الألماس المعملي.. سوق بمليارات الدولارات وتحديات سعرية تهدد المنتجين

صوت |
الثلاثاء 11/08/2026 12:24 م
الألماس المعملي.. سوق بمليارات الدولارات وتحديات سعرية تهدد المنتجين
الألماس المعملي

يشهد قطاع الألماس المعملي تحولًا لافتًا على مستوى الأسواق العالمية، بعدما تجاوز استخدامه نطاق المجوهرات التقليدية وأصبح جزءًا من صناعات تعتمد على التكنولوجيا والمواد المتقدمة، ومع تطور تقنيات إنتاجه، بدأ الألماس المصنع داخل المعامل في جذب اهتمام قطاعات متعددة تشمل الإلكترونيات والليزر والطب وأشباه الموصلات والتطبيقات المرتبطة بالحوسبة الكمية.

ويرى «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن هذا التطور قد يتيح لمصر فرصة لدراسة الدخول في صناعة مختلفة عن الصناعات القائمة على الموارد الطبيعية، إذ ترتكز قدرتها التنافسية بصورة أكبر على التكنولوجيا والطاقة والبحث العلمي وتوفير الكفاءات الفنية والهندسية، وتتوافق هذه العوامل مع توجهات الدولة نحو زيادة التصنيع المحلي وتعميق القيمة المضافة للمنتجات المصرية وتعزيز القدرة على التصدير، إلا أن دخول هذا القطاع لا يخلو من تحديات، في مقدمتها التراجع المستمر في أسعار الألماس المعملي نتيجة زيادة الإنتاج والمعروض عالميًا.

وتشير بيانات DataM Intelligence إلى أن القيمة الإجمالية لسوق الألماس المعملي عالميًا بلغت نحو 28.28 مليار دولار خلال عام 2025، مع توقعات بوصولها إلى 61.86 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يقدر بنحو 10.1%، ورغم اتساع حجم السوق، فإن زيادة الإنتاج لم تنعكس بالضرورة على أسعار المنتج، إذ تعرضت أسعار الألماس المعملي المستخدم في المجوهرات لضغوط قوية خلال السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع المعروض.

وخلال الربع الثاني من عام 2026، تراجعت أسعار الجملة للألماس المعملي بنحو 13% مقارنة بالعام السابق، بينما انخفض سعر الألماس الدائري الذي يبلغ وزنه قيراطين بنحو 20% وفق البيانات السوقية الحديثة.

وتكشف البيانات طويلة الأجل عن حجم أكبر للانخفاض، إذ أظهر مؤشر أسعار الجملة للألماس المعملي LGD Wholesale Price Index، الصادر عن المحلل المتخصص في صناعة الألماس إيدان جولان بالتعاون مع شركة تينوريس، هبوط أسعار الجملة للألماس المعملي بنحو 96% منذ إطلاق المؤشر في يوليو 2018 وحتى الربع الثاني من 2026، ويُستخدم المؤشر في متابعة أسعار المعاملات بالجملة للألماس المعملي غير المشهّد، وجاء إطلاقه استجابة لحاجة القطاع إلى مقياس أكثر وضوحًا لمتابعة حركة الأسعار في سوق الألماس المصنع.

وتوضح هذه الأرقام طبيعة التحدي الذي تواجهه الصناعة حاليًا، فالسوق تنمو من حيث الحجم والاستخدامات، بينما تتعرض قيمة المنتج لضغوط متواصلة. ولذلك فإن المنافسة لم تعد قائمة على القدرة على زيادة الإنتاج فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بتخفيض التكلفة وتحسين الجودة والانتقال إلى تطبيقات توفر عائدًا وقيمة مضافة أكبر.

من مجوهرات الألماس إلى التكنولوجيا.. خريطة الصناعة العالمية

يمتلك الألماس المعملي خصائص تجعله مناسبًا لتطبيقات تتجاوز صناعة المجوهرات، من بينها الصلابة المرتفعة والقدرة على توصيل الحرارة وخصائصه البصرية والكهربائية، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام باستخدامه في عدد من الصناعات التكنولوجية.

وتشمل مجالات الاستخدام إدارة الحرارة في المكونات الإلكترونية والمواد المتقدمة وبعض تقنيات أشباه الموصلات، إضافة إلى أنظمة الليزر والتطبيقات الطبية والبحوث المتعلقة بالفوتونيات والحوسبة الكمية، ويمثل هذا الاتجاه فرصة أمام الصناعة لتقليل اعتمادها على سوق المجوهرات التي أصبحت شديدة الحساسية تجاه انخفاض الأسعار، والانتقال بدلًا من ذلك إلى قطاعات تعتمد على الخصائص التقنية للألماس وتسمح بتحقيق قيمة اقتصادية أكبر.

وتبرز الصين كأحد أهم النماذج العالمية في هذا المجال، إذ نجحت في بناء قاعدة قوية لإنتاج الألماس المعملي رغم أن قوتها في سوق الألماس الطبيعي لا تقوم على امتلاك احتياطيات ضخمة من الخام.

وبحسب بيانات صناعة المجوهرات الصينية لعام 2024، بلغ إنتاج الصين من الألماس المعملي نحو 22 مليون قيراط خلال العام، بزيادة تقدر بنحو 144.4% على أساس سنوي، وهو ما يعادل قرابة 63% من الإنتاج العالمي، وتتركز نسبة كبيرة من النشاط في مقاطعة خنان، التي تحولت إلى مركز رئيسي لإنتاج بلورات الألماس المعملي بفضل وجود منظومة صناعية تشمل المعدات والآلات والمواد اللازمة لعمليات النمو البلوري.

وتعتمد الشركات الصينية على تقنيات أساسية من بينها الضغط والحرارة المرتفعان HPHT والترسيب الكيميائي للبخار CVD، بينما يمنح توافر المعدات وسلاسل الإمداد محليًا المنتجين قدرة أكبر على خفض التكاليف وزيادة الإنتاج والوصول إلى الأسواق الخارجية.

وتقدم التجربة الصينية مؤشرًا مهمًا لطبيعة المنافسة في هذه الصناعة، إذ لا ترتبط الريادة بالضرورة بامتلاك الموارد الطبيعية، وإنما بامتلاك التكنولوجيا وسلسلة إمداد متكاملة وقدرة على الإنتاج بتكلفة تنافسية، أما الهند، فقد بنت نموذجًا يعتمد بصورة أكبر على خبرتها التاريخية في قطع وصقل الألماس الطبيعي، إلى جانب وجود قاعدة ضخمة لصناعة الأحجار الكريمة والمجوهرات.

وتعد مدينة سورات من أبرز مراكز هذه الصناعة في الهند، حيث تنتشر الشركات والورش المتخصصة في تصنيع وصقل الأحجار، إلى جانب شبكة واسعة من شركات التجارة والتصدير، وتوضح بيانات وكالة التصنيف الائتماني الهندية ICRA التابعة لمؤسسة موديز أن صادرات الهند من الألماس المعملي ارتفعت من نحو 225 مليون دولار خلال السنة المالية 2019 إلى 1.207 مليار دولار في السنة المالية 2025.

لكن ارتفاع حجم الصناعة لم يمنع ظهور ضغوط سعرية واضحة، إذ بلغت صادرات الألماس المعملي المصقول نحو 1.13 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، بانخفاض 10.55% على أساس سنوي، رغم زيادة الكميات المصدرة، ويعكس هذا التطور الفجوة بين نمو الكميات وتراجع القيمة، إذ أصبح الحفاظ على العائد الاقتصادي أكثر صعوبة مع استمرار انخفاض الأسعار العالمية.

وتتوقع ICRA أن تتراوح حصة الألماس المعملي بين 10% و12% من إجمالي صادرات الهند من الألماس المصقول خلال فترة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام، بما يعكس استمرار توسع النشاط رغم الضغوط التي تواجه الأسعار.

وفي محاولة لتعزيز قدرتها التكنولوجية، وافقت الحكومة الهندية على منحة للبحث والتطوير تبلغ نحو 242.96 كرور روبية على مدار خمس سنوات لإنشاء مركز الهند للألماس المعملي في المعهد الهندي للتكنولوجيا بمدراس IIT Madras، بهدف تطوير بذور الألماس والمعدات والمواد الخام محليًا وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، كما اتجهت الهند إلى خفض الرسوم الجمركية على بذور الألماس المستخدمة في إنتاج الألماس المعملي الخام إلى صفر لمدة عامين، في خطوة تستهدف دعم بناء قاعدة إنتاج وتكنولوجيا محلية.

وفي الإمارات العربية المتحدة، اتخذت الصناعة مسارًا مختلفًا يقوم بدرجة أكبر على التجارة والخدمات اللوجستية بدلًا من محاولة منافسة الصين والهند في الإنتاج واسع النطاق.

واستفادت دبي من موقعها الجغرافي وموانئها وبنيتها اللوجستية والمناطق الحرة، إلى جانب تطور منظومة تجارة الألماس بها، بينما يوفر مركز دبي للسلع المتعددة DMCC بيئة مرتبطة بتجارة وتطوير الألماس المعملي، وتتيح بورصة دبي للألماس منصة تجمع المصنعين والتجار والمستثمرين.

وسجلت تجارة الألماس عبر دبي بمختلف أنواعه مستوى قياسيًا بلغ 41.7 مليار دولار خلال عام 2025، وفق البيانات التي أعلنها مركز دبي للسلع المتعددة في يوليو 2026، مع الإشارة إلى أن الرقم يمثل إجمالي تجارة الألماس وليس قيمة الألماس المعملي وحده، وفي الولايات المتحدة، تختلف الصورة عن الصين والهند، إذ تستند القوة الأميركية بدرجة كبيرة إلى حجم الطلب والاستثمار في التكنولوجيا والتطبيقات المتقدمة، إلى جانب كونها من أبرز الأسواق العالمية لمجوهرات الألماس المعملي.

وتضم الولايات المتحدة شركات ومراكز بحثية تعمل على تطوير استخدامات الألماس في الإلكترونيات والمواد المتقدمة والتقنيات المرتبطة بالحوسبة الكمية، ما يجعل السوق الأميركية مهمة ليس فقط من زاوية الاستهلاك، وإنما باعتبارها مركزًا لتطوير التطبيقات التي يمكن أن تحدد اتجاهات الطلب المستقبلية.

أما مصر، فتمتلك عددًا من المقومات التي قد تساعدها على دراسة فرص دخول صناعة الألماس المعملي، من بينها وجود قاعدة لصناعة الذهب والمجوهرات، إلى جانب مشروع مدينة الذهب بالعاصمة الإدارية الجديدة، فضلًا عن البنية الصناعية واتفاقيات التجارة التي يمكن أن تساهم في فتح أسواق خارجية أمام المنتجات المصرية، لكن امتلاك هذه المقومات لا يعني تلقائيًا القدرة على المنافسة، إذ توضح التجارب الدولية أن بناء صناعة ألماس معملي ناجحة يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بالتكنولوجيا والطاقة منخفضة التكلفة، وتمتد إلى البحث والتطوير وتدريب الكوادر الفنية والهندسية وتوفير المعدات وخدمات صيانتها، وصولًا إلى القدرة على النفاذ للأسواق الخارجية.

ومن هنا، فإن دخول مصر إلى هذا القطاع لا ينبغي أن يقتصر على إنتاج أحجار مخصصة للمجوهرات، خصوصًا في ظل الانخفاض الحاد في الأسعار وزيادة المعروض العالمي.

والأكثر جدوى هو دراسة سلسلة القيمة بالكامل وتحديد المراحل التي يمكن لمصر أن تحقق فيها ميزة تنافسية، سواء عبر إنتاج الألماس المعملي أو القطع والصقل أو تصنيع مستلزمات الإنتاج والمعدات، إلى جانب تطوير الاستخدامات الصناعية أو بناء قاعدة تجارية للتصدير وإعادة التصدير، وتكشف التجارب الصينية والهندية والإماراتية والأمريكية أن مستقبل الصناعة لا تحدده كمية الإنتاج وحدها، وإنما القدرة على تحقيق قيمة اقتصادية من التكنولوجيا والتصنيع والخدمات والأسواق.

وبالنسبة إلى مصر، فإن الفرصة قد تكمن في بناء نموذج خاص يجمع بين عناصر التصنيع والبحث العلمي والمهارات البشرية والقدرة على التصدير، بدلًا من الدخول في منافسة مباشرة على الإنتاج الكمي في سوق تعاني بالفعل من انخفاض الأسعار.

ويخلص «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» إلى أن الألماس المعملي يمكن أن يمثل مدخلًا جديدًا أمام مصر إلى صناعة تجمع بين التكنولوجيا والتصنيع والتصدير، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطًا بقدرة المستثمرين والدولة على معالجة التحدي الأساسي، والمتمثل في إنتاج الألماس بتكلفة تنافسية وتحويله إلى منتجات وتطبيقات تحقق قيمة مضافة مرتفعة، وبذلك لا تعود أهمية الألماس المعملي مقتصرة على كونه بديلًا للألماس الطبيعي في المجوهرات، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد المصري على بناء صناعة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا، وتحقيق عوائد تصديرية وقيمة مضافة من منتج لا يعتمد على استخراج الموارد من باطن الأرض، وإنما على تطوير القدرة الصناعية والعلمية.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً