السيسي من الكرملين: 5 محاور مصرية لتعزيز الشراكة الروسية الأفريقية

صوت |
الخميس 29/10/2026 01:42 م
السيسي من الكرملين: 5 محاور مصرية لتعزيز الشراكة الروسية الأفريقية
الرئيس السيسي

من قلب موسكو، وفي واحدة من أبرز محطات التعاون الروسي الأفريقي، طرحت مصر رؤيتها لمستقبل الشراكة مع القارة السمراء، رؤية تتجاوز حدود التفاهمات السياسية إلى مشروعات اقتصادية وتنموية، وتضع أمن المياه والغذاء والطاقة في صدارة الأولويات، بالتوازي مع رسائل واضحة بشأن أمن البحر الأحمر ووحدة السودان وإصلاح النظام الدولي.

وخلال مشاركته في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، قدّم الرئيس عبد الفتاح السيسي ملامح التحرك المصري، مستندًا إلى شراكة استراتيجية مع موسكو، ومؤكدًا أن مستقبل التنمية في أفريقيا يرتبط بقدرة دولها على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشروعات إنتاجية وتكامل اقتصادي حقيقي.

من سوتشي إلى موسكو.. شراكة تبحث عن خطوات تنفيذية

استهل الرئيس السيسي كلمته بتوجيه الشكر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استضافة القمة، وإلى رئيس الاتحاد الأفريقي إيفاريست ندايشيميي، مؤكدًا أهمية البناء على مسار التعاون الذي انطلق من القمة الأولى في سوتشي عام 2019، وتواصل خلال القمة الثانية في سان بطرسبرج عام 2023.

وتأتي القمة الثالثة، المنعقدة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، في سياق السعي إلى توسيع مجالات التعاون بين روسيا والدول الأفريقية، والانتقال من تقييم ما تحقق إلى وضع أولويات أكثر وضوحًا للمرحلة المقبلة. 

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ، تراعي احتياجات الدول الأفريقية وتحقق مصالح متبادلة، بدلًا من الاكتفاء بإعلانات التعاون العامة.

الضبعة وقناة السويس.. نموذج للتعاون الاقتصادي

وفي استعراضه للتجربة المصرية الروسية، أشار الرئيس إلى مشروعات استراتيجية تعكس اتساع مجالات التعاون بين البلدين، وفي مقدمتها محطة الضبعة للطاقة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويمثل مشروع الضبعة أحد أبرز مشروعات التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، إذ يضم أربع وحدات بقدرة 1200 ميجاوات لكل منها، فيما تستهدف المنطقة الصناعية الروسية توفير قاعدة للتعاون الإنتاجي والصناعي، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لقناة السويس في حركة التجارة العالمية.

وتتجاوز أهمية هذه المشروعات قيمتها الاستثمارية المباشرة، إذ تفتح المجال أمام تطوير القدرات الصناعية، وتبادل الخبرات، وتعزيز الروابط الاقتصادية طويلة الأجل.

ومن المنظور المصري، يمكن أن يشكل هذا النموذج أساسًا لتوسيع التعاون مع الدول الأفريقية في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية، بما يدعم الانتقال من الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى بناء اقتصادات أكثر تنوعًا وقدرة على الإنتاج.

خمسة محاور.. خريطة مصرية للتنمية الأفريقية

وحددت الرؤية المصرية خمسة محاور رئيسية لتعزيز التنمية والتكامل داخل القارة.

أولها دعم إقامة الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، بما يسهم في تسهيل حركة التجارة وربط الأسواق الأفريقية.

وثانيها زيادة التجارة البينية الأفريقية، عبر إزالة العقبات أمام انتقال السلع وتعزيز فرص الاستفادة من الأسواق الإقليمية.

أما المحور الثالث، فيتمثل في توسيع التعاون في مجالات الطاقة والربط الكهربائي، بما يدعم أمن الإمدادات ويرفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة.

ويأتي الأمن المائي والغذائي ودعم التنمية الزراعية في مقدمة المحور الرابع، باعتبارهما من الملفات المرتبطة مباشرة باستقرار المجتمعات وقدرة الدول على مواجهة الأزمات.

ويكتمل التصور بالمحور الخامس، الذي يركز على الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تتزايد أهميتها في تطوير الخدمات ورفع الإنتاجية وبناء اقتصادات أكثر قدرة على المنافسة.

وتجمع هذه المحاور بين البنية الأساسية والإنتاج والتكنولوجيا، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن التنمية المستدامة تحتاج إلى تكامل إقليمي، وإلى أن تكون الأولويات الأفريقية نابعة من احتياجات دول القارة نفسها.

إصلاح مجلس الأمن.. أفريقيا تطالب بموقع أكثر تأثيرًا

وعلى المستوى السياسي، شدد الرئيس السيسي على أهمية إصلاح النظام الدولي، بما يضمن تمثيلًا أكثر عدالة للقارة الأفريقية في مؤسسات صنع القرار العالمي.

وتتمثل إحدى أبرز القضايا في إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، استنادًا إلى توافق إيزوليني وإعلان سرت، اللذين يشكلان مرجعية للموقف الأفريقي بشأن توسيع تمثيل القارة في المجلس.

وتعكس هذه المطالب رغبة أفريقية في الانتقال من موقع التأثر بالقرارات الدولية إلى المشاركة بصورة أكبر في صياغتها، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن والتنمية والتمويل الدولي.

البحر الأحمر والسودان.. خطوط حمراء في الرؤية المصرية

وفي الملفات الأمنية، برزت مخاوف القاهرة بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي، وأهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية.

كما أكد الرئيس موقف مصر الرافض لعسكرة البحر الأحمر، أو إقامة وجود عسكري لدول غير مشاطئة على سواحله، في سياق ما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية لحركة التجارة والملاحة الدولية.

وفي الملف السوداني، جددت الرؤية المصرية التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، مع الدعوة إلى حوار سوداني خالص يتيح معالجة الأزمة بعيدًا عن التدخلات التي قد تزيد من تعقيدها.

وتعكس هذه المواقف ارتباط الأمن الإقليمي بالتنمية الاقتصادية؛ فاضطراب الممرات البحرية أو تفاقم النزاعات الداخلية ينعكس مباشرة على التجارة والاستثمار والاستقرار في الدول المجاورة.

مياه النيل.. التعاون أساس إدارة الموارد المشتركة

أما ملف المياه، فيمثل أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالأمن القومي المصري، في ظل الندرة المائية واعتماد مصر على نهر النيل بوصفه مصدرًا رئيسيًا للمياه العذبة.

وأكد الرئيس أهمية إدارة الأنهار العابرة للحدود وفق قواعد القانون الدولي، ومبادئ عدم الإضرار، والإخطار المسبق، والتشاور، والتوصل إلى تفاهمات تحقق المصالح المشتركة.

وتقوم الرؤية المصرية على أن المياه ينبغي أن تكون مجالًا للتعاون بين دول الحوض، لا سببًا لتفاقم الخلافات، بما يضمن الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، ويحافظ على مصالح الدول وشعوبها.

ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية في ظل التحديات المناخية والزيادة السكانية وتنامي الاحتياجات الزراعية والتنموية، وهي عوامل تجعل التعاون الإقليمي ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية قصيرة الأجل.

خطة عمل جديدة.. من إعلان النوايا إلى التنفيذ

واختُتمت أعمال الجلسة العامة، بحسب المعلومات الواردة في البيان، بحزمة من الوثائق التي تستهدف تنظيم التعاون خلال المرحلة المقبلة، من بينها الإعلان الختامي، وإعلان بشأن التعاون في الاستخدام المدني للذكاء الاصطناعي، وخطة عمل منتدى الشراكة للفترة من 2027 إلى 2029.

وتضع هذه الوثائق إطارًا للتعاون المستقبلي، لكن نجاحها سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المشاركة على ترجمة ما تتضمنه إلى مشروعات محددة، وجداول زمنية واضحة، وآليات متابعة وقياس للنتائج.

وفي المحصلة، تعكس المشاركة المصرية في القمة مسارًا يجمع بين تعزيز الشراكة الاقتصادية مع روسيا، والدفاع عن أولويات التنمية الأفريقية، والتأكيد على ملفات الأمن الإقليمي والمياه وإصلاح النظام الدولي.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً