موجة الربيع الأوروبي,, أزمة الإسكان تفجر الثورة في الشوارع البرتغالية

صوت |
الاثنين 02/11/2026 04:55 م
موجة الربيع الأوروبي,, أزمة الإسكان تفجر الثورة في الشوارع البرتغالية
مظاهرات البرتغال
س
سيد مصطفى

كشفت صحيفة «البايس» الإسبانية، أن البرتغال تشهد واحدة من أسوأ موجات التظاهر في تاريخها، خاصة بعد قمع الشرطة للاعتصامات السلمية، مخلفة العشرات من الجرحى في نهاية هذا الأسبوع، يشعل عاصفة سياسية حادة، وتعد البرتغال البلد العضوي في الاتحاد الأوروبي الذي شهد أعلى معدل ارتفاع في أسعار المنازل.

وأكدت الصحيفة، أنه من بين جميع اللافتات المعلقة على تمثال الملك بيدرو الرابع في ساحة "روسيو"، التي تُعد بؤرة الاحتجاجات المطالبة بالحق في السكن في لشبونة، تبرز لافتة واحدة تقول: "سنكرر أبريل إذا لزم الأمر"، وهي عبارة لا تحتاج إلى ترجمة؛ فقط أطياف "ثورة القرنفل" لعام 1974 التي أطاحت بالدكتاتورية – ثورة أبريل، ثورة الضباط والقرنفل الأحمر المحشور في فوهات البنادق – تحوم وتلهم الآلاف من الشباب ومن هم أكبر سناً الذين يتدفقون إلى شوارع البرتغال، مخنوقين بغلاء الإسكان وارتفاع تكاليف المعيشة.

تظاهرات البرتغال لا تشبه فرنسا أو إيطاليا

ولا تشبه هذه التظاهرات تلك التي تشهدها فرنسا أو إيطاليا، ولا حتى احتجاجات برشلونة؛ فهي تجمعات سلمية تماماً، مثل التظاهرة الحاشدة التي جرت يوم الثلاثاء أمام البرلمان بينما كان النواب يناقشون الموازنة العامة لعام 2027 (وهي موازنة متوازنة وتصب في مصلحة القدرة الشرائية للمواطنين، بحسب حكومة يمين الوسط). كما أنها تماثل في سلميتها تلك الاعتصامات التي أثار قمعها الشرطي العنيف في لشبونة وبورتو عاصفة سياسية أجبرت رئيس البلاد، الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، على الخروج عن صمته بالقول: "لم يعجبني ما رأيته", تعليقاً على صور الإخلاء العنيف التي جرت في عطلة نهاية الأسبوع في 24 و25 أكتوبر.

وقد جدد الرئيس البرتغالي – الذي استدعى هذا الأسبوع القادة السياسيين والخبراء لمناقشة أزمة الإسكان – دعوته لمساءلة المتسببين، وذلك إثر حملة إخلاء جديدة لاعتصامات في المدينتين خلفت ما بين 80 إلى 100 جريح (بحسب مصادر مختلفة) جراء تدخل قوات مكافحة الشغب. وبعد ساعات قليلة فقط، عاد الآلاف للاحتشاد في الساحات التي تم إخلاؤها في لشبونة وبورتو.

تعاني البرتغال أسوأ أزمة إسكان في الاتحاد الأوروبي

وتعاني البرتغال أسوأ أزمة إسكان في الاتحاد الأوروبي بأسره؛ إذ تضاعفت أسعار الشراء مرتين منذ عام 2017، ومثلها تقريباً أسعار الإيجارات.

وفي ظل حد أدنى للأجور لا يبلغ 1,000 يورو، بات دفع 1,200 يورو شهرياً مقابل شقة عادية أمراً مستحيلاً بالنسبة لغالبية السكان.

وتوضح أدريانا دياس (32 عاماً)، وهي معلمة لغة إسبانية في إحدى المدارس الرسمية تعيش بمفردها بمساعدة والديها: "هناك نقص في المعلمين في لشبونة، فهم يرحلون لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف الإيجار،  أنا محظوظة، وأدرك ذلك، لأن آخرين في مثل عمري لا يستطيعون سوى استئجار غرفة، لكن حالتي المفترض أن تكون هي القاعدة الطبيعية. غير أن الرواتب باتت تعجز عن تغطية إيجار سكني عادي".

ولا يأتي هذا المخاض من فراغ؛ بل هو حصيلة لصدمتين عالميتين: الأزمة المالية لعام 2008 التي دمرت قطاع البناء، وأزمة الجائحة وما تلاها من تدفق للسياحة الجماعية والرقمية، فالإقبال المتزايد للمغتربين الوافدين إلى لشبونة – وغيرها من مدن جنوب أوروبا التي تتميز بجودة الحياة وانخفاض الأسعار – أدى إلى توتر سوق يعاني أساساً من قصور في المعروض، حيث بالكاد تلبي أعمال البناء الجديدة ثلث حجم الطلب الفعلي.

