لم تكن حياة الفنان المصري محمد توفيق مجرد رحلة طويلة بين المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون، بل حملت الكثير من الحكايات الإنسانية والمواقف الاستثنائية التي كشفت جوانب خفية من شخصيته، فمن خطاب ملكي مزيف لجأ إليه لإرضاء والدته، إلى بدايات فنية لم يتجاوز أجره فيها 15 قرشًا، مرورًا بتجربته في الإذاعة البريطانية واعتزازه بالمسرح، وصولًا إلى أسباب ابتعاده عن التمثيل ورفضه استكمال مذكراته، تظل سيرة «شيخ الممثلين» حافلة بتفاصيل تستحق أن تُروى في ذكرى ميلاده.

محمد توفيق.. خطاب ملكي مزيف لإرضاء والدته
من أبرز الحكايات التي رواها توفيق عن حياته الشخصية، موقفه مع والدته التي لم تكن راضية عن احترافه التمثيل، وكانت تتمنى أن يلتحق بوظيفة مستقرة تضمن له مستقبلًا آمنًا.
وحكى الفنان الراحل، خلال حوار مع الإعلامية الراحلة سامية الأتربي، تفاصيل الواقعة، موضحًا أنه كان يزور الفنان سليمان نجيب، الذي كان يشغل منصب مدير الأوبرا الملكية، ولاحظ وجود أظرف تحمل الطابع الملكي، فاستغل الفرصة وكتب خطابًا مزيفًا يفيد بتعيينه مديرًا لدار الأوبرا المصرية.
وقال توفيق في روايته: «والدتي كانت تحتضر، وكانت حزينة لأنني ممثل»، موضحاً أنه أرسل الخطاب إلى منزل أسرته حتى تعتقد والدته أنه حصل على المنصب الذي كانت تتمناه له.
وأضاف أنه كتب في الخطاب تعيينه باسم «محمد بك توفيق» مديراً لدار الأوبرا المصرية، حتى تشعر أسرته بالاطمئنان إلى مستقبله، مؤكداً أن والدته رحلت وهي تعتقد أنه أصبح مديرًا للأوبرا.
بدأ بأجر 15 قرشاً.. من الهواية إلى الإذاعة
لم تكن بدايات محمد توفيق الفنية سهلة، إذ بدأ مشواره من خلال فرق الهواة، وقدم منولوجات درامية وكوميدية في الإذاعات الأهلية، قبل أن ينتقل إلى الإذاعة المصرية عقب افتتاحها عام 1934.
وفي حوار إذاعي قديم سجلته الإذاعية عواطف البدري، استعاد توفيق ذكرياته عن بداية الفنية في الإذاعات الأهلية حيث كان يمثل مع فرقة مسرحية و اتجه للتسجيل في الإذاعة بهذه المسرحيات، أول أجر حصل عليه من العمل الإذاعي كان 15 قرشاً، وقال: «وتم الاتفاق معنا بالفعل على أجر 150 قرشا للفرقة كلها، كان نصيبي منها 15 قرشا فقط».
محمد توفيق يكشف كواليس رحلته في الإذاعة البريطانية
امتدت تجربة توفيق إلى خارج مصر، إذ سافر إلى لندن وعمل في القسم العربي بالإذاعة البريطانية، وشارك في إخراج الأعمال الدرامية الإذاعية، حتى وصل إلى منصب كبير المخرجين بالقسم العربي عام 1947.
وعن رحلته المهنية، أوضح أنه بدأ عمله في الإذاعة البريطانية مذيعاً عام 1945، ثم انتقل إلى الإخراج بعد مشاركته في تنفيذ عدد من الأعمال التمثيلية، قبل أن يعود إلى مصر في نهاية عام 1947 للعمل مخرجاً بالإذاعة المصرية.
المسرح جزء من كياني وحياتي
وعن علاقته بالمسرح، عبّر محمد توفيق عن ارتباطه الكبير بخشبته، قائلًا: «المسرح جزء من كياني وحياتي».
واستعاد خلال الحوار عددًا من المسرحيات التي شارك فيها، موضحًا أنه قدم مئات الأعمال المسرحية خلال مشواره، وإن لم يعد يتذكر سوى عدد محدود منها في سنواته الأخيرة.
كما تحدث عن بداياته مع الفرقة القومية للتمثيل عام 1935، بعد اجتيازه مسابقة تقدم إليها نحو ألف شاب، لم يُقبل منهم سوى سبعة، وكان من بينهم.
وأشار إلى أن رحلته إلى بريطانيا أتاحت له التعلم على أيدي عدد من كبار المسرحيين، من بينهم لورانس أوليفييه ومايكل ريدجريف وجورج ديفاين، وهي تجربة أسهمت في تشكيل أدواته الفنية.
لماذا ابتعد عن التمثيل؟
و في أحد التصرحيات الصحفية،تحدث الفنان عن ابتعاده عن التمثيل، موضحاً أن الأدوار التي عرضت عليه لم تعد تدفعه إلى العودة للعمل الفني،وقال: «ما فيش أدوار جديدة تستفزني لاعود للتمثيل مرة أخرى».
ولم يتوقف حديثه عند طبيعة الأدوار، بل عبّر عن اختلاف رؤيته للمهنة عما اعتاده خلال سنوات عمله الطويلة، قائلًا: «التمثيل لم يعد فنا له أصوله مثل أيام زمان ولكنه أصبح اليوم قائماً على العلاقات العامة وأشياء أخرى لا أريد الخوض فيها الآن!».
رفض كتابة مذكراته
رغم امتلاك محمد توفيق رصيدًا فنيًا كبيرًا، لم يستكمل كتابة مذكراته، موضحًا في تصريحات صحفية أنه حاول تسجيل بعض ذكرياته في سنوات سابقة، لكنه توقف بعد إصابته بضعف النظر، وعدم قدرته على الاستمرار في الكتابة.قائلاً:«حكاية المذكرات عايزة صحة ووقت ومزاج رايق».
وأضاف أن أعماله الفنية قادرة على التعبير عن تجربته، مشيرًا إلى سنوات عمله في السينما والإذاعة والتلفزيون والمسرح، وما قدمه من تجارب أسهمت في تكوين أجيال من الفنانين.وكان يرى أن زملاءه وتلاميذه يمتلكون بدورهم ذكريات عن مسيرته، يمكن أن تحكي جوانب من حياته وتجربته الفنية.
تفاصيل أيامه الأخيرة
في الحوار نفسه، تحدث توفيق عن حياته بعيداً عن الأضواء، موضحاً أنه أصبح يقضي معظم وقته في المنزل، بين الاستماع إلى الراديو ومشاهدة التلفزيون وقراءة القرآن والصلاة، إلى جانب استقبال أفراد أسرته.
وعندما سُئل عن أحواله وكيف يقضي يومه بعد ابتعاده عن الوسط الفني، قال: «أنا الحمد الله بخير وأشعر بالرضا وحياتي تسير بشكل روتيني عادي»،متحدثاً عن أفراد أسرته باعتبارهم مصدر سعادته في تلك المرحلة، قائلاً: «ويلتف من حولي أولادي وأحفادي وهم كل دنيتي».
كما أشار إلى أنه كان يتلقى اتصالات من بعض أصدقائه الذين يتذكرونه ويسألون عنه، بينما كان يقضي أوقاتاً أخرى منفرداً مع ذكرياته.

رحل محمد توفيق في 27 مارس عام 2003، بعد مسيرة امتدت لعقود، تنقل خلالها بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة والإخراج والتدريس.