رغم تراجع سعر صرف الدولار، لا تزال أسعار السلع الغذائية تمثل عبئًا متزايدًا على المواطنين، وسط تساؤلات برلمانية عن أسباب استمرار موجات الغلاء، ومدى انعكاس تغيرات سعر الصرف على تكلفة الإنتاج والأسعار النهائية للمستهلكين. وخلال مناقشة ملفات الأمن الغذائي بمجلس الشيوخ، الثلاثاء، تصاعدت المطالبات بكشف التكلفة الحقيقية للسلع وهوامش الأرباح، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، ووضع خطة حكومية واضحة لضبط الأسواق، في وقت تتكرر فيه اختلالات العرض والطلب في قطاعات الدواجن واللحوم والبيض والخضراوات.
تراجع الدولار.. لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض الأسعار؟
فتح النائب جمال أبو الفتوح، وكيل لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ، ملف ارتفاع أسعار السلع الغذائية، منتقدًا استمرار موجات الغلاء رغم تراجع سعر صرف الدولار، ومتسائلًا عن أسباب عدم انعكاس انخفاض سعر الصرف على الأسعار النهائية للمستهلكين، في ظل تزايد الأعباء المعيشية على المواطنين.
وأشار أبو الفتوح إلى أن ارتفاع سعر صرف الدولار خلال فترة سابقة من نحو 47 جنيهًا إلى 54 جنيهًا تزامن مع زيادات في أسعار السلع والمنتجات الغذائية تجاوزت، بحسب وصفه، نسبة الزيادة في سعر الصرف، مطالبًا بتفسير أسباب هذه الزيادات ومدى ارتباطها بالتكلفة الفعلية للإنتاج.
وتطرح هذه التساؤلات قضية انتقال أثر تغيرات سعر الصرف إلى الأسواق، ومدى تأثر الأسعار بتكاليف الخامات والنقل والطاقة والتوزيع، إلى جانب هوامش الأرباح وآليات المنافسة، بما يستدعي الوقوف على الأسباب الفعلية لاستمرار الغلاء.
أزمات الدواجن واللحوم والبيض.. أين خطة الحكومة؟
ولم تقتصر الانتقادات البرلمانية على أسعار السلع، بل امتدت إلى تكرار الاختلالات في الأسواق، إذ تساءل أبو الفتوح عن أسباب حدوث أزمات متتالية في منظومة الإنتاج والتوزيع، رغم إمكانية الحد منها من خلال التخطيط الجيد والتنسيق بين الجهات المعنية.
ولفت إلى ارتفاع أسعار الدواجن، أعقبه إغلاق بعض مزارع الإنتاج بسبب وفرة المعروض، إلى جانب ظهور أزمات في اللحوم والبيض والطماطم، في الوقت الذي يواجه فيه بعض المنتجين والمربين صعوبات في تسويق إنتاجهم.
وأكد أن غياب التوازن بين الإنتاج والاستهلاك يضر بالمستهلك والمنتج معًا، ويثير تساؤلات بشأن وجود رؤية حكومية واضحة للتنبؤ باحتياجات السوق وتنظيم الإنتاج، بما يمنع نقص السلع في بعض الفترات وتراكم المعروض دون قدرة على تسويقه في فترات أخرى.
ضبط الأسواق.. مطالب برلمانية بخطة حكومية معلنة
من جانبه، أكد النائب الدكتور السعيد غنيم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر بمجلس الشيوخ، أن ضبط الأسواق ومواجهة ارتفاع الأسعار وتعزيز الأمن الغذائي لم تعد مجرد قضايا اقتصادية، بل مسؤولية وطنية تمس حياة كل أسرة مصرية، وتتطلب تحركًا حكوميًا عاجلًا قائمًا على خطط واضحة ونتائج ملموسة.
وقال غنيم، خلال كلمته أمام الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، برئاسة المستشار عصام فريد، إن المواطنين يقيسون نجاح السياسات الحكومية بمدى استقرار الأسعار وتوافر السلع الأساسية وقدرتهم على تلبية احتياجات أسرهم، وليس بعدد الحملات الرقابية أو المحاضر المحررة.
وطرح رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر ثلاثة مطالب عاجلة أمام الحكومة، في مقدمتها وضع خطة معلنة لضبط الأسواق تتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا للتنفيذ، وتنسيقًا فعالًا بين الجهات الرقابية، إلى جانب تحديد مؤشرات قابلة للقياس لتقييم النتائج ومحاسبة المقصرين.
وشدد على ضرورة الانتقال من الحملات الرقابية الموسمية إلى منظومة مستدامة تضمن متابعة الأسواق بصورة مستمرة، وتربط الإجراءات الحكومية بنتائج ملموسة تنعكس على الأسعار وتوافر السلع وقدرة المواطنين الشرائية.
من المسؤول عن ارتفاع الأسعار؟.. مطالب بكشف التكلفة وهوامش الأرباح
وفي سياق متصل، طالب النائب إيهاب وهبة الحكومة بتوضيح المسؤولية عن ارتفاع الأسعار والكشف عن الأسباب الحقيقية وراء موجات الغلاء، متسائلًا عما إذا كانت تمتلك دراسات دقيقة تحدد التكلفة الفعلية للإنتاج وهوامش الأرباح، وترصد المبالغة في الأرباح والممارسات الاحتكارية المؤثرة في الأسواق.
جاء ذلك خلال الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الثلاثاء، في أثناء مناقشة ثلاثة طلبات مناقشة عامة بشأن الأمن الغذائي.
وأكد وهبة أن الدولة اتخذت إجراءات للحفاظ على الأمن الغذائي وتوفير السلع التموينية، مشيرًا إلى أنه سبق أن قدم دراسة حول الأمن الغذائي في مصر خلال دور الانعقاد الماضي، خلص فيها إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والرئيس عبد الفتاح السيسي أسهمت في تجنب أزمة غذائية خطيرة.
وأشاد بالجهود التي بذلتها الدولة للحفاظ على استقرار الأوضاع الغذائية والتموينية، لكنه شدد على ضرورة تحديد الأسباب الفعلية لارتفاع الأسعار والتعامل معها بصورة مباشرة، بما يضمن تحقيق نتائج يشعر بها المواطن.
هل تحتاج الحكومة إلى تشريعات جديدة لمواجهة الغلاء؟
وطرح وهبة تساؤلات بشأن مدى توافر دراسات حكومية تحدد التكلفة الحقيقية للإنتاج ونسب الأرباح، وترصد الممارسات الاحتكارية المؤثرة في الأسواق، مؤكدًا أن تشخيص المشكلة وتحديد أسبابها يمثلان الخطوة الأولى نحو الوصول إلى حلول فعالة.
كما طالب الحكومة بتوضيح رؤيتها بشأن القدرة الشرائية للمواطنين، متسائلًا عن موعد شعورهم بثمار جهود الدولة في زيادة الإنتاج وتوفير السلع، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط المعيشية.
واختتم النائب حديثه بالتساؤل عما إذا كانت الحكومة بحاجة إلى تعديلات تشريعية توفر أدوات أكثر فاعلية لمواجهة ارتفاع الأسعار والتصدي للاحتكار، بما يسهم في تعزيز المنافسة وضبط الأسواق وحماية المستهلكين.
الأمن الغذائي أمام اختبار الأسعار والقدرة الشرائية
وتكشف المطالبات البرلمانية عن اتساع النقاش بشأن الأمن الغذائي، من مجرد ضمان توافر السلع إلى البحث في أسباب ارتفاع تكلفتها، وآليات التسعير، ومدى فاعلية الرقابة، وقدرة السياسات الحكومية على تحقيق التوازن بين مصالح المنتجين وحقوق المستهلكين.
وفي ظل تكرار الأزمات في عدد من القطاعات الغذائية، تبرز الحاجة إلى معالجة اختلالات الإنتاج والتوزيع، وتعزيز الشفافية بشأن تكاليف السلع وهوامش الأرباح، ومواجهة الممارسات الاحتكارية وفقًا للقانون.
ويبقى السؤال الأبرز أمام الحكومة: كيف يمكن تحويل جهود زيادة الإنتاج وتوفير السلع إلى انخفاض ملموس في الأسعار وتحسن في القدرة الشرائية للمواطنين؟ وهو ما يتطلب، وفقًا للمطالب البرلمانية، إجراءات قابلة للقياس وآليات رقابية مستدامة تعالج أسباب الغلاء، لا مظاهره فقط.