لم يكد الحبر يجف على نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي أطاحت بالأغلبية الجمهورية، حتى بدأت أجراس الإنذار والترقب تدق في بروكسل وباريس وبرلين، فخسارة ترامب للكونجرس لم تعد شأنا داخليا أمريكيا، بل تحولت إلى طوق نجاة محتمل للاقتصاد الأوروبي الذي يئن تحت وطأة الرسوم الجمركية، لتجد أوروبا نفسها أمام سؤال مصيري: هل يستطيع الديمقراطيون لجم الرئيس وكبح جماح حربه التجارية؟
صدمة في بروكسل تتحول إلى فرصة تفاوضية
تتابع العواصم الأوروبية بقلق بالغ تداعيات الزلزال السياسي في واشنطن، بعدما منحت انتخابات التجديد النصفي الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، هذا التحول يفتح وفقا لتقديرات المفوضية الأوروبية، نافذة ذهبية لإعادة فتح ملف العلاقات التجارية مع واشنطن، وإجبار الإدارة الأمريكية على الجلوس مجددا لمناقشة الرسوم العقابية التي تثقل كاهل الصادرات الأوروبية.
اتفاق يوليو 2026.. هدنة هشة لم تنه الحرب
ورغم أن الطرفين توصلا في صيف 2025 إلى اتفاق دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو 2026، وضع سقفا للرسوم الأمريكية عند 15% على معظم السلع الأوروبية مقابل إلغاء بروكسل لرسومها على الواردات الصناعية الأمريكية، إلا أن الاتفاق ظل هشاً ومليئاً بالثغرات، فالملفات الأكثر حساسية لا تزال عالقة، وفي مقدمتها الرسوم التي تصل إلى 50% على الصلب والألومنيوم ومشتقاتهما، بالإضافة إلى ملف الضرائب الرقمية الشائك.
سقف 15% تحت التهديد ومهلة حتى نهاية العام
وكشفت صحيفة لابانجورديا الإسبانية، أن الاتفاق يتضمن بندا سريا يلزم واشنطن بمواءمة رسوم الصلب والألومنيوم مع سقف الـ15% قبل نهاية 2026، وإلا يحق للاتحاد الأوروبي تعليق كافة الامتيازات الممنوحة للأمريكيين، بما في ذلك إلغاء التسهيلات للمنتجات الزراعية الأمريكية، كما يمتد الإطار التجاري حتى 2029 مع آلية مراجعة سنوية وضمانات لحماية العمال والشركات الأوروبية من أي خرق أمريكي.
برلمانيون أوروبيون يطالبون بالمراجعة الفورية
ووفقا لتقارير نقلتها صحف إسبانية، يرى عدد من نواب البرلمان الأوروبي وعلى رأسهم النائب الإيطالي باسكوالي تريديكو، أن نتائج الانتخابات الأمريكية تمنح الاتحاد فرصة تاريخية للمطالبة بمراجعة فورية للاتفاق، معتبرا أن الرسوم الحالية دمرت القدرة التنافسية للمنتجات الأوروبية في السوق الأمريكية، وأدت لتراجع الصادرات بنسبة 12% خلال الربع الأخير.
هل يملك الديمقراطيون القدرة على كبح ترامب؟
ورغم حالة التفاؤل الحذر في بروكسل، حذرت صحيفة لاراثون وشبكة يونيوز الأوروبية من المبالغة في التوقعات، فالرئيس الأمريكي لا يزال يمتلك ترسانة قانونية بموجب المادة 232 وقانون الطوارئ الاقتصادية تسمح له بفرض رسوم بشكل منفرد دون الرجوع للكونجرس، لكن سيطرة الديمقراطيين ستزيد من الرقابة البرلمانية، وتفتح الباب لجلسات استماع علنية تستدعي الشركات المتضررة، وتشكل ضغطا سياسيا داخليا قد يجبر ترامب على التراجع.
الضرائب الرقمية.. القنبلة الموقوتة القادمة
وأوضحت صحيفة 20 مينوتوس، أن الخطر الأكبر لا يكمن في الصلب، بل في ملف الضرائب الرقمية، حيث تتمسك أوروبا بحقها في فرض ضرائب على عمالقة التكنولوجيا الأمريكية مثل جوجل وميتا وأمازون، بينما تعتبر واشنطن ذلك استهدافا مباشرا لمصالحها، وتخشى بروكسل أن يستخدم ترامب هذا الملف كورقة انتقامية لفرض رسوم جديدة على السيارات الأوروبية، مما قد يشعل حربا تجارية شاملة.
خطة أوروبية للاستقلال عن واشنطن
وبالتوازي مع انتظار ما سيفعله الكونجرس الجديد، بدأت بروكسل فعليا تنفيذ خطة "الاستقلال الاقتصادي"، عبر تسريع اتفاقيات التجارة الحرة مع دول آسيا وأمريكا اللاتينية، وتعزيز صناعة الرقائق والبطاريات الأوروبية، لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية التي تستوعب وحدها 22% من الصادرات الأوروبية، في إدراك متزايد بأن العلاقة عبر الأطلسي لم تعد بمنأى عن التقلبات السياسية المفاجئة.