأساسي في تحديد قيمة المشغولة.

يرى «مرصد الذهب» أن الاتجاه نحو تخفيف أوزان المشغولات قد لا يكون مجرد استجابة مؤقتة لارتفاع الأسعار، إذ يمكن أن يتحول إلى نمط مستمر إذا حافظ الذهب على مستوياته المرتفعة.

وتدعم هذا الاتجاه تغيرات أذواق المستهلكين، خصوصًا بين الأجيال الأصغر، مع تزايد الاهتمام بالمجوهرات البسيطة والخفيفة التي يمكن ارتداؤها بصورة يومية.

لم تكن السوق المصرية بمنأى عن التغيرات التي يشهدها سوق الذهب عالميًا، إذ أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي انخفاض الطلب على المشغولات الذهبية في مصر خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 10 أطنان، مقابل 11.5 طن خلال الفترة نفسها من 2025، بتراجع سنوي يقارب 13%.

ويشير «مرصد الذهب» إلى أن انخفاض الطلب بالوزن لا يعني توقف المصريين عن شراء المشغولات، وإنما يعكس تحولًا في طبيعة الطلب، مع اتجاه شريحة من المستهلكين إلى شراء قطع أخف بما يتناسب مع ميزانياتهم.

الذهب في مصر بين الزينة والادخار

تتميز السوق المصرية بخصوصية مهمة، تتمثل في استخدام الذهب لأغراض الزينة والمناسبات من جهة، والاحتفاظ بالقيمة والادخار من جهة أخرى.

وأوضح فاروق أن ارتفاع الأسعار لا يلغي رغبة المستهلك في اقتناء الذهب، لكنه يدفعه إلى إعادة توزيع ميزانيته بين المشغولات الذهبية والسبائك والجنيهات التي تحظى بأهمية أكبر لدى الراغبين في الاستثمار والادخار.

مشغولات بوزن جرام واحد تجذب أصحاب الميزانيات المحدودة

تتضح ملامح التغير في أوزان المشغولات داخل السوق المصرية مع اتجاه المصانع والتجار إلى طرح قطع شديدة الخفة بهدف توفير خيارات تتناسب مع القدرات الشرائية المختلفة.

وشهد السوق المصري في فبراير 2026 طرح دبل من عيار 18 و21 بوزن يصل إلى جرام واحد، في محاولة لتقديم مشغولات ذهبية بأسعار أقل وتشجيع المستهلكين على مواصلة شراء الذهب رغم ارتفاع الأسعار.

وامتد الاتجاه إلى السلاسل والقطع الصغيرة والتصميمات خفيفة الوزن، لتلبية احتياجات المستهلك الذي يرغب في امتلاك الذهب والمجوهرات دون تخصيص ميزانية كبيرة.

وعالميًا، يرصد مجلس الذهب العالمي توجهًا مشابهًا في عدد من الأسواق، حيث يتجه المستهلكون إلى المشغولات الأصغر والأخف وزنًا مع استمرار ارتفاع أسعار المعدن النفيس.

تغيرت معايير المنافسة في سوق المجوهرات مع ارتفاع الأسعار، فلم يعد وزن الذهب وحده هو العنصر الأساسي في تقييم جاذبية القطعة، بل أصبح التصميم والحجم الظاهري والمتانة والقدرة على تقديم منتج جذاب باستخدام كمية أقل من الذهب عوامل رئيسية في المنافسة.

ويرى «مرصد الذهب» أن الوصول إلى أوزان منخفضة للغاية يمثل تحولًا مهمًا في صناعة المشغولات، حيث أصبحت قدرة المصنع على استغلال كمية محدودة من الذهب لإنتاج قطعة جذابة وقابلة للاستخدام عنصرًا أساسيًا في نجاح المنتج.

المشغولات تنافس السبائك والجنيهات على ميزانية المستهلك

لا تقتصر آثار ارتفاع أسعار الذهب على سوق المجوهرات، بل تمتد إلى العلاقة بين المشغولات والسبائك والجنيهات الذهبية، خاصة مع اختلاف أهداف المستهلكين.

فمن يشتري الذهب للزينة يهتم بالتصميم والشكل والجودة، وقد يكون مستعدًا لدفع تكلفة المصنعية للحصول على قطعة قابلة للارتداء، بينما يركز المستثمر أو المدخر بصورة أكبر على الوزن وسهولة إعادة البيع وتقليل المصنعية.

ومع ارتفاع الأسعار، أصبحت هذه الفروق أكثر وضوحًا، إذ يميل الباحث عن الادخار إلى السبائك والجنيهات، بينما يبحث مشتري المشغولات عن تصميم جذاب بوزن أقل وتكلفة تتناسب مع ميزانيته.

كما ساهم انتشار السبائك ذات الأوزان الصغيرة في إتاحة الادخار بالذهب أمام شرائح جديدة من المستهلكين، بعدما أصبح بالإمكان شراء كميات محدودة بصورة تدريجية بدلًا من تخصيص مبالغ كبيرة لشراء أوزان مرتفعة.

ارتفاع الأسعار يفتح فرصة أمام صناعة الذهب المصرية

يرى «مرصد الذهب» أن التغيرات الحالية تمثل تحديًا لصناعة المجوهرات المصرية، لكنها في الوقت نفسه تخلق فرصًا جديدة أمام المصانع لتطوير منتجات تتناسب مع الشرائح المختلفة من المستهلكين.

ويمكن للصناعة الاستفادة من الاتجاه نحو الأوزان الصغيرة والتصميمات الخفيفة وتطوير تقنيات تصنيع أكثر كفاءة في استخدام الذهب، بما يساعد على تقديم مشغولات تجمع بين السعر المناسب والجودة والجاذبية.

وأكد فاروق أن استمرار الأسعار المرتفعة سيجعل القدرة على إنتاج مشغولات ذات تصميم مميز ووزن مناسب ومتانة جيدة وسعر مقبول عاملًا أكثر أهمية في المنافسة خلال الفترة المقبلة.

كما يمكن لتطوير التصميم وتقنيات الإنتاج أن يعزز قدرة صناعة المجوهرات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية، خصوصًا أن التحديات الناتجة عن ارتفاع أسعار الذهب أصبحت ظاهرة عالمية.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً