في ليلة انتخابية لم يتوقعها أكثر المتفائلين داخل المعسكر الديمقراطي، شهدت الولايات المتحدة ما وصفته الصحافة الأمريكية بـ "الموجة الزرقاء العاتية"، حيث تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة الكاملة على غرفتي الكونجرس، الشيوخ والنواب، في هزيمة قاسية للحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب، بعد عامين فقط من عودته إلى البيت الأبيض، في استفتاء شعبي واضح على سياساته الداخلية والخارجية.
أرقام الصدمة.. 54 مقعدا للشيوخ و240 للنواب
أظهرت النتائج الأولية التي رصدت حتى فجر الخميس، تمكن الديمقراطيين من حسم 54 مقعدا في مجلس الشيوخ مقابل 44 للجمهوريين مع بقاء مقعدين لم يحسما بعد، بينما في مجلس النواب حقق الديمقراطيون قفزة هائلة بحصولهم على 240 مقعدا مقابل 147 للجمهوريين، مع وجود 48 مقعدا لا تزال نتائجها معلقة، وهي أرقام لم يحققها الحزب منذ عام 2014 حين كان يسيطر على 55 مقعدا.
اختراق القلاع الحمراء.. تكساس وكانساس تسقطان
ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن الإنجاز الأكبر للديمقراطيين لم يكن في العدد فقط، بل في الجغرافيا السياسية، حيث انتزعوا ما لا يقل عن سبعة مقاعد في ولايات كانت تعتبر معاقل جمهورية صلبة، وهي مين وأوهايو وكارولاينا الشمالية والجنوبية وتكساس وكانساس وأيوا.
واللافت أن معظم هذه الولايات لم يفز بها ديمقراطي في انتخابات الشيوخ منذ عام 2008 في عهد باراك أوباما، أما ولاية كانساس المحافظة فلم يفز بها ديمقراطي منذ قرابة قرن كامل، كما أن ولاية تكساس التي كانت حتى يوم الثلاثاء أكبر ولاية محافظة من حيث السكان ورمز الحزب الجمهوري، سقطت في يد الديمقراطيين للمرة الأولى منذ عقود.
5 ولايات انقلبت على ترامب بعدما صوتت له في 2024
وتكمن الدلالة الأخطر في النتائج أن خمس ولايات كانت قد منحت أصواتها لدونالد ترامب في انتخابات الرئاسة 2024 بفارق يتجاوز 10 نقاط، عادت ومنحت أصواتها للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، مما يؤكد حدوث تحول جذري في مزاج الناخب الأمريكي خلال عامين فقط.
وكشفت بيانات تحليلية، أن القطاعات التي أوصلت ترامب للرئاسة هي نفسها التي انقلبت عليه، وعلى رأسها الناخبون من أصول لاتينية، والشباب دون سن الثلاثين، والبيض من الطبقة العاملة غير الحاصلين على شهادات جامعية، وهي القاعدة التي اعتمد عليها ترامب في 2024، وذلك بسبب مخاوف تكاليف المعيشة والاستياء العام من سياساته.
لعنة دعم ترامب.. نصف مرشحيه يخسرون
وفي تحليل صادم نشرته صحيفة جارديان البريطانية، تبين أن الدعم العلني للرئيس ترامب تحول إلى عبء انتخابي، فمن بين 26 مرشحا لمجلس الشيوخ حظوا بدعم مباشر من ترامب، لم يفز سوى نصفهم فقط، بينما في سباقات حكام الولايات من بين 23 مرشحا مدعوما من ترامب، فاز 9 فقط وخسر 12 ولا يزال سباقان معلقان.
أما في مجلس النواب فكان الأداء أفضل نسبيا حيث فاز نحو 60% من مرشحي ترامب، لكن 46 مرشحا منهم خسروا في الدوائر التنافسية، مما يطرح تساؤلات جدية حول تراجع نفوذ ترامب الانتخابي وقدرته على حسم السباقات.
سقوط سوزان كولينز.. رمز نهاية حقبة
ومن بين الخسائر التي تحمل دلالة رمزية خاصة، خسارة السيناتور الجمهورية المخضرمة سوزان كولينز في ولاية مين، وهي الجمهورية الوحيدة التي كانت تمثل منطقة نيو إنجلاند المكونة من 6 ولايات في الكونجرس، واعتبرت خسارتها بمثابة استفتاء مباشر على ارتباطها بترامب، خاصة أن ترامب نفسه خسر ولاية مين في 2024 بفارق 7 نقاط.
فاينانشيال تايمز: بداية النهاية لعصر ترامب
وعلقت صحيفة فاينانشيال تايمز في افتتاحيتها قائلة إن الموجة الزرقاء التي اجتاحت الكونجرس ليست مجرد انتصار حزبي، بل هي انتصار تاريخي للديمقراطية الأمريكية، وبداية النهاية لعصر ترامب، مشيرة إلى أن آليات الضبط والتوازن في النظام الأمريكي تعرضت لضغوط غير مسبوقة بسبب النزعات السلطوية للرئيس، وجاء رد الناخبين ليؤكد أن ركائز الديمقراطية لا تزال صامدة.