وعلاوة على ذلك، أدى تدفق المستثمرين الأجانب – المغريات "التأشيرات الذهبية" التي جرى تقييدها لاحقاً – إلى مزيد من اختناق السوق وقفزة جنونية في الأسعار.

المتسبب في أزمة البرتغال

وتضيف دياس: "اليمين المتطرف (حزب 'شيغا'، أكبر أحزاب المعارضة) يلقي باللوم على المهاجرين، لكنني أحمل المسؤولية للمضاربين، نحن لسنا مجرد دمى في ديكور سياحي، لشبونة مدينتنا ولنا وحدنا". مهاجرون معوزون مقابل أجانب أغنياء أو مغتربين؛ ثنائية منحرفة تسلل سمها إلى خطابات اليمين الذي يتهم المهاجرين، واليسار الذي يحمل رأس المال الأجنبي المسؤولية.

وحتى رئيس الوزراء، المحافظ لويس مونتروج، دافع عن موازنته ملقياً باللوم على حكومات الحزب الاشتراكي السابقة بتهمة استهداف رأس المال الأجنبي وتجاهل "الهجرة الخارجة عن السيطرة" التي شجعوها برأيه. وبلغ عدد السكان الأجانب المقيمين في البرتغال 1.6 مليون نسمة بنهاية شهر ديسمبر الماضي، ممثلين بذلك 14% من إجمالي السكان البالغ نحو 11.5 مليون نسمة، وهو ضعف الرقم المسجل في نهاية عام 2021 (748 ألف مهاجر)، مما يفسر الضغط الواقع على البنى السكنية والخدمات العامة.

ورغم ما يقال، تؤكد دياس قائلة: "يقولون إن الناس لا يتحركون، لكن هذا غير صحيح، ها نحن هنا", مستشهدة بتجمع صغير لنقابات الوظيفة العامة أمام البرلمان يوم الثلاثاء.

قمع شرطي غير مبرر

وفي السياق ذاته، يشير أنطونيو كوستا بينتو، من معهد الدراسات الاجتماعية بجامعة لشبونة، إلى أن الاحتجاجات الشبابية في البرتغال تميزت – رغم تواضع أعدادها نسبياً – بعامل غير متوقع تمثل في "القمع الشرطي غير المبرر في بورتو، مصحوباً بخطاب يعلي شأن القانون والنظام من قبل رئيس البلدية. ومنذ ذلك الحين، أصبح خطاب الحكومة أكثر اعتدالاً وقبلت أحزاب اليمين مبادرة الحوار التي أطلقها رئيس الجمهورية", وذلك في تصريحات أدلى بها يوم الجمعة، عشية حملة الإخلاء العنيف الجديدة في لشبونة وبورتو.

وتتصدر منصة "كاسا بارا فيفير"، التي تضم نحو ثلاثين جمعية، طليعة الاحتجاجات. ويقول نونوس راموس دي ألميدا، المتحدث باسم المنصة: "رسالة الشارع لفتت انتباه السياسيين، لكني لست متأكداً مما إذا كانت كافية. في زمن التويكا، تراجعت حكومات اليمين المحافظ بقيادة باسوس كويلو عن قوانين بسبب ضغط الشارع، ونأمل أن يتكرر ذلك اليوم", في إشارة إلى قانون الإيجار الجديد الذي يصض في صيغته الحالية مصلحة المالك على حساب المستأجر.

ويحذر المتحدث بالقول: "حالات الإخلاء القسري هي مجرد قمة الجلوس؛ والمشكلة تكمن في أن عمليات الإخلاء هنا لا تحظى بالتغطية الإعلامية الكافية، ولدينا نحو ألف حالة سنوياً، فضلاً عن أولئك الذين يغادرون بيوتهم بصمت لأنهم يعجزون عن سداد قيمتها". وتؤكد النسبة العالية للسكان الذين يعيشون في ظروف هشّة بسبب أسعار الإيجار وجود هاوية وشيكة: "27% من السكان يرزحون تحت خط الفقر بعد دفع الإيجار أو قسط الرهن العقاري".

وقد أسهم القمع الشرطي للاعتصامات في دفع أبناء الطبقة الوسطى إلى الشارع دفاعاً عن حق التظاهري. وفي احتجاج الثلاثاء أمام البرلمان، امتزج أواسط العمر من سكان لشبونة، والموظفون، والشباب الحاملون لأطفالهم، والعديد من أصحاب المهن الحرة، والمتقاعدون، في بحر من أزهرا القرنفل الأحمر التي رُفعت كرايات ولافتات وحتى كأسلحة. وتصاعدت ألحان أغنية "جراندولا فيلا مورينا"، النشيد الخالد لثورة أبريل، وسط أجواء سلمية تعاكس تماماً السلوك الشرطي، لدرجة أن هوغو سواريز، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم، اضطر للاعتراف بوجود "تجاوزات".

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً