تترقب البورصة المصرية مرحلة جديدة من التعافي بعد موجة من التراجعات والتذبذبات التي شهدتها خلال الفترة الماضية، وسط ضغوط بيعية من المستثمرين العرب والأجانب والمؤسسات المحلية، إلى جانب تراجع السيولة وتأثير تحركات سعر الصرف والاكتتابات الجديدة على أداء السوق، فيما بدأت مؤشرات البورصة استعادة جزء من خسائرها مع وصول عدد من الأسهم إلى مستويات دعم رئيسية، وظهور فرص جديدة للشراء.
وفي تصريح خاص لموقع «صوت»، قالت الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة الاقتصاد ومحللة أسواق المال والبورصة، إن التراجعات التي شهدتها البورصة المصرية خلال الأسابيع الماضية جاءت نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها مبيعات متعاملي الشراء بالهامش، بعدما ارتفعت نسب المديونية لدى بعض المستثمرين، ما دفعهم إلى تخفيض مراكزهم وتسوية جزء من تعاملاتهم لتجنب تجاوز النسب القانونية المقررة.
ضغوط بيعية على السوق
وأضافت أن المؤسسات الأجنبية مارست ضغوطاً على السيولة داخل السوق، نتيجة ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، وهو ما دفع بعض المستثمرين الأجانب إلى بيع الأسهم لتوفير السيولة اللازمة وتحقيق أفضل استفادة من تحركات سعر الصرف عند تحويل أموالهم إلى الدولار.
وأوضحت أن اتجاه المستثمرين الأجانب نحو أدوات الدين، وعلى رأسها أذون وسندات الخزانة الأمريكية، كان من العوامل المؤثرة أيضاً، خاصة مع وجود توقعات سابقة بشأن احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما زاد من جاذبية الاستثمار في أدوات الدين ذات العوائد المرتفعة.
وأشارت إلى أن تثبيت الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة لم ينهِ جاذبية سندات الخزانة الأمريكية، خاصة السندات طويلة الأجل لمدة 10 سنوات، وهو ما ساهم في استمرار حالة الترقب لدى المستثمرين الأجانب، وزيادة الضغوط البيعية على الأسهم المصرية، بالتزامن مع مبيعات من جانب المتعاملين العرب.
ولفتت إلى أن هذه الضغوط امتدت بعد ذلك إلى المؤسسات المحلية، خاصة مع انخفاض قيم التداول وعدم وضوح الرؤية الاقتصادية، إلى جانب تتابع الاكتتابات الجديدة التي أدت إلى سحب جزء من السيولة المتاحة في السوق، مع اتجاه المؤسسات إلى توفير الأموال اللازمة للمشاركة في الطروحات وتكوين مراكز استثمارية بها.
تأثير طرح بنك القاهرة على أداء البورصة
وتطرقت رمسيس إلى تأثير طرح بنك القاهرة على أداء البورصة، موضحة أن السوق شهد أداءً سلبياً خلال جلسة الطرح، رغم حضور رئيس مجلس الوزراء، وهو ما انعكس على أداء السهم، الذي بدأ الجلسة بارتفاع وصل إلى نحو 7%، قبل أن يتراجع ويقلص مكاسبه وينهي التعاملات على انخفاض.
وأضافت أن أداء السهم في يوم الطرح دفع بعض المتعاملين إلى الاعتقاد بأن الاكتتاب لم يحقق النجاح المتوقع، إلا أن الصورة تغيرت خلال الجلسات التالية، مع ظهور إقبال على السهم، خاصة أن سعره يُعد جاذباً مقارنة بأسعار الأسهم المتداولة في قطاع البنوك.
أسباب عودة الصعود
وأكدت خبيرة أسواق المال أن موجة الصعود التي شهدتها البورصة بعد التراجعات جاءت عقب وصول عدد كبير من الأسهم إلى مستويات دعم رئيسية، بعدما تراجع المؤشر الرئيسي EGX30 إلى مستوى 48,500 نقطة، وهبط مؤشر EGX70 إلى أقل من 16 ألف نقطة، وهو ما أعطى إشارات دخول للمستثمرين الباحثين عن فرص الشراء عند مستويات سعرية منخفضة.
وأوضحت أن انتهاء جزء من الضغوط المرتبطة باكتتاب بنك القاهرة، وعودة الأموال المتبقية من الاكتتاب إلى المستثمرين، ساعدا على توفير سيولة جديدة داخل السوق، وهو ما انعكس تدريجياً على أداء الأسهم، ودعم محاولات التعافي واستعادة جزء من الخسائر السابقة.
وأضافت أن استقرار سعر الدولار أمام الجنيه، وبدء تراجعه نسبياً، ساهما في تحسين نظرة المستثمرين الأجانب إلى السوق المصرية، مع إمكانية تحقيق مكاسب من الاستثمار في الأسهم، إلى جانب الاستفادة من تحركات سعر الصرف عند التخارج وتحويل الأرباح إلى الدولار، وهو ما قد يشجع على عودة جزء من الاستثمارات الأجنبية والتدفقات النقدية إلى البورصة.
توقعات الفترة المقبلة
وعن توقعاتها لأداء البورصة المصرية خلال الفترة المقبلة، قالت رمسيس إن استمرار الصعود سيظل مرتبطاً بالتطورات السياسية والاقتصادية العالمية، خاصة نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وما قد تتركه من تأثيرات على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية والتعامل مع الأزمات الإقليمية.
وأشارت إلى أن تفوق الديمقراطيين على الجمهوريين قد يدفع نحو التركيز بصورة أكبر على الملفات الداخلية الأمريكية، ومراجعة حجم المساعدات الخارجية، إلى جانب زيادة الضغوط من أجل وقف الحرب الأمريكية الإيرانية واحتواء التوترات في المنطقة.
وأضافت أن تراجع حدة التوترات الجيوسياسية من شأنه أن ينعكس إيجابياً على الأسواق، لأن الاستقرار الإقليمي يشجع المستثمرين على ضخ أموال جديدة، ويساعد على عودة الاستثمارات العربية والأجنبية، فضلاً عن تحسين أداء الشركات المقيدة بالبورصة.
وأوضحت أن استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية ينعكس أيضاً على انتظام سلاسل الإمداد وتوافر الغاز ومدخلات الإنتاج، وهو ما يساعد الشركات على تنفيذ خططها الإنتاجية في مواعيدها، ويفتح المجال أمام زيادة الصادرات ونمو الإيرادات وتحسن نتائج الأعمال.
وأكدت أن توقعاتها تميل إلى استمرار الاتجاه الصاعد للبورصة، مع ضرورة متابعة مستويات المقاومة والدعم وحجم السيولة، مشيرة إلى أن مستوى 51,200 نقطة يمثل منطقة دعم رئيسية للمؤشر الرئيسي EGX30 وفقاً للمستويات التي تتابعها، وأن تجاوز هذا المستوى والاستقرار أعلاه لأكثر من جلسة، مصحوباً بارتفاع قيم التداول، قد يدعم استمرار الصعود.
وحذرت في الوقت نفسه من أن أي تصعيد عسكري جديد، خاصة في حالة تعرض المنشآت النووية الإيرانية لضربة، قد يغير اتجاهات السوق ويعيد الضغوط البيعية، في ظل صعوبة التنبؤ بالقرارات السياسية الأمريكية والتحركات المحتملة خلال الفترة المقبلة.
قطاعات تقود البورصة
وبالنسبة للقطاعات المتوقع أن تقود حركة السوق، توقعت رمسيس عودة قطاع العقارات إلى صدارة القطاعات النشطة، إلى جانب قطاع البنوك، ولكن مع اختلاف الأسهم التي قد تتولى قيادة القطاع، مشيرة إلى فرص محتملة في أسهم بنك التعمير والإسكان وبنك القاهرة وبنك أبوظبي الإسلامي.
كما توقعت عودة قطاع المواد الأساسية إلى واجهة التداولات، مع بداية تحسن أداء قطاع الأدوية والرعاية الصحية، بعد الخسائر التي تعرض لها خلال الفترة الماضية، خاصة مع وجود احتمالات لزيادة أسعار الأدوية نتيجة ارتفاع تكلفة الدولار وتأثير ذلك على تكاليف الإنتاج ومدخلات الصناعة.
وأكدت أن هذه القطاعات قد تشهد تحركات إيجابية خلال الفترة المقبلة، في ظل تحسن السيولة وعودة شهية المستثمرين للشراء، مع ضرورة التفرقة بين أداء كل سهم على حدة ومتابعة نتائج أعمال الشركات ومؤشرات التداول.
ارتداد مؤشر السبعين
وعن مؤشر EGX70، أوضحت رمسيس أن هناك فرصاً لحدوث ارتداد صاعد خلال الفترة المقبلة، خاصة أن المؤشر كان من أوائل المؤشرات التي بدأت حركة التصحيح، وتعرضت أسهمه لضغوط قوية نتيجة خسائر متعاملي الشراء بالهامش، وهو ما جعل المستثمرين الأفراد أكثر حذراً في اتخاذ قرارات الشراء.
وأضافت أن هناك أسهماً جيدة داخل قطاعات الأسمنت والعقارات، يمكن أن تستفيد من عودة السيولة إلى السوق، متوقعة إمكانية وصول المؤشر إلى مستوى 17 ألف نقطة حال تحسن أداء التداولات وعودة المستثمرين الأفراد تدريجياً.
وأشارت إلى أن مستوى 16 ألف نقطة يمثل منطقة دعم مهمة، بينما قد يمثل مستوى 17,500 نقطة مقاومة أمام المؤشر، مؤكدة أن تحديد اتجاهه خلال الفترة المقبلة سيتوقف على حجم السيولة وقوة القوى الشرائية، ومدى عودة المستثمرين العرب والأجانب إلى الأسهم بدلاً من التركيز على أدوات الدين.
ولفتت إلى ضرورة متابعة توجهات المؤسسات الأجنبية والعربية، لمعرفة ما إذا كانت النسبة الأكبر من استثماراتها ستتجه إلى الأسهم أم إلى أذون وسندات الخزانة، باعتبار ذلك من العوامل المهمة في تحديد اتجاه السيولة داخل البورصة المصرية.
اكتتابات تضغط السيولة
وحذرت رمسيس من استمرار تأثير الاكتتابات الجديدة على السيولة داخل السوق، مشيرة إلى وجود طرح مرتقب لشركة مصر للتأمين، مع اهتمام الدولة بتنفيذه في موعده المحدد.
وأوضحت أن اقتراب أي اكتتاب جديد غالباً ما يؤدي إلى تراجع السيولة المتاحة للتداول، نتيجة اتجاه المؤسسات والمستثمرين إلى بيع بعض الأسهم لتوفير الأموال اللازمة للمشاركة في الطرح، خاصة الاكتتابات الخاصة التي تستهدف أصحاب الملاءة المالية المرتفعة، والذين يسعون إلى تكوين مراكز استثمارية كبيرة.
وأكدت أن هذا العامل يجب أن يكون ضمن حسابات المستثمرين خلال الفترة المقبلة، لأنه قد يؤدي إلى حدوث تذبذبات مؤقتة في السوق، حتى مع استمرار الاتجاه العام نحو الصعود.
نصائح مهمة للمستثمرين
وفيما يتعلق بنصائحها للمستثمرين، شددت خبيرة أسواق المال على ضرورة متابعة الأخبار الاقتصادية والجيوسياسية قبل اتخاذ قرارات البيع والشراء، وعدم الاعتماد على حركة الأسعار فقط، خاصة في ظل سرعة تأثر البورصة بالتطورات المحلية والعالمية.
ونصحت المستثمرين بضرورة التفكير في تسوية جزء من مراكزهم والاحتفاظ بسيولة عند تحقيق أرباح تتجاوز 15%، للاستفادة من الفرص التي قد تظهر مع أي تراجعات جديدة، مؤكدة أهمية عدم استثمار الأموال المخصصة للمعيشة اليومية أو سداد الالتزامات أو تجهيزات الأسرة في البورصة.
وأضافت أن الفترة الماضية شهدت خسائر كبيرة لبعض المتعاملين، ووصل الأمر إلى دخول أشخاص بأموال كانوا يدخرونها لتجهيز أنفسهم أو بأموال من معاشاتهم، وهو ما يعكس خطورة استخدام الأموال الأساسية في استثمارات تتسم بالتذبذب والمخاطرة.
وأكدت أن الاستثمار في البورصة يجب أن يكون من خلال الأموال الفائضة التي لا يحتاج إليها المستثمر في التزاماته اليومية، مع ضرورة توزيع رأس المال وعدم ضخ كامل المدخرات في الأسهم.
واختتمت رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أهمية الاحتفاظ بجزء من الأموال خارج البورصة، حتى يتمكن المستثمر من استغلال فرص الشراء عند حدوث تراجعات أو أزمات مفاجئة، مشيرة إلى أن إدارة السيولة وتجنب الشراء بالهامش دون خبرة كافية يمثلان من أهم عوامل حماية رأس المال وتقليل الخسائر في ظل التقلبات المستمرة التي تشهدها أسواق المال